آخر تحديث:13:02(بيروت)
الجمعة 16/10/2020
share

أفلام الريف: الطبيعة كفضاء سياسي

يارا نحلة | الجمعة 16/10/2020
شارك المقال :
أفلام الريف: الطبيعة كفضاء سياسي الريف ليس الهواء النقي والمناظر الخلابة فحسب، هو أيضاً الخواء والغبار
بعدما كان مقرراً إجراؤها في الهواء الطلق لقرية القبيات العكارية، انطلقت النسخة الثانية لمهرجان أفلام "ريف، أيام بيئية وسينمائية" افتراضياً، وذلك التزاماً بشروط السلامة العامة التي تفرضها جائحة كورونا. وجمع المهرجان، الذي ينظمه مجلس البيئة في القبيّات بالشراكة مع الجمعية الثقافية بيروت دي سي، ثمانية أفلام وثائقية طويلة من لبنان والمغرب وإيطاليا وإيران وغيرها، بالإضافة إلى 20 فيلما قصيراً عن كورونا، بُثّت عبر منصة "أفلامنا" الرقمية، من 8 تشرين الأول الجاري وتستمر حتى 21 منه.

شخصيات الريف: اهربوا!
الريف ليس الهواء النقي والمناظر الخلابة فحسب، هو أيضاً الخواء والغبار وضراوة الطقس وعنف الإمتداد المديني والقلة الإقتصادية ونضوب الفرص، التي تجتمع لترسم ملامح قاسية على وجوه شخصياته. وبين التناغم مع الطبيعة، والصراع معها ومن أجلها، تواجه هذه الشخصيات معضلة البقاء أو الرحيل عن الأرض التي تجسّد ملعباً للنزاعات السياسية. تظهر هذه النزاعات عبر إشكاليات عديدة، كالنضال من أجل نمط حياتي وبيئي بديل عما يقدّمه الإقتصاد النيوليبرالي (كما في الفيلم الإيطالي "نوتشي سونانتي" والفيلم الإيراني "الحبيب")، والتقسيم السياسي والطائفي للجغرافيا (ميّل يا غزيل)، والصراع بين الهوية التاريخية والتوق إلى التخلّص منها (سمير في الغبار).

في ضوء هذه الصراعات، ينتصر الرحيل في الفيلم الجزائري "سمير في الغبار"، لمحمد أوزين، وهو وثائقي يروي قصة شاب جزائري ينوي مغادرة قريته الحدودية بين الجزائر والمغرب إلى بلادٍ أكثر سخاءً في القارة الأوروبية. في المقابل، يجسّد البقاء جوهر "ميّل يا غزيّل" لإليان الراهب، والذي يقدّم بورتريه "هيكل"، مزارع ستيني يقطن قرية عكارية على الحدود بين لبنان وسوريا، ويناضل في فلاحتها "تأكيداًعلى وجوده". أما "نوتشي سونانتا"، لداميانو جياكوميلي، فلا يقدّم إجابة حاسمة بشأن هذه المعضلة، إذ يتبع يوميات "سيدارتا"، وهو طفل في عمر التاسعة، يعيش مع أبيه فابريزيو حياة زاهدة في قبيلة "البندق الرنّان" التي أسّسها الأب في الثمانينات. ولعلّ تسمية "قبيلة" مبالغ بها بعض الشيء إذ إنها لا تضم سوى  فابريزيو وابنه كأعضاء دائمين، فيما يأتي زوار مؤقتون لقضاء بعض الوقت في المزرعة.

يرفض هيكل "الهروب" كما فعلت زوجته التي كانت تشاطره حلمه ببناء ملاذٍ لهما لكنها "غيرت رأيها، لم تتحمل ضغط" هذه البلاد، فهجرتها وهجرت هيكل. يصرّ على تحدّي الأزمات السياسية والإقتصادية في منطقة حدودية مهملة، لم يقها بُعدها من صخب المدينة من إنعكاساته الوخيمة. تحيا قرية هيكل التبعات الإقتصادية والسياسية للأزمة السورية فتنعكس على أسعار أغنامه، فيما لا تزال تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية ماثلة في جغرافيتها من خلال التقسيم والتنازع الطائفي على الأراضي.

أما سمير فلا يرى في المنطقة القاحلة التي يقطنها أي أسباب للمكوث، فيسأل المخرج مراراً "لماذا تصور الحجارة والجبل؟ لو كنت مكانك لصورت أشياء أجمل". يصعب على سمير اختبار جمال الطبيعة التي يعيش في كنفها حياة يثقلها العوز والخطر وتنقصها الفرص، فتدفعه إلى الإنخراط في كارتيلات تهريب المازوت. لا تسحره مناظرها الخلابة التي بهتت في عينيه لكثرة تكرارها. ويشعر بالحصار وسط الأفق الممتدّ والخاوي، فيتطلّع إلى البحر الفاصل بين وطنه وبين أرض الفرص الأوروبية ويرجوه أن يحنو عليه في رحلته شمالاً. أما هيكل، من جهته، يعيش سيدارتا مع أبيه بأسلوب بدائي يعتمد كلياً على ما تقدّمه الطبيعة من خيرات، بعيداً من اختراعات الإنسان وصناعاته في مجال الطاقة أو التكنولوجيا. أما الأم، فقد اختارت هي الأخرى الرحيل عن المزرعة لعيش حياة أكثر تحضراً. يتمتّع سيدارتا، في حياته اليومية، بمستوى من الحرية يفتقد إليه أطفال جيله المقيدون بالدوامات المدرسية أو حتى في ارتداء الملابس اللائقة. نراه يقضي نهاراته عارياً، متسلقاً الأشجار وملاعباً القطط. وعند زيارة والدته أو صديقته التي تقضي الصيف في قريته، ينظر سيداتا بعينٍ ناقدة إلى أسلوبي الحياة الريفية والحضرية، مقارناً فرصه ومقرراً خياراته. وبالرغم من استمتاعه بنمط العيش البسيط، إلا أنه يبدأ مع الوقت بالتشكيك فيه مع تزايد توقه إلى ما تقدّمه الرأسمالية من إحتمالات ووسائل للراحة والتسلية.

كورونا والريف ورومانسية الوهم
وتخللت النسخة الثانية من المهرجان، مسابقة أفلام قصيرة تتناول جائحة كورونا، وقد تضمن معظمها فكرة العودة إلى الريف لقضاء فترات الإغلاق والحجر. تروي الأفلام معايشة شخصيات مختلفة لهذه الأزمة العالمية، بما تطرحها من تأمّلات حول الموت (فيلمي "كوكب ميت" و"تابوت-19") والتخبط الداخلي في ظلّ العزلة عن العالم والمجتمع (غرفة رقم 8/3/2020) وهشاشة الإنسان في وجه المرض والإنهيار الإقتصادي (بذرة عاطلة).

إلا أن ما يفرّق هذه السلسلة عن مجموعة الوثائقيات الطويلة المشاركة، هو ميلها إلى جعل الريف رومانسياً بوصفه المهرب أو الملاذ الآمن بعيداً من أوبئة المدينة ونمط الحياة الإستهلاكي. تفشل الأفلام التي لا تتجاوز مددها الخمس دقائق في عكس صورة واقعية عن حياة الريف، تلك التي اكتُشفت على نحو فجائي، أو عن مآلات أزمة كورونا في ما يتجاوز كليشيهات العزلة المنزلية أو انتقام الطبيعة من البشر. إن هذه السلسلة المعنونة "العالم إن أعدنا إبتكاره" لا تعيد ابتكار شيء في الحقيقة، بل تكشف قصور المخيلة في إعادة بناء واقع جديد بعدما تضافرت الظروف البشرية والطبيعية في تهشيم واقعنا الأسبق.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها