آخر تحديث:12:53(بيروت)
الجمعة 31/01/2020
share

لماذا يُشتَم الفن المعاصر في لبنان؟

حسن الساحلي | الجمعة 31/01/2020
شارك المقال :
لماذا يُشتَم الفن المعاصر في لبنان؟ يعود تشكُّل اقتصاد الفن المعاصر إلى التسعينات
في لبنان، ازداد عدد المؤسسات المنضوية في خانة الفن المعاصر، خلال العقد الماضي، خصوصاً مع ازدياد العاملين في مجال الفن الأدائي، ودخول مؤسسات جديدة بسبب الحرب السورية ("إتجاهات" مثلاً). لا تعتمد هذه المؤسسات على التبادلات التجارية كما هو الحال مع غاليريهات الفن الحديث (هناك استثناءات قليلة مثل "صفير زملر" و"ليتيتيا غاليري")، ولا تملك مجموعات فنية كما المتاحف المدعومة من أموال خاصة. بل هي مؤسسات شبيهة بالمنظمات غير الحكومية، تتلقى تمويلاً من صناديق مانحة، مرتبطة بشركات تجارية، أو مؤسسات الدعم الثقافي (أوروبية أو خليجية) أو متمولين أفراد (تتعزز سلطتهم في المجال عاماً بعد آخر).

يُنتقد الفن المعاصر بكثرة بين العاملين في المجال الثقافي، ومنذ مدة قريبة كُتبت عبارة "يسقط الفن المعاصر" على أحد جدران وسط بيروت. وفق إحدى الناشطات في هذا المجال، يأتي النقد من أمكنة مختلفة، بعضها "فعل نوستالجي" ينطلق من الفن الحديث ويرى الموضوع من زاوية تاريخ الفن (ضد الفن المفاهيمي)، والبعض الآخر ينطلق من موقع الفن السياسي - المباشر الذي نرى نماذجه في الساحات (إنتاجه متناقض مع الفن المعاصر، الذي يمتلك سياقاً بحثياً يحتاج وقتاً طويلاً نسبياً). ثمة جزء يناصر التراث والهوية، بينما النقد الأكثر صوابية يأتي من "زاوية مؤسسية تنتقد الميكانيزمات المهيمنة على هذا الوسط، وماكينات إنتاج الخطاب أو ترجمة الخطابات المستوردة"، من دون أن ننسى النخبوية المبالغ فيها، والميل إلى الإقصاء والتهميش الذي يصعّب الدخول إلى الوسط لمن لا يملكون دعماً أو علاقات.



يعود تشكل اقتصاد الفن المعاصر إلى التسعينات من القرن الماضي، وتحديداً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانفتاح السوق بين الشرق والغرب. شاع منذ البداية "البينالي" كنموذج مثالي لروحية هذا الفن، الذي يشجع على التبالدلات التجارية الفنية بين الأعراق والجنسيات. لفترة طويلة، تلقى الفن المعاصر الدعم في أوروبا والولايات المتحدة، من شركات تجارية كبيرة وعابرة للحدود، ما ينطبق على لبنان أيضاً، حيث لعبت صناديق دعم تابعة لشركات معروفة، بينها "فورد فاوندايشن"، دوراً في بناء هذا الوسط منذ بداية التسعينات من خلال "برامج البناء المؤسسي"، التي استهدفت "أشكال ألوان" و"إسباس إس دي" الذي خلفه "مركز بيروت للفن". وقد حدث الأمر نفسه في فلسطين ومصر (اليوم تحول دعم "فورد" إلى تجمع مانحين مثل "آفاق" و"المورد" بينما أصبحت مؤسسات الفن المعاصر في لبنان، تعتمد بشكل أكبر على الأفراد المتمولين، لكن هذا النظام مهدد في حال تطور الأزمة الإقتصادية).

يبقى استخدام الفن المعاصر خارج سياق العرض، ملتبساً بشكل عام، بعكس ما هو الحال مع الفن الحديث الذي ينتمي إلى قيم جمالية تحوز شعبية راكمتها على مدى قرون. ولذلك، يلاحظ أن الأعمال الفنية المعاصرة التي دخلت السوق، تبقى، من حيث الوسيط الذي تنتمي إليه، أقرب إلى الفن الحديث (مثلاً أعمال أكرم الزعتري أو زياد عنتر الفوتوغرافية)، مع العلم أن أول عمل لبناني معاصر، بيع، يعود إلى العام 2007 (جوانا وخليل جريج).



لا شك أن اقتصاد الفن المعاصر، نيوليبرالي إلى أبعد الحدود، لكن من السذاجة رؤية الفنان الملتزم بالممارسات التشكيلية، مثل الرسم أو النحت، أقل "تلوثاً" بجراثيم الرأسمالية، من الفنان المعاصر. فالإقتصاد الذي ينتمي إليه الفن الحديث ليس أفضل بكثير. في نظرة سريعة إلى سوق الفن التشكيلي في لبنان مثلاً، يتضح أن أكبر المستثمرين في هذا المجال هي المصارف، من بنك "عودة" الذي افتتح هذا المسار خلال الثمانينات (كطريقة لتفادي الضرائب في فرعه السويسري)، مروراً بمصارف أخرى تبعته مثل "لبنان والمهجر"، "بيبلوس"، و"SGBL" التي تمتلك جميعها مجموعات كبيرة، وانتهاء بـ"سرادار" الذي يخطط لبناء متحف ليعرض مجموعته الكاملة داخله (ولا ننسى شركة "آيشتي"، التي تمتلك مجموعة ومتحفاً فنياً).

يُستخدم الفن التشكيلي أيضاً، في المضاربة، التي أدت إلى تضخم أسعار أعمال بعض الفنانين إلى ما يفوق مئات آلاف الدولارات، من دون أن تمتلك هذه الأعمال قيمة فنية فعلية. كما يُستخدم في تبييض الأموال وتحسين الصورة الإجتماعية لشخصيات، مؤسسات، أو حتى حكومات تبالغ أحياناً في بناء المتاحف لتحسين سمعتها (ينطبق هذا أيضاً على "الفن المعاصر").

يفتقد الفن المعاصر هذا الإنتماء للشبكات المحلية التي تتقاطع مع السلطة وتؤمن غطاءً قانونياً. لذلك، شهدنا مثلاً، استدعاءات لفاعلين فيه، مثل كريستين طعمة منذ سنوات، من قبل الأمن العام، ما يُظهر مدى التوتر مع الطبيعة العابرة للحدود لهذا الوسط، والذي تنظر إليه الدولة بعَين الريبة، بسبب دخول وخروج أجانب بشكل دائم. ربما يكون هذا العامل مؤثراً أيضاً في صورة الفن المعاصر بالنسبة إلى الوسط الثقافي، ولذلك أيضاً يُرى الفنان التشكيلي على أنه "ابن البلد"، بينما الفنان المعاصر "عميل" تُكال له التهم من وقت إلى آخر من مثقفي الممانعة.



في الوقت نفسه، ساعد السفر الدائم للفنانين المعاصرين، في زيادة التباعد، أقلّه منذ العام 2003-2004، فأصبح هناك فن معاصر لبناني يسافر ضمن تكتل واحد، ويمتلك جمهوراً غير محلي. وما ساهم في انفصاله عن الجو الثقافي أيضاً، أن لغته أصبحت الآن الإنكليزية التي تعتبر اللغة العالمية، ولم يعد يفكر في المحليات التي لم تعد توصل إلى مكان، وأصبحت نظرته إلى الأمور أكثر عالمية. لكن الفن المعاصر لا يتحمل وحده مسؤولية هذا التباعد، فالجو الثقافي المحلي أيضاً بقي متحجراً "مع هيمنة ذكور كبار في السن، لا يفهمون الثقافة سوى كفكر سياسي وجيوبوليتيكي، مع طغيان خطابات ليبرالية، جزء منها أتى كرد فعل على اليسار نفسه، ما زاد من تقييد الأفكار وإفشال المحاولات لتخيل فضاءات وخطابات مختلفة تعطي مجالاً لتخيل سياسي و مستقبل بديل"، بحسب احدى الناشطات.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها