آخر تحديث:16:14(بيروت)
السبت 25/01/2020
share

وعد ويلسون وثورة 1919..خبيئة تاريخية يكتشفها سياسي مصري

وجدي الكومي | السبت 25/01/2020
شارك المقال :
وعد ويلسون وثورة 1919..خبيئة تاريخية يكتشفها سياسي مصري ثورة 1919 سعد زغلول
كان من المدهش أن يسقط جانب مهم من جوانب دراسة الثورة المصرية التي اندلعت في آذار/مارس 1919، ألا وهو موقف الولايات المتحدة الأميركية من حليفتها في الحرب الكبرى بريطانيا، عقب الانتصار، وأسباب رفضها الانضمام لمعاهدة فرساي، وبالطبع موقفها من استمرار وضع المستعمرات الشرقية في مصر والهند وخضوعها للحليفة العجوز.


هذا جعل السياسي المصري والطبيب محمد أبو الغار – أستاذ طب النساء والتوليد في جامعة القاهرة- يبحث في هذا الجانب الذي أسقطه المؤرخون المحنكون، أو تجاهلوا البحث فيه، مستعيناً بخبراته السابقة في كتابة الكتب التي تتناول التاريخ الاجتماعي على غرار كتابه "على هامش الرحلة"، و"يهود مصر من الازدهار إلى الشتات". وكان أبو الغار قد أسس الحزب المصري الاجتماعي، عقب ثورة يناير 2011، وهو أحد مؤسسي جماعة 9 مارس للدفاع عن استقلال الجامعات، كما كان من قيادات الجمعية الوطنية للتغيير.

ما أن بدأ محمد ابو الغار البحث في هذا الجانب من ثورة 1919، حتى فوجيء بكمٍّ هائل من الوثائق، وصل عددها إلى 100 ألف صفحة، تحوي جميع الملفات والتفاصيل الدقيقة لاجتماع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي العام 1919، وهو ما جعله يشرع في العمل على تأليف كتاب "أميركا وثورة 1919- سراب وعد ويلسون"(*).

في العام 1917 دخلت الولايات المتحدة الأميركية، الحرب العالمية الأولى، في إبريل/نيسان، عندما شنت ألمانيا حرب الغواصات على سفنها التجارية، وكان من الصعب أن تقف أميركا متفرجة على حليفتها إنكلترا تُسحق، فكان الانتقام ممن شنوا الحرب وأغرقوا بواخرهم. هكذا برز فجأة في التاريخ، الرئيس الأميركي وودرو ويلسون، الذي أعلن مبادئه الـ14 المعروفة للسلام، ومن أبرزها الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وتبنى في مؤتمر الصلح في فرساي إقامة مؤسسة عالمية لحل المشكلات الدولية سلمياً. ويلفت أبو الغار إلى أن اهتمامه بالدور الأميركي في ثورة 1919 بدأ حينما استرعى انتباهه سطران للمؤرخ عبد الرحمن الرافع، كتب فيهما أن سعد زغلول أرسل محمد محمود باشا إلى واشنطن للدفاع عن موقف مصر في مجلس الشيوخ الأميركي، وأن الوفد المصري اتفق مع محام أميركي للدفاع عن مصر وحقها في الاستقلال.

تلك قصة جديدة تماماً مقارنة بالتاريخ الذي درسناه وعرفناه عن الثورة.. وحسبما يشير أبو الغار، فإن ويلسون أيّد بريطانيا في استمرار الحماية على مصر.. فما هي قصة وعده الذي أضحى سراباً؟ وكيف تحمس سعد زغلول و"الوفد" لتعيين محامٍ ودفع له ما قيمته خمسة آلاف دولار شهرياً طيلة فترة عمله مع مجلس الشيوخ الأميركي حتى يغير موقفهم تجاه قضية مصر؟

العجيب أن موقفاً كهذا تجاهله مؤرخون قديرون كُثر، ليجيء محمد أبو الغار من خارج الدائرة الأكاديمية التاريخية المصرية ويحقق فيه، ومن الجيد أنه وُفق في مهمته ليستعيد جانباً آخر من التاريخ كاد أن يتعفن تحت الغبار. إذ قرر محمد أبو الغار، المثابرة والبحث في الإنترنت، ثم مراسلة مكتبة الكونغرس الأميركية، والاتصال بأصدقائه، ووجد المؤلف نفسه جالسا في جوار فرانسيس ريتشاردوني، رئيس الجامعة الأميركية في القاهرة، خلال اجتماع مجلس الأمناء لجامعة زويل، فطلب منه مساعدته في البحث عن الدور الأميركي غير المعروف في ثورة 1919.

بعد ثلاثة أيام تلقى آلالاف الوثائق عن الثورة، استغرق عمله فيها ساعات طويلة، كما توصل إلى حقائق وقصص عن الصحافة الأميركية التي غطت الثورة، ودور القنصل الأميركي في مصر وقتها، والمراسلات بينه وبين وزير الخارجية الأميركي، لانسنج، وكلاهما أيّد استمرار الحماية البريطانية على مصر والاحتلال، على عكس موقف ويلسون ووعده.

تنبع فرادة هذا الكتاب من كونه يحوي وثائق ترجمها محمد أبو الغار للمرة الأولى، ونشرها فيه، لم يسبق أبداً أن نُشرت من قبل بالعربية أو بالإنكليزية، فهي مدونة داخل عشرات الآلاف من أوراق مكتبة الكونغرس وبفضل هذا المجهود البحثي الجبار، نجح سياسي مصري، وهو ليس مؤرخاً أو أكاديمياً مخضرماً، في إزالة أكوام من الغبار عن خبيئة تاريخية ليضعها في تصرف القرّاء بالعربية، للمرة الأولى، عن الدور الأميركي في ثورة 1919.

يستعرض المؤلف في الصفحات الأولى للكتاب، مقدمات ثورة 1919، وكيف تدخلت بريطانيا لتحجيم دور محمد علي بعدما كاد يفتح الأستانة، ثم تدخّلها مرة ثانية العام 1882 لإفشال ثورة عرابي واحتلال مصر بدعوى حماية الأجانب وضمان الديون. ويورد مؤلف الكتاب في الفصول الأولى منه، الوعود البريطانية الرسمية المختلفة، الزاعمة بأن الاحتلال الإنكليزي لمصر مؤقت، وأنه ذاهب فور استتباب الأمن، وهو ما لم يحدث أبداً، وصولاً إلى لحظة اندلاع الحرب العالمية الأولى التي حارب فيها الجيش المصري جنباً إلى جنب مع البريطانيين.

تسبب إعلان ويلسون مبادئه في أن يتشجع سعد زغلول في مخاطبته بتلغرافات مطولة، وهو ما أزعج السلطة البريطانية، ومنها تلغراف مطول من 648 كلمة، شرح فيه موقف مصر، وحقها في رفع الحماية التي أعلنتها بريطانية العام 1914، وكان سعد زغلول يختم هذه التلغرافات قائلاً: تحيا الولايات المتحدة ويحيا ويلسون.

يغطي الكتاب تفاصيل محاولات "الوفد" المصري الفاشلة، في مقابلة الرئيس الأميركي ويلسون، خلال مؤتمر الصلح، وبالطبع يغطي أيضاً تأثير إعلان ويلسون مبادئه، بما يسميها محمد أبو الغار باللحظة الويلسونية في العالم، إذ غيرت مبادئ ويلسون نظرة الشعوب المحتلة إلى مكانتها في العالم. لكن، وكما يلفت الكاتب، شرب الوطنيون المصريون المقلب، وظنوا أن ويلسون بريء تماماً في نوايا نشر التحرر لكل الشعوب، لكن ما حدث عقب حضور الرئيس الأميركي إلى فرنسا أن شركاءه الأوروبيين قابلوه برغبتهم في التمسك بمستعمراتهم، بل وعقاب ألمانيا، فوافق ويلسون على إعلان الحماية البريطانية على مصر، وهو ما صدم الوطنيين المصريين الذين انتظروا مناصرة أميركية على المحتل.

لكن معاهدة "فرساي" هزمت في الولايات المتحدة أيضاً، إذ بينما حاول ويلسون حث شعبه وأعضاء الكونغرس على الموافقة على بنودها، قاد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس حملات لرفضها، عبر تغيير بنودها أولاً، بينما سقط ويلسون مصاباً بالشلل خلال مؤتمر جماهيري له حاول خلاله حث الأميركيين على قبول المعاهدة.

يحكي أبو الغار، في الفصل الثاني من الكتاب، قصة سفر الوفد المصري إلى باريس لحضور مؤتمر الصلح، وعزلتهم هناك، ثم إيفاد محمد محمود باشا إلى الولايات المتحدة للدفاع عن المسألة المصرية. وفي الفصل الثالث من الكتاب، يتناول قصة هامبسون جاري، القنصل الأميركي الذي جاء مصر ليتولى مهام منصبه في 2 نوفمبر 1917، مقدماً أوراق اعتماده للمندوب السامي البريطاني وليس للسلطان فؤاد. ويعرض المؤلف للمراسلات المتبادلة بين هذا القنصل ووزير الخارجية الأميركي لانسنج، والتي تبين كيف أن ويلسون لم يكن مقتنعا تماماً بالاعتراف بالحماية على مصر تحت ضغط لويد جورج، رئيس الوزراء البريطاني. كما تبين تلغرافات هذا القنصل تأييده لبريطانيا وكراهيته للثورة، ووصفه لها بأنها صبيانية، بينما زميله القنصل الأميركي في الإسكندرية مؤيد لها، بل وشجع المتظاهرين المصريين على دخول مبنى القنصلية والاحتماء بها والهتاف لها.

لا يحوي الكتاب قصة ويلسون ووعوده التي تحولت إلى سراب تحت ضغط الحليفة العجوز، والخلاف في الكونغرس الأميركي، بل هناك أيضاً قصة شيقة جداً، عن الصحافي الأميركي ويليام إليس، الذي كان يغطي أحداث الثورة لجريدة "نيويورك هيرالد"، وهو ما جعل لصوت ثورة 1919 صدى في المجتمع الأميركي، ما أزعج السلطات البريطانية، وجعلها تقدم على تحديد إقامته في القاهرة، ولم تفعل ذلك وحدها، بل بمعاونة وزارة الخارجية الأميركية، وموافقتها. وحينما تنبه الكونغرس الأميركي لذلك، اتخذ إجراءاته لحماية الصحافي، فقدم السيناتور بوراه، مشروع قرار برفع القيود عن حرية حركة المواطن الأميركي.

يكشف الكتاب أيضاً كيف عمد الإنكليز إلى تشويه ثورة 1919 عند الأميركيين، ويبرز في الصورة دور وزير الخارجية البريطاني بلفور، الذي نعت الثورة المصرية بأنها مدفوعة من الحزب الثوري التركي ومن البلاشفة، وبالطبع تحمل كلمة "البلاشفة" خطراً يؤرق الأميركيين، على الرغم من حداثة الثورة البلشفية (آنذاك) والتي اندلعت منتصف الحرب العالمية الأولى العام 1917.

في تلغراف يعرضه المؤلف، يقول القنصل الأميركي جاري، للانسنج، وزير الخارجية الأميركي: الاضطرابات في مصر تتحول بسرعة إلى البلشفية وهي آخذة في إظهار العداء لكل الأجانب وممتلكاتهم.

ويعتبر الكتاب فرصة ذهبية لقراءة فصل من فصول ثورة 1919 التي دفنها الغبار، تدور أحداثه تحت قبة الكونغرس الأميركي نفسه. فمن خلال هذا البحث المضني الذي أجراه محمد ابو الغار، نعرف للمرة الأولى أن حزب "الوفد" اتصل بمحام، ليترافع عن القضية المصرية، ويجلب المؤلف مرافعة المحامي جوزيف فولك، كاملة، في الفصل الخامس من الكتاب. وهي مرافعة لافتة يعدد فيها فولك، تطور القضية المصرية منذ احتلال مصر، وتبرير هذا الاحتلال، رغم أنها قطعت على نفسها عهوداً صريحة بأن احتلالها لا يكون إلا مؤقتاً. وتضيف هذه المرافعة إلى القارئ المصري بيانات جديدة بكل الوعود الزائفة التي قطعها رؤساء الوزراء البريطانيين بالجلاء عن مصر، ولم تتحقق. ومن المثير للدهشة، أن مرافعة تاريخية لمحام أميركي لم تُترجم من قبل، ولا تمت دراستها أو التحدث عنها قبل كتاب أبو الغار.

في الفصل السادس من الكتاب، محضر مناقشة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ وكل الأسئلة التي طرحها الحاضرون للاجتماع، وأولهم طبعاً جوزيف فولك، وإجاباته عن أسئلة رئيس اللجنة، والحاضرين. يصف فولك، بريطانيا، بلص البنوك، لأنها فرضت الحماية على الأموال إنما غرضها هي سرقتها، ويشجع من يقرأه أن يراه جزءاً من فيلم تاريخي، يتحدث فيه أميركيون بحماسة عن القضية المصرية، وعن توريط مصر وأبنائها في حرب عالمية بشعة، ثم مقابلة هذا الجميل بالنكران. ويزداد العجب كلما تقدم القارئ في قراءة الكتاب، من إهمال المؤرخين لهذه الصفحات والوثائق التاريخية التي كان يجدر بهم أن يضيفوها إلى التاريخ المصري لهذه اللحظة الحاسمة.. لحظة ثورة 1919.

ولعل أمتع فصول الكتاب، هو فصله الثامن، الذي يبين التغطيات الصحافية لثورة 1919، التي كتبها مراسل الصحف الأميركية في مصر، ويليام إليس، الذي عُين مراسلاً لجريدة "نيويورك هيرالد" العام 1918. ولعل أبلغ ما نختم به سطور هذا المقال عن هذا الكتاب اللافت، ما كتبه إليس، في يونيو/حزيران 1919، قائلاً: "لا يمكن لأي إنسان يرى القاهرة في ثورتها.. أن يصدق ولو للحظة واحدة أن شيئاً ما قد حدث في مصر التي كانت خامدة فترة طويلة".

(*) صدر عن دار الشروق المصرية.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها