آخر تحديث:13:35(بيروت)
الثلاثاء 21/01/2020
share

مواكب آلهة أشور

محمود الزيباوي | الثلاثاء 21/01/2020
شارك المقال :
  • مواكب آلهة أشور
    عالم الآثار الإيطالي دانيال موراندي بوناكوسي أمام اللوح الرابع
  •  مشهد من الموقع الأثري في أطراف مدينة فايدة، محافظة دهوك، كردستان العراق
    مشهد من الموقع الأثري في أطراف مدينة فايدة، محافظة دهوك، كردستان العراق
  • الملك سرجون الثاني وكوكبة من آلهة أشور في اللوح الرابع
    الملك سرجون الثاني وكوكبة من آلهة أشور في اللوح الرابع
  • اللوح التاسع
    اللوح التاسع
  • تفصيل
    تفصيل
  • اللوح السابع.
    اللوح السابع.
في مطلع هذا العام، تمّ الكشف عن عشرة ألواح منحوتة في الصخر تزيّن قناة مائية أثرية في شمال العراق، تعود إلى عصر سرجون الثاني، ملك أشور في الربع الأول من القرن الثامن قبل الميلاد. أثار هذا الكشف سريعاً ضجة كبيرة في أوساط العاملين في حقل الآثار، وأجمع الخبراء بميراث بلاد ما بين النهرين على اعتباره حدثاً استثنائيا يوازي بقيمته الآثار الأشورية الكبرى التي خرجت من الظلمة إلى النور في القرنين الماضيين.

تقع هذه القناة المائية التي يبلغ طولها حوالي ستة كيلومترات على مقربة من مدينة فايدة التي تتبع محافظة دهوك، في اقليم كردستان العراق. تقع هذه المحافظة في أقصى شمال غرب العراق، وتحوي العديد من الآثار والمنحوتات في الكهوف والتلال التابعة لها. وتقوم مدينة فايدة في جنوب هذه المحافظة، على الحافة الغربية من جبل دهكان الصغير، عند الطريق المؤدية إلى مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى، في الأراضي الخاضعة تحت سلطة الحكومة العراقية، وهي مدينة فقيرة هامشية تعاني من نقص حاد في الخدمات العامة.

ظهرت المعالم الأولى من هذه القناة الأثرية المدفونة تحت الرمال في عام 1973، حيث كشفت بعثة بريطانية عن الأطراف العليا من ثلاثة ألواح طويلة منقوشة في الصخر، ولم تتمكن من إكمال مهمتها بسبب احتدام الصراع بين الأكراد والنظام العراقي في هذه الحقبة. تواصل هذا الصراع على مدى عقود من الزمن كما هو معروف، وظلت هذه الألواح مطمورة، إلى أن وصلت إلى الموقع في 2012 بعثة إيطالية ترأسها دانيال موراندي بوناكوسي، عالم الآثار في جامعة مدينة أوديني. كشفت هذه البعثة بشكل كامل عن الألواح الثلاث التي أشارت إليها البعثة البريطانية، كما كشفت عن ستة ألواح أخرى، ولم تعلن عن هذه الاكتشافات إعلاميا، اذ اضطرت إلى إيقاف أعمالها بسبب قيام الدولة الإسلامية في العراق والشام، وامتدادها على أراض تجاور حدودها حدود الموقع، وتبعد عنه مسافة لا تتعدّى الثلاثين كيلومترا. إثر سقوط هذه الدولة، سارعت البعثة الإيطالية لمزاولة عملها بعد أن عقد اتفاقا رسميا مع مديرية محافظة دهوك للآثار، وأثمر هذا الاتفاق عن إنشاء بعثة مشتركة أيطالية عراقية ترأسها رسميا دانيال موراندي بوناكوسي، من جامعة أوديني، وأحمد حسن قاسم، من مع مديرية محافظة دهوك للآثار. وصالت هذه البعثة أعمال التنقيب، وأعلنت مؤخرا عن اكتشافاتها المتمثلة بعشر ألواح كبيرة، وتوقّعت العثور على المزيد منها مع مواصلة عملها في الموقع.


تتميّز هذه الألواح بالدرجة الأولى بصورها الناتئة التي تتبع الأسلوب الأشوري المعروف بأمانة تامة، وتمثّل ملكا يترأس موكبا يضمّ كوكبة من آلهة المملكة القديمة، على رأسهم آشور، إله المدينة التي تحمل أسمه، وإله الإمبراطورية الآشورية الحديثة، وأعظم الآلهة لدي الآشوريين. وقرينته موليسو، الإلهة التي قارنها هيرودوتس قديما بأفروديت. وعشتار، إلهة الحب والحرب والجمال والتضحية في الحروب، ونجمة الصباح والمساء. وشماش، إله الشمس الذي يُظهر الخطأ والظلم للنور، تماما كما يبدّد نور الشمس الظلام. ونابو، إله الكتابة والحكمة والعلم والرقيم، وحامي الأدباء والمنسوخات. يظهر آشور في عدد من هذه الألواح فوق تنين وأسد ذي قرنين، وتظهر زوجته موليسو فوق أسد يعلوه عرش، ويظهر ملك أشوري إلى جوارهما وكأنه الحاكم الذي يستمدّ سلطته من الآلهة نفسها، ويعكس هذا التجانس بين السلطتين الدينية والمدنية صورة المنظومة القديمة التي تؤمن بأن علامات الخصوبة والازدهار والنمو تأتي من العالم الإلهي السماوي كما من السلطة الأرضية التي تخضع لها وتستمدّ قوتها منها.

يرى أهل اختصاص ان الملك التي تتكرّر صورته هو سرجون الثاني، ملك أشور من 722 إلى 705، وملك بابل من 709 إلى 705، وهو الملك الذي ذكره النبي إشعيا بالإسم في التوراة حيث قال: "في سنة مجيء ترتان إلى أشدود، حين أرسله سرجون ملك أشور فحارب أشدود وأخذها" (20: 1). وترتان هو اللقب الذي كان يٌطلق على رئيس جيش الآشوريين، أما أشدود، فهي في القاموس التوراتي احدى المدن فلسطين الرئيسية الخمس، وهي مدينة ساحلية متوسطية بناها الكنعانيون حوالي ثلاث آلاف سنة قبل الميلاد. كذلك، تشير التوراة إلى سرجون الثاني دون أن تذكره بالاسم في سفر الملوك الثاني حيث تقول: "أخذ ملك أشور السامرة، وسبى إسرائيل إلى أشور" (17: 6)، ويُستدل من الكتابات التي خرجت من آثار نينوى أن مملكة يهوذا كانت تدفع الجزية للملك سرجون الثاني.

كان هذا الملك من كبار رجل الحرب، واشتهر بالانتصارات العظيمة على الممالك التي حوله، وقد اتّضحت سيرته إثر اكتشاف نقوشه وحلّ رموزها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. في 1845، شرع القنصل الفرنسي في الموصل بول اميل بوتا في التنقيب في مدينة خورسباد التي عُرفت قديما باسم "دار شاروكين"، أي "قلعة سرجون"، وتقع على بعد اثني عشر ميلاً إلى الشمال الشرقي من الموصل، على الضفة الغربية لنهر دجلة، مقابل أطلال نينوى. وكشفت هذه الحملة عن قصر سرجون الثاني القائم فوق أسوار المدينة، والمؤلف من أكثر من مائتي حجرة. بعدها، استأنف فيكتور بلاس أعمال التنقيب، ونقل مجموعة من الألواح المنقوشة التي عُثر عليها في الموقع إلى متحف اللوفر في باريس. تواصل التنقيب في القرن العشرين مع "بعثة معهد الدراسات الشرقية" التابعة لجامعة شيكاغو، وذلك تحت إشراف هنري فرانكفورت، وتبعتها بعثة بريطانية ترأسّها أوستن هنري لايارد. امتدت أعمال البحث إلى مدينة كالح، في الجنوب الشرقي من الموصل، وكشفت عن عدد من القصور الملكية الآشورية، من بينها قصر آخر لسرجون الثاني.

تشكّل الألواح العشر المكتشفة حديثاً، فصلاً جديداً من هذه المسيرة المتواصلة، وتحمل دلالات جديدة في دراسة الفنون الآشورية الملكية. أثارت هذه الألواح انتباه عالم الآثار في جامعة هارفارد جيسون أور، وهو باحث مختص في أنظمة المياه القديمة في المنطقة، فقال في تعليق أوّل إن هذا الاكتشاف يظهر أن هذا الصنف من الأعمال الفنية الملكية لم يكن محصورا في القصور الإمبراطورية فحسب، بل تخطّاها إلى كل مكان، "حتى في أماكن استخراج المزارعين للمياه من القنوات لحقولهم". وتوقّع دانيال موراندي بوناكوسي بأن تظهر اعمال التنقيب في المستقبل القريب نقوشا أخرى لا تزال مدفونة تحت هذه القناة التي يبلغ طولها حوالي ستة كيلومترات، ودعا إلى حماية الألواح المكتشفة، وحفظها من الأخطار المحدّق بها، مثل التنقيب العشوائي، والتعدّي بغرض النهب والسرقة، والتدمير "الديني" الذي ظهر في السنوات الأخيرة. وأشار العالم الإيطالي إلى تعرّض أحد الألواح لبعض التلف بسبب محاولة السرقة في آذار/مايو في العام الفائت، وقال إن لوحا آخر تعّرض لمصير مشابه بسبب قيام أحد المزارعين ببناء اسطبل صغير، بينما فقد لوح ثالث جزئا من نقوشه حين شرع مزارع آخر بفتح قناة مستحدثة في هذا الموقع الأثري.

من جهتها، تفاخر جامعة أودين اليوم بهذا الاكتشاف العظيم الذي ترعاه منذ سنوات، وتدعو مديرية الآثار في محافظة دهوك إلى العناية بالموقع، وتتمنّى منها أن تسارع بالعمل على تحويله إلى متحف مفتوح في الهواء الطلق يحظى بحماية مؤسسة اليونسكو للتراث العالمي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب

ذئبة روما بمواجهة كورونا الأربعاء 25/03/2020
طاعون أثينا الأربعاء 18/03/2020
حلب بين دولتين الأربعاء 04/03/2020
المزيد