آخر تحديث:14:58(بيروت)
الإثنين 27/01/2020
share

الحكومة الخراسانية

لبنى الراوي | الإثنين 27/01/2020
شارك المقال :
الحكومة الخراسانية غرافيتي رولا عبدو على أحد الجدران المرفوعة حديثاً حول مجلس النواب
حين استنفر "اللواء" مطالباً "دولة الرئيس" أن يقول لمسؤوله الأمني أن "ينضبّ" (أحسنله)، بدت واضحة مآلات الحياة السياسية اللبنانية القائمة على مربعات ومسارح نفوذ وهيمنة وأسلاك شائكة وحدود وحيطان عالية وعوارض حديدية ومواكب سيارات رباعية الدفع، وجحافل من عناصر الحماية يكلفون الدولة أموالاً باهظة. لم يحتمل اللواء، أن يقترب "غلاة" دولة الرئيس من محيطه -"منزلنا" كما سمّاه- فكان "تويتر" مسرح المواجهة وإطلاق التغريدات، ثم التكهنات السياسية والتعليقات الصحافية...

مسارح النفوذ والهيمنة على الأمكنة والمرافق، إشارات واضحة إلى طرائق الحكم في لبنان، الخاضعة لـ"نظام" المحميات السياسية والوظائفية والطائفية والمحاصصتية، التي أنتجت جدران سوسيولوجية، تحد من تواصل الأفراد والمواطنين وتمنع خروج الجماعات من الحظائر السياسية...

كان واضحاً استنفار اللواء، لأن أنصار دولة الرئيس اقتربوا من منزله، ولهذا معناه في السياسة العامة اللبنانية. ودولة الرئيس، على مدى أربعة عقود، من أبرز إنجازاته أنه حوّل كل مناطق نفوذه إلى مربعات. من مقر مجلس النواب في وسط بيروت حيث شرطة المجلس، إلى محيط عين التينة حيث مقر إقامته، ما زالت اعتداءات الحراس على موكب للمنتفضين على المعيشي، في الذاكرة، ولا ننسى هجوم أفواج حركة "أمل" بالعصي والهراوات على مجموعة من المواطنين أرادت الاعتصام أمام "مجلس الجنوب" في منطقة الجناح، وزعمت حركة "أمل" بأن ما حصل كان ردّ فعل الأهالي في خضم الأزمة الحاصلة في لبنان، مع أن من تسميهم "أمل" بـ"الأهالي" صُورهم واضحة، ولهم أسماء وعناوين ومحلات إقامة ووظائفهم معروفة.

وليس دولة الرئيس وحده سيد المربعات في الجمهورية اللبنانية. لا ضرورة للحديث عن الضاحية الجنوبية، وبرج أبي حيدر، وشارع المقدسي، بعبدا وبيت الوسط، حتى الرئيس الجديد (حسان دياب)، الذي يزعم أنه أتٍ من الحراك "الشعبي"، لم تمض ساعات على اختياره رئيساً للحكومة بعد الاستشارات النيابية الملزمة، حتى تحولت تلة الخياط مربعاً أمنياً تحكمه العوارض الحديدية، وتدخله مواكب "دولة الرئيس" وفيها مئات العسكريين والمنازل الجاهزة. ربما أدرك حسان دياب عبء ما فعله على المنطقة وعلى جيرانه، فحمل أمتعته وذهب ليسكن في السراي الحكومي، وترافق ذلك مع تحويل محيط السراي ومحيط مجلس النواب منطقة معزولة عن ناسها وروادها، منطقة أشباح وفراغ، تشبه المنطقة الخضراء في العراق، أو جدار برلين في زمن الحرب الباردة.

سلطة تعزل نفسها عن شعبها. هذه إشارة كبيرة إلى المأزق الذي نعيشه، اذ دخلنا مرحلة الأبواب المقفلة، والحكومة الخراسانية التي بدتْ في خطواتها الأولى مليئة بالهزالة والرطانة والاستعراض واللاأمل... وأول إنجازات الحكومة، المزيد من الجدران العازلة، التي كنا توهمنا أنها بدأت بالزوال حين أمرت وزيرة الداخلية السابقة، ريا الحسن، بإزالة جدران سَلَفها نهاد المشنوق من أمام وزارة الداخلية. لكن يبدو أنها عائدة بقوة حتى أمد غير منظور... ونحن لا نعيش في ظل الجدران الخراسانية فحسب، بل إننا ارتطمنا بالحيطان. سياسياً، فقَد الجميع حس المبادرة في ظل "العهد القوي". اقتصادياً، لا شيء في الأفق يوحي بخروجنا من العجز. مالياً، لا يبدو أن أوروبا ستكون حاتم الطائي، فكل الدول باتت تعرف وتيرة الفساد السياسي والمالي في لبنان، وكل قرش تفكر الدول في دفعه مقرون بشروط تعجيزية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها