آخر تحديث:17:41(بيروت)
الثلاثاء 13/10/2020
share

شيعة كافكا

رشا الأطرش | الثلاثاء 13/10/2020
شارك المقال :
شيعة كافكا من غزوات "شيعة شيعة" على ثوار 17 تشرين في الرينغ (غيتي)
...وقد قدّم لنا "فايسبوك" أمس فرصة مثيرة للاهتمام (ولتسلية جديدة، لا نُنكر). ثقب في جدار "نيوزفيد" الأصدقاء، وأصدقاء الأصدقاء، لرؤية ما لا يتسنى لواحدنا رؤيته في العادي من الأيام. كان الأمر أشبه بالتلصص، وبالبث المباشر، على مشهد ثقافي داخلي وحميم، في أوساط "حزب الله"، هكذا بعفويته وطزاجته، وبعيداً (ليس بعيداً جداً في الحقيقة) من السياسة التي تهيمن عليها عناوين الأزمة اللبنانية.

إنها صفحة شاعر حُسيني نجم، مؤلف لطميات وأناشيد دينية منذ ثمانينات القرن الماضي، يتداول فيها القصائد و"الآراء" مع نادي معجبيه الكثر. وهو الذي، كما يقول أحدهم في منشور، تشكَّلَ على قصائده الوعيُ الحُسينيّ لكثير من الجرحى والشهداء والشباب.. هكذا، وبهذا الترتيب. لكن الشاعر مستاء من "نموذج يطرح نفسه مصلحاً في حركة الحزب السياسية وبيئته الاجتماعية، وهو أشدّ ضرراً على المقاومة في رؤيته ونظرته وطبيعة طرحه للمواضيع الخلافية!"، يقول، "فهم يدّعون أنّهم من خط المقاومة بل هم ملتزمون دينياً، وأكثر ما يحرجهم هو أن تضعهم بمواجهة آراء سماحته، فتراهم يكررون عبارة: مش كل شي تدخلوا السيد". هؤلاء الخطرون على المقاومة "مرجعيتهم السياسية والاجتماعية هي من أشباه تروتسكي ودوستويفسكي وميكافلي وشريعتي وصحافيين معروفين وذلك من لوازم إظهار الثقافة والانفتاح والعصرية!".

لكن القصة ليست هنا، رغم غواية التبحّر في ما سبق والطمع في مزيد من المرح.
فالجدل الذي أفضى بمتصفحين كثر، أمس، إلى اكتشاف صفحة الرجل الذي قال للسفير المصري خلال أمسية في السفارة السورية في كندا، وكان ابن 25 عاماً، أنه "لو قدّر لي أن أعيش قبل المتنبي لطمحت أن يشبهوه بي!"، هذا الرجل يربأ بـ"الأخوة والأخوات" اعتبار أقوال كافكا – نعم الكاتب فرانز كافكا، لا سواه – "مأثورة لينشروها وكأنّه فيلسوف عصره الذي يجب علينا الاقتداء بأقواله!". فكما أن يزيد بن معاوية "مُنكَر بالمطلق.. رغم أن أجمل بيت غزل في الأدب العربي ينسب إليه"، بحسب الشاعر نفسه، "ويجب علينا أن لا نضيء على أي ممّا فيه جذب ولو عفوي إلى أي ممّا يخصّه"، كذلك الكثير من الزعماء الصهاينة الذين "يحملون أفكاراً ظاهرها تنويرية وإنسانية"، ذلك أن "مقولة أنظر إلى ما قيل، لا مَن قال، باطلة". أما المشكلة في كافكا، فهو أنه كان يهودياً، أشكنازياً، و"مهووساً جنسياً يلاحق فتيات البارات".

ولما تصاعدت الضجة حول صراع الجبابرة في الرأي والتصنيف، أي الشاعر الحُسينيّ وكافكا، جدّد صاحب "قم يا حسين" و"قومي يا أمّاه اندبيني" و"أنا مذ غبتَ لم أنَمِ"، كتابته في فايسبوك، وردّ على "ذارفي الدموع على أخوة كافكا الذين قتلتهم النازية وكان يعيش الكآبة والحزن فأغنانا برواياته الأدبية الرائعة والتي ضجّ بها العالم المثقف وكُتبت عنه مجلدات ثقافية كثيرة!!! أما أنا لقصر نظري اتهمته انه يهودي اشكنازي ومهووس جنسياً!!!". وهنا فجّر باطح المتنبي قنبلته: فهو في 17 تشرين، أطلق على هذه النماذج، لقب "نيو شيعة" الذي دَرَج وانتشر، بحسبه.. "وفي ذكرى 17 تشرين وأجواء التطبيع سأسميهم شيعة كافكا، شيعة الهولوكوست أو شيعة حائط المبكى وأترك لهم الخيار!".. ثم تواضع الشاعر قليلاً أمام زميله المتنبي، فختم مستعيراً "يا أمة ضحكت من جهلها الأمم".

بالطبع، لا مجال لحديث جدّي ههنا عن كافكا وقيمته الأدبية كواحد من أبرز روّاد أدب القرن العشرين، والذي ما زال يلهج بذِكره أدباء من أمثال غابريال غارسيا ماركيز وميلان كونديرا وفلاديمير نابوكوف وتوماس مان، وانغمس في تحليل أدبه فلاسفة من وزن جيل دولوز وفيليكس غاتاري إلى جانب عشرات الأسماء الماركسية والانطباعية والوجودية حول العالم حتى يومنا هذا. ولا داعي للغوص أدبياً في "يهودية" كافكا و"أشكنازيته"، ورمادية تأرجحه بين الماركسية ونقدها، والاشتراكية التي دأب على تثبيت وردتها الحمراء في سترته، ومسافته من الصهيونية الصاعدة في زمنه.. أو حتى في تهويماته الجنسية التي سعى مؤرخون أدبيون إلى توثيقها من أجل فهم أعمق لعشرات الرسائل التي تركها خلفه ونجت من النار التي أضرمها في البقية، وبالتالي لتحليل إرثه القصصي والروائي الذي، إلى عبقريته، يمثّل حقبة غنية في التاريخ الحديث. والأكيد المؤكد، لا خوض في العُقد التاريخية والثقافية والسياسية المهولة المحيطة بحدث الهولوكوست والحقبة النازية. فالشاعر المخضرم وصفحته الفايسبوكية، ليسا الإطار الملائم لمثل هذا اللغو الذي لا تعيره اهتماماً نواةُ "حزب الله" الأصيلة من صانعي وناشري الثقافة الحسينية الخمينية، ولا "الفانز" الذين يتناقشون في مَن يكون "الرادود الأفضل" إضافة إلى طاعة الله وصفاء البصيرة والنهل من ندبيات النجم الفايسبوكي التي "أثمرت شهداء حرروا الجنوب وهم أمراء أهل الجنة".

لكن المكان والزمان مناسبان لبضع ملاحظات لافتة للانتباه:
أولاً، إن في البيئة الداخلية والمتدينة لحزب الله، أصواتاً مغايرة، أقلّه على المستوى الثقافي، تصعب معرفة حجمها ومدى تأثيرها لشدة ما هي مُحاصَرة ومكبوتة، لكنها موجودة، وتحاجج في الداخل ما استطاعت وتقلق غلاة الحزبيين.. ولو أنه لا أمل كبيراً في أن توسع مساحتها، وهو تماماً ما حصل مع ثوار 17 تشرين في الضاحية وقرى الجنوب والبقاع، الذين تم قمعهم وترهيبهم والاعتداء عليهم تكراراً إلى أن ذوت شعلتهم.

ثانياً، إن ثورة 17 تشرين، ورغم أنه لم يتبقّ منها سوى الذكرى التي يسعى ناشطون إلى إحيائها الآن، فهي حاضرة في وجدان الشاعر الحُسيني وما يمثل، عالقة في غيظه المكظوم.

ثالثاً، إن كلمة شيعة تسلك طريقاً تطورياً لا يخلو من المفاجآت، الخطيرة بالمعنى التحريضي، والطريفة إلى حد الإدهاش بمعانيها الحَرفية والمُبتكرة، من "شيعة السفارة"، إلى "نيو شيعة" وأخيراً "شيعة كافكا" و"شيعة الهولوكوست"! فهتاف "شيعة شيعة" صار ولّاداً لنقائضه، وما عاد اختزالياً لبيئة وطائفة وثنائية حزبية. صار الشعار رمز عراك داخلي وخارجي في آن واحد. والهوية تبدو في حاجة إلى التأكيد وإعادة التأكيد، بالمفردات "التأسيسية" لإيديولوجية حزب الله (معاداة الغرب، بكُفره، وجنسانياته، بموتاه وأحيائه، بأدبه وموسيقاه وفلسفته، بالإضافة إلى باقة الأعداء على طريقة مِن كل بستان زهرة: يزيد بن معاوية وغولدا مائير ودوستويفسكي وشريعتي...)، مع إصرار القابض على جمر دينه ومذهبه وأئمته وولاية فقيهه، والذي لم يسترخِ بعد ويطمئن إلى الدرجة التي تثنيه عن المثابرة على تسويق المفردات هذه، إذ أن أي استرخاء من النوع هذا قد يشابه تراخي المجاهد في الجبهة، فيكون مقتله.

كل هذا يحصل في ظل الاستعصاء اللبناني الحالي وآفاق المبادرة الفرنسية. والأهم، بموازاة السباق المحيط بلبنان وإيران إلى التطبيع مع إسرائيل، ولعبة التفاوض مع الولايات المتحدة على العقوبات الراهنة والمرتقبة، وربما بأثر من "اتفاق الإطار" الذي أبرمه "الشيعة شيعة" أنفسهم ومن خلفهم الحلفاء والدولة اللبنانية لترسيم الحدود برعاية أميركية وأممية. ولعله ليس أكثر تعبيراً من تعليق على أحد المنشورات الشّعرية للأخ النجم، كتبته مستخدمة، صورة بروفايلها إصبح حسن نصرالله المرفوعة. بيت من القصيدة يقول: "وقد تبعتُكَ هبني منكَ معرفةً/ يا خيرَ مبتدأٍ وارفع علاماتي". والمعجبة تكتب: "أبدعت بوركت!".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب

حقيبة سارة الثلاثاء 20/10/2020
الثورة الفاشلة الجمعة 16/10/2020
الأمل الجمعة 09/10/2020
المزيد