آخر تحديث:12:17(بيروت)
الخميس 15/10/2020
share

"نساء وارسو" غيورغي ماركوف

المدن - ثقافة | الخميس 15/10/2020
شارك المقال :
"نساء وارسو" غيورغي ماركوف
تصدر قريباً عن منشورات سرد، رواية "نساء وارسو" للكاتب البلغاري غيورغي ماركوف، ترجمة خيري حمدان.

***

عن الكتاب

ما إن يصل «بافِل»، على رأس بعثة جيولوجية إلى «تلّ الشيطان»، حتى يحذّره الراعي العجوز القاطن هناك من أنّ عليه مغادرة التلّ خلال شهر، قبل أن ينتهي به الأمر منتحراً على فرع شجرة البلّوط، ويكون مصير بعثته مثل مصير البعثات الثماني السابقة، إلا أن الشابّ المتحمّس يصرّ على إنجاح المهمّة، على الرغم من أن أفراد بعثته يهربون من التل واحداً وراء الآخر.
شيئاً فشيئاً، يتقارب الاثنان: الشابّ الذي درس في العاصمة البولندية وارسو، والعجوز الذي يعرف خبايا التلّ وأسراره، وتصبح أمسياتهما سمراً لا ينتهي، يحكي فيها «بافِل» للراعي عن غراميّاته، فيما يستمع الأخير باندهاش، ويشتعل قلبه حبّاً بالراهبة ماريا، آخر عشيقات الشاب.
في «نساء وارسو» يكتب غيورغي ماركوف عن عالمين مختلفين حدّ التناقض، تاركاً لشجرة البلوط أن ترسم مسار النهاية..

***

من الكتاب

لم أقابلهما أبداً، وتكلّلت بالفشل كلّ محاولاتي لاستحضار وجهيهما الواحد إلى جانب الآخر، وصوتيهما ومشاعرهما وأفكارهما، للتوصّل إلى الدوافع الحقيقية لما حدث هناك، مع أنّ مخيّلتي قد اعتادت أن تعيد بناء هيكلة الأشياء اعتماداً على مقاربات عديدة أخرى. لذا يبدو لقاؤهما ضرباً من الخيال، كأنّ تفاصيل الأحداث في تلك البدايات قد صُمّمت بتناسقٍ مسبق لبلوغ هذه النهاية بالتحديد.

أذهلتني هذه الحكاية وتعذّر عليّ استيعابها بوعي ووضوح، وقد قوّضت أديم الأرض تحت قدميّ، فوجدت نفسي معلّقاً في فضاءٍ خالٍ من الجاذبية. لعلّ ذلك يترتّب على حقيقة أنّ هذه الإمكانية قابلة للتفسير، حين أشعر وأؤمن كذلك بوجود برهان واحد لا غير يوجد في الأنحاء من حولنا، فوق القمر أو خلف النجوم، حيث المبادئ وتوافيق القدر كيانٌ واحد... سرّ.

يمكن لهذه الحكاية عبر نقلها على لساني أن تبدو مُحرّفة، غير سويّة، في الوقت الذي تتحرّى فيه، بما لا يقبل الشكّ، المصداقية وقابلية حدوثها في أيّ وقتٍ أو مكان. سأبذل جهدي لنقلها بدقّة هكذا كما سمعتها. إضافة إلى كلّ البيانات التي تمكّنت من الحصول عليها في ما بعد. كما سأحاول جاهداً تجنّب الخلط ما بين الوقائع ووجهة نظري الذاتية التي كوّنتها تجاه هذه الرواية، كما سأشير إلى المواضع التي تدخّلتْ فيها مخيّلتي لمتابعة العلاقة بين المجاهيل.
اسمه بافِل، وكلّ الذين عرفوه وقابلوه يرسمون صورة باهتة لمعالم هذه الشخصية الجدلية. هو رجلٌ طويل يمتلكُ جسداً متناسقاً، ووسيم نسبيّاً. ويؤكّدون أنّهم ليسوا على ثقة من حقيقة وسامته، لكنّه مع مرور الوقت أثبت حضوره وبان للملأ رجولياً وبهيّ المطلع. تتناول النساء مظهره الخارجيّ بدقّة أكثر. بعضهنّ على قناعة من عدم لباقته، بل وقبحه، أخريات يرين عكس ذلك تماماً وهنّ على قناعة من رجولته المطلقة. أنا على قناعة من أنّه رجلٌ جذّاب، لكنّه عاجزٌ عن لفت الأنظار من الوهلة الأولى، وكما يقولون: يتوه مبدئياً في الصورة العامّة.

عيناه غامقتا اللون، لكنّي لا أجزم بأنّهما سوداوان في أيّ حالٍ من الأحوال. ربّما تلوّنتا ببعض الأصباغ الغامقة غير المحدّدة مطعّمة بخضرة أو زرقة، وتبدوان في الوقت ذاته قادرتَين على تغيير صبغتهما، مُغريتَين بقدرةٍ على التعبير المفرط والانعكاس الباهت. عينان تثيران المخيّلة وتكدّران مخيّلة الآخرين. أصدقاء بافِل يؤكّدون أنّ عينيه دوماً ضاحكتان، وأنّ الرجلَ يتعامل مع العالم بمرحٍ وبلامبالاة فائضة. أعتقد أنّ الأمر مختلفٌ بعض الشيء، وأنّ كثيرين مأخوذون بابتسامته الخلّابة الساكنة وتقاسيم وجهه الموسوم بجذلٍ حازم.
يؤكّد كلّ معارفه أنّ صوته فذّ ورجوليّ عميق «BasBaritone» وآسر. ويمكن لأيّ شخصٍ أن يجالسه ويستمع لحديثه لساعاتٍ طويلة تحت أيّ عنوان، فضلاً عن شهرته كأفضل حكواتي في الأنحاء. بعض قصصه نالت شهرة واسعة في أمسيات وارسو ولياليها، وقد أعاد سرد مغامراته مراراً حتى أدرك مستمعوه ساعات الصباح الباكر. تبدأ حكاياته بطريقة تلقائية بسيطة للغاية، كشرح قضية ما خالية من أيّ مغزىً أو معنى. يتحدّث بتؤدة  وبديهية من دون تركيز، ويطبع على وجهه ابتسامة دائمة، وكلامه لا يخلو من بعض السخرية الذاتية الحذرة. لم يشكّك أحدٌ بصدق ما يقصّه، ونالت صراحتُه إعجابهم وثقتهم. من الصعب بالطبع تفسير هذه الوضعية ذات التأثير النفسيّ الكبير. كلّ واحدٍ منّا يعرف كثيراً من الحكواتيين، لكن حين يحاول أن يقلّد رواياتهم يُفاجأ بأنّ ما أعاد سرده مجرّد ترّهات وكلام فارغ خالٍ من الإثارة.

عندما أحاولُ تحليل رغبة بافِل في القصّ وسرد بعض ما عايشه ورآه، أجد أنّ الأمور ليست بهذه البراءة، ولا أظنّه يسعى فقط لإشباع فضول أصدقائه ومريديه. أدركت أنّ كلّ القصّاصين المحترفين يمتلكون حاجةً ذاتيّة ملحّة لمواصلة السرد، بغضّ النظر عن المستمع أحياناً. وحين يسردون حكاياتهم يستمعون لأنفسهم بنشوةٍ غامرة.

تجدر الإشارة إلى أنّ بافِل، خلال سرده للقصص والوقائع، لا يذكر تحديداً أموراً خاصّة متعلّقة بشخصه، كأنّه ليس البطل الرئيس في الرواية التي عايشها، بل مجرّد شاهد على الحدث. لذا يتعذّر علينا أن نوجّه إليه أصابع الاتهام بالتورّط في محاولات تلميع الذات وتقديم صورة جذّابة لشخصه. أقام بافِل في وارسو ستّ سنوات، حيث أنهى دراسته العليا في معهد الهندسة الجيولوجية وعلوم طبقات الأرض. أنا على قناعة تامّة بأنّ العاصمة وارسو لم تلعب دوراً هاماً في هذه الحكايات، وكان من الممكن أن يُستعاض عنها بمدينة لندن أو طوكيو أو مدريد أو أيّ مكانٍ آخر في هذه الدنيا. زملاؤه أقرّوا بتفوّقه كطالب، لكنّه لم يُبدِ مهاراتٍ وإمكانيّات خاصّة خلال مرحلة دراسته، وقد ساعدته طبيعته المتنوّرة المثقّفة على اجتياز امتحاناته بيُسر. من الواضح كذلك عدم امتلاكه طموحاً كبيراً لتطوير نفسه في مجال تخصّصه المهنيّ. أعتقد أنّه أخذ يشعر بالسأم من الأسرار الكامنة في طبقات الأرض، بعد مضيّ فترة قصيرة على بدء دراسته؛ وأنّ جلّ انتباهه قد تركّز لاحقاً في مجال نظريات أصل نشوء طبقة الأرض الفوقيّة، وبصورة عامّة في الفكرة العميقة اللامتناهية المتعلّقة بدور الإنسان في الفضاء الشاسع. لكنّه على أيّ حال لم يخضع للانبهار البدائيّ باعتباره كائناً يمتلك إحدى نهايات اللامتناهيات الكونيّة. وبعد التيه القصير الأمد الذي تملّكه في نشأة المجرّات ومصائرها، سرعان ما عاد إلى شوارع وارسو المرصوفة ببلاطٍ أصفرٍ لامع. أنا على ثقة من أنّه لم يعصر دماغه لتبيان حجم العلاقة السقيمة للإنسان مع اللامتناهيات وقيمتها. ولا أظنّه قد أخذ بالحسبان البعد المخيف للقنبلة الهيدروجينية والسرطان كما هو الحال لدى الآخرين، بل كان شاباً يرفل بصحة جيّدة.

لم يكن حضوره في صالات المحاضرات منتظماً، وانقطع بصورة ملحوظة عن متابعتها قبل انتهاء المرحلة الدراسية، ومع هذا فقد كان طاقم المعيدين والأساتذة يحابونه، ولم يثقلوا عليه بالتفاصيل الجانبية المصاحبة لموادّهم العلمية. في وقتٍ من الأوقات حاول دراسة اللغات الأجنبية، لكنّه سرعان ما توقّف عن ذلك، ولم يكن من المتوقّع أن يحذو سلوكاً مغايراً.

 

غيورغي ماركوف (1929-1978)

وُلد غيورغي ماركوف العام 1929، في صوفيا عاصمة مملكة بلغاريا قبل إعلانها جمهورية بلغاريا الاشتراكية مع بدء المرحلة الاشتراكية في البلاد، إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية.

عمل في مجال الصحافة ويعدّ أحد أهم كتّاب المقال والتحليل السياسي والفلسفي. هاجر إلى إيطاليا عام 1969، ثمّ اختار لندن مقراً لإقامته حيث عمل في القسم البلغاري لراديو BBC، وعمل لصالح راديو «أوروبا الحرّة» الذي كان يبثّ برامجه من ميونخ.

أصدرت السلطة القضائية في بلغاريا ضدّه حكماً بالسجن الغيابي لمدّة ستّ سنوات عام 1978، بسبب الأعمال الصحفية الموجّهة ضدّ السلطة والحزب الشيوعي الحاكم من المهجر. اغتيل في لندن عام 1978 باحتراف غير مسبوق: بالقرب من مترو الأنفاق، وخزه عميل في ربلة ساقه برأس مظلّة يحتوي على سمّ بطيء أودى بحياته خلال أيام معدودة.

من أبرز أعماله: رواية «استطلاع للآراء»، رواية «نساء وارسو»، مسرحية «السيدة وتاجر الأجبان»، وغيرها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها