آخر تحديث:14:17(بيروت)
الأربعاء 14/10/2020
share

رحيل محمود ياسين...الوسامة والتمرد عليها

المدن - ثقافة | الأربعاء 14/10/2020
شارك المقال :
رحيل محمود ياسين...الوسامة والتمرد عليها "دي مصر يا عبلة.." ذهبت مثلاً بفضل أدائه
في الستينيات والسبعينات والثمانينات، كانت الوسامة عامل جذب وشهرة بالنسبة الى النجوم العرب عموماً، والمصريين تحديداً، والجمال في التلفزيون والسينما ليس مقتصرًا فقط على الإناث... ولسنوات طوال كان رشدي أباظة "ماركة" في الوسامة ويعتبر "دون جوان السينما"، لا يشدّ الجمهور فحسب بل تتنافس عليه نجمات تلك الأيام من الفنانة صباح إلى الراقصة سامية جمال، وظهر مع أباظة ممثلون وفنانون يتمتعون بوسامة لكن ليس بمستواه، منهم أحمد رمزي، وكمال الشناوي، وفريد شوقي، وعبدالحليم حافظ، ولاحقاً ستظهر مجموعة جديدة من الشخصيات تمثلت في حسين فهمي وشقيقه مصطفى فهمي، محمود عبدالعزيز، محمود ياسين، ونور الشريف..

يمكن القول إن محمود ياسين الذي رحل أخيراً، كان من الشخصيات التي استندت الى وسامة البطل في أدواره الرومانسية، وقدَّم في فترة السبعينيات، عدداً كبيراً من الأفلام التي تبرز وسامته. وبحسب نقاده لم تكن أدواره المستندة الى وسامته تفصح عن قدراته التمثيليّة الحقيقيّة. وطوال مرحلة كان بعض الجمهور يسأل كيف أن وجه محمود ياسين لا يتغير، هو صاحب وسامة يقدم الأدوار الرومنسية لكن رومانسيته تبدو خافتة...

وبعد فترة من العمل والشهرة، تمرّد ياسين، صاحب الصوت الأنيق الواثق، على تلك النوعية من الأدوار، وقدَّم أدواراً مغايرة تماماً لما ظهر واشتهر به... نجح في تحدي نفسه من خلال الاستغناء عن وسامته ليجسد دور "عربجي"، في الفيلم الذي حمل الاسم نفسه، الى جانب النجمين يونس شلبي ومعالي زايد، ليظهر في شكل بعيد كل البعد مما اعتادته فتيات السبعينات والثمانينات، ليخرج من دور "الدنجوان الوسيم"، ويدخل عالم فن التجسيد الحقيقي، لكن التيمة الأساس التي بقيت في ذاكرة الجمهور أنه الوجه الوسيم...

سيرة
ولد ياسين في بورسعيد، شرقي البلاد، العام 1941، وتخرج في كلية الحقوق العام 1964 وعمل محامياً لفترة قصيرة قبل أن يحترف التمثيل. اقتحم محمود ياسين عالم السينما قادمًا من دنيا المسرح، وقد حقق حضورًا لا بأس به على الخشبة، عقب هزيمة 1967، بمسرحية "الحلم" مع المخرج عبد الرحيم الزرقاني، قبل أن يخطو أولى خطواته في السينما بأدوار ثانوية العام 1968 في فيلمي "الرجل الذي فقد ظله"، و"القضية 86" ثم فيلمي"دخان الجريمة" و"حكاية من بلدنا" 1969. قدم ياسين بعد مسرحية "الحلم" أكثر من 20 مسرحية، أبرزها: "حلاوة زمان" 1971، و"ليلى والمجنون" 1972، و"عودة الغائب" 1978، و"وا قدساه" 1985، و"الخديوي" 1993. وفي العام 1970، شارك في دور ثانوي أيضاً مع الفنانة شادية في فيلم "شيء من الخوف"، ليحقق معها انطلاقة حقيقية في رائعة في "نحن لا نزرع الشوك" 1971، بعدما اكتشفه المخرج حسين كمال. وفي العام نفسه، عادت الفنانة فاتن حمامة إلى السينما بعد فترة غياب وقد اصطحبت معها محمود ياسين كوجه جديد ووسيم، ليشاركها بطولة فيلمها "الخيط الرفيع"، وتشاركه فيلمين آخرين هما "حبيبتي" 1974، و"أفواه وأرانب" 1977... ولم يكد عقد السبعينيات ينقضي حتى أصبح محمود ياسين فتى الشاشة العربية الأول، بأكثر من 70 فيلماً، شارك فيها معظم نجمات تلك الفترة. فقدّم مع نجلاء فتحي أكثر من 20 فيلماً، منها: "حب وكبرياء" 1972، و"بدور" 1974.

ومع ميرفت أمين قدم حوالي 13 فيلماً، منها "لا تتركني وحدي" 1975، و"وثالثهم الشيطان" 1978، وفي السنة نفسها شارك مديحة كامل بطولة "الصعود إلى الهاوية" ضمن 7 أفلام أخرى، وتعاون مع سعاد حسني في 3 أفلام منها "على من نطلق الرصاص" 1975، وقام ببطولة أفلام غنائية واستعراضية مثل "مولد يا دنيا" 1976.

وفي الثمانينيات، قدّم محمود ياسين أكثر من 50 فيلماً، منها "الباطنية" 1980، و"السادة المرتشون" 1983، و"الجلسة سرية" 1986، و"موعد مع القدر" 1987. وفي التسعينيات وحتى اعتزاله قدم 22 فيلماً، منها "تصريح بالقتل" 1991، و"امرأة تدفع الثمن" 1993، و"ثلاثة على مائدة الدم" 1994، وصولاً إلى دوره في فيلم "الجزيرة" 2007، وفي فيلم "الوعد" 2008، قبل أن يُنهي مشواراً فنياً امتد أكثر من نصف قرن بفيلم "جدو حبيبي" في 2012.

يقول الكاتب محمود عبد الشكور: "يمتلك محمود ياسين دوماً هذا الحضور الكبير بهيئته وصوته وبتلك الثقة التي كان يؤدي بها، حتى في أدواره الأخيرة، وكان يعرف كيف يستخدم هذا الحضور: دوره العادي في "الصعود الى الهاوية" يصبح دوراً استثنائياً بعبارة "دي مصر يا عبلة"، يضع محمود ياسين كل المعاني في عبارة، فيصبح العادي تاريخاً لا ينسى، يصبح الصوت حضوراً دائماً نسمعه طوال الوقت، مثلما نتذكر عبارته في "الجزيرة" الجزء الاول لتكون مفتاح الفيلم وصراعاته: "اوعاك توقع يا منصور".. يغيب الفنان ولا تغيب أعماله.

وكتب السينمائي نصري حجاج: "فرضت صناعة السينما المصرية أنماطاً من الممثلين وحشرتهم في إطار شخصية أو مميزات شخصية تمثيلية لم يحيدوا عنها طوال سني مهنتهم مهما اختلفت الحكايات والمخرجين والزمن. محمود ياسين من الأنماط التي فرضتها صناعة السينما المصرية وحشرته في شخصية الرجل الآدمي ذي الأخلاق العالية المحترم في علاقاته مع محيط الشخصيات الأخرى في أي فيلم عمل به. لم يمثل محمود ياسين على ما أذكر شخصية رجل لعوب أو يمارس الخيانة الزوجية أو رجل ليل وسكر وعبث بحسب ما قدمت السينما المصرية هذه الأنماط. ربما هذا ما جعل منه ثقيل الحضور احياناً، وربما لمصلحته أيضاً هذا ما جعله اقرب الى فاتن حمامة النموذج النسائي لشخصية الآدمي التي ميزته. وصوته الرخيم ميّزه، ما أعانه على أن يؤدي دائماً شخصية الرجل المحترم اخلاقياً أو الجندي المصري المقاتل ضد الأعداء".

كما يُعد محمود ياسين من أفضل من قدموا شخصية الجندي المصري في السينما. كتب الروائي ناصر عراق: "بعد حرب أكتوبر 1973 لعب محمود ياسين بطولة معظم الأفلام التي تناول صناعها هذه الحرب، ففي الذكرى الأولى للحرب، أي في 6 أكتوبر 1974، عرضت له السينما في يوم واحد فيلمين هما "الوفاء العظيم" للمخرج حلمي رفلة، و"الرصاصة لا تزال في جيبي" لحسام الدين مصطفى، وبعدها بأسبوع واحد فقط رأيناه جنديًا شارك في الحرب في فيلم "بدور" للمخرج نادر جلال، ولك أن تعلم أن الأفلام الأخرى التي عرضت في تلك الفترة أي من أغسطس حتى ديسمبر 1974 كانت غالبيتها تتسم بسذاجة الطرح.. مصنوعة على عجل، لا تقدم فكرة جادة أو تطرح رؤية جيدة، بعكس الأعمال التي قدمها محمود ياسين عن الحرب برغم أية مآخذ يمكن لنا أن نلتفت إليها الآن. تعال نستعرض معًا أسماء هذه الأفلام الساذجة التي قدمت في تلك الفترة لتدرك لماذا التف الجمهور حول محمود ياسين صاحب الأعمال الجيدة التي تحترم عقل المشاهد وذائقته الفنية. خذ عندك: (عريس الهنا/ في الصيف لازم نحب/ امبراطورية المعلم/ بمبة كشر/ شياطين إلى الأبد/ 24 ساعة حب/ عجايب يازمن)!"...

كذلك لم يهمل ياسين الأعمال التلفزيونية، فقدم حوالي 65 مسلسلاً حقق معظمها نجاحاً كبيراً، بدءاً من "المطاردة" 1969، مروراً بـ"غداً تتفتح الزهور" الذي أهدى فيه الأطفال أغنية بصوته، و"جمال الدين الأفغاني" و"محمد رسول الله" 1984، و"العز بن عبد السلام" 1987، و"أيام المنيرة" 1994.

وواصل نجوميته في "الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان" 1997، و"خلف الأبواب المغلقة" 1999، وصولاً إلى "سوق العصر" 2001، و"العصيان" و"ثورة الحريم" 2002 و2003، و"ماما في القسم"، وهو آخر مسلسل قدمه مع سميرة أحمد في 2010.

وقد أصيب الفنان محمود ياسين بمرض الألزهايمر قبل 8 سنوات، بعد آخر فيلم له "جدو حبيبي" مع الفنانة بشرى العام 2012، وكان مرشحاً لمشاركة النجم عادل إمام في مسلسل "صاحب السعادة" العام 2014، إلا أن حالته الصحية لم تسمح له باستكمال التصوير.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها