آخر تحديث:13:40(بيروت)
الجمعة 24/01/2020
share

بعد اختتام "حرب النجوم".. ما مصير الديانة الجيدية؟

شادي لويس | الجمعة 24/01/2020
شارك المقال :
بعد اختتام "حرب النجوم".. ما مصير الديانة الجيدية؟
"يوماً بعد يوم، يتناقص عدد أتباع الجيدية الذين بقوا على الأرض... أقرب معبد يبعد عنا مليارات السنوات الضوئية... نحتاج معبداً جيدياً".

في أبريل 2015، واحتجاجاً على دعوات لبناء مساجد داخل الجامعات التركية، وقّع مئات من الطلبة في إحدى جامعات مدينة إزمير، عريضة تطالب ببناء معبد للجيدية، الديانة الخيالية في سلسلة أفلام "حرب النجوم". ووقّع العريضة، التي رفعها طلبة المدينة المعروفة بميولها العلمانية، حوالى 180 ألف شخص. وصلت الرسالة الساخرة بالطبع، لكن المزحة التي بدت مفهومة للجميع تحمل أكثر من مجرد فحواها السياسي المباشر والمحلي.

في مطلع الألفية، وفي الإحصاء السكاني في المملكة المتحدة، والذي خصص خانة للدين، سجّل حوالى 400 ألف من السكان أن ديانتهم هي الجيدية. كانت الدوافع خليطاً من السخرية والتعبير عن اللامبالاة أو الاعتراض على تضمين خانة للدين في المسح، واضطرت هيئة الإحصاء البريطانية لاحقاً، أن تخصص كوداً خاصاً في بياناتها لهذه الديانة الجديدة، لكن من دون اعتراف رسمي بها، وأُعلن أنها حلت في المرتبة الرابعة بين الديانات الأكثر انتشاراً في البلاد.

وكان ذلك انطلاقة لظاهرة عُرفت باسم "الإحصاء السكاني الجيدي"، والتي اجتاحت الدول الناطقة بالإنكليزية أولاً، ومنها إلى دول أخرى. فأتباع الديانة المخترعة بحسب المسح الرسمي، بلغ بضع مئات في بعض جمهوريات البلقان الصغيرة، وعشرات الآلاف في أستراليا وكندا وإيرلندا. لاحقاً، منحت ولاية كاليفورنيا تصريحاً لإنشاء معبد جيدي، وحصل بالتالي على إعفاء ضريبي واعتراف رسمي كمؤسسة روحية. السخرية من مفارقة الوضع البيروقراطي للدين أمام القانون، لافتة بالطبع، لكن الأهم هو ذلك التأثير الكاسح للخيالي على الواقع، والطرائق التي يمكن بها للثقافة الجماهيرية أن تخلق رموزاً ذات شعبية كاسحة يمكن التعرف عليها وفهمها واستخدامها لأغراض شتى في كل مكان في العالم تقريباً. المضحك، والجادّ أيضاً إلى حدٍّ صادم، هو أن الهوس بـ"حرب النجوم"وصل في بعض نوادي معجبيه الأكثر إخلاصاً، إلى التعامل بجدية مع مبادئ الديانة الرهبانية-الفروسية الممكن استنباطها من تلك السلسلة السينمائية الملحمية.

في واحدة من محاضراته المدونة في كتاب "صنعة الشعر"، يتنبأ بورخيس بموت الرواية. كان يجد الروايات مملة في الحقيقة، وادعى إنه لم يكتب واحدة، بسبب الكسل. في المقابل، توقع عودة الملحمة، الرواية هي ملحمة الحداثة كما يقول، والفرق بينها وبين الملحمة الكلاسيكية هو كالفرق بين النثر والشعر. لكن بورخيس يفاجىء جمهوره في النهاية بإن الملاحم عادت بالفعل، وهوليوود هي من تقدمها لنا. ألقيت محاضرات الكتاب في الولايات المتحدة، قبل حوالى عقد من عرض الفيلم الأول من سلسلة "حرب النجوم" في العام 1977.  لم تأت الملحمة الفضائية بدِينٍ جديد فقط، ولا بضع لغات مخترعة يمكن تعلم واحدة منها بالفعل عبر تطبيق"دويلينغو"، بل دفعت صناعة السينما الأميركية، بُنيتها الروائية إلى بُنية ملحمية جديدة. معارك كوكبية هائلة، موازنات ضخمة، وتقنيات بصرية ومؤثرات خاصة مذهلة. خيال خارق ومتشعب وجيلي وممتد.


يصنف البعض معركة الخير والشر في "حرب النجوم" كبروباغندا ضد الإتحاد السوفياتي في أوج الحرب الفنية الباردة بين المعسكرين. فيما رأى آخرون في الصراع بين الديكتاتورية والديموقراطية، في سلسلة الأفلام، استعادة للصراع ضد الفاشية في الحرب العالمية الثانية. أما الأكثر حماسة، فكانوا مقتنعين بأن رسالة الفيلم هي إدانة للتوسع الإمبريالي الأميركي. وجد الجميع رسالة خاصة في الملحمة الفضائية، لكن اللمحة الأكثر هزلية في هذا كله، هو إطلاق اسم "حرب النجوم" على مشروع ريغان للتسلح الفضائي. كان الأمر تهكمياً في البداية، لكن الاسم التصق بالمشروع حتى أصبح شبه رسمي.

تأتي خاتمة السلسلة الثلاثية، فيلم "حرب النجوم: صعود سكايووكر"، الذي بدأ عرضه الشهر الماضي، لتحصد أرقاماً قياسية في شباك التذاكر، وتقابَل بتقييمات شديدة التناقض من الجمهور والنقاد أيضاً. ربما حققت العلامة التجارية لحرب النجوم العائدات الأعلى لمنتج فني على مرّ التاريخ. فالأفلام وحدها حصدت ما يزيد عن 65 مليار دولار حتى اليوم، لكن الأجيال الثلاثة أو الأربعة التي مسها هوس الملحمة الفضائية، كان إرضاؤها صعباً. سعى الفيلم الأخير لإرضاء جمهورة الأول، من كانوا في سن المراهقة أو أصغر في نهاية السبعينات، وجاءت محاولة جمع خيوط القصص كلها، ومصائر الشخصيات، من الأجزاء الثلاثة، محمّلة بنوستالجيا ثقيلة. وفي الوقت ذاته، حاول صنّاع الفيلم إرضاء الأجيال الأصغر سناً، بمعارك مبهرة ومؤثرات بصرية استثنائية. لكن ذلك كله انتهى بتململ الكثيرين. وبإستثناء الثلاثية الأولى، فقد أثارت الأفلام الأخرى كلها، اللغط نفسه، إذ من الصعب أن ترضي بالغاً يشاهد بحنين مرّت عليه أربعة عقود، وجيل أولاده، وربما أحفاده أيضاً، جميعهم في الوقت نفسه.

تستعد "ديزني" ﻹنتاج فيلم جديد، وفي الأغلب ثلاثية رابعة كاملة. لكن ملحمة "حرب النجوم" تبدو وقد وصلت إلى نهايتها أو اقتربت منها على الأقل. فما كان نموذجاً سينمائياً جريئاً واستثنائياً، مطلع الثمانينات، نجح في تغيير شكل السينما الأميركية حتى أصبحت بُنيته الملحمية اعتيادية جداً اليوم.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب