آخر تحديث:12:48(بيروت)
الإثنين 20/01/2020
share

العنف.. السلطة هي المسؤولة

أسعد قطّان | الإثنين 20/01/2020
شارك المقال :
العنف.. السلطة هي المسؤولة سناء الشيخ
أكتب هذه السطور وشبح المشهد العنفيّ بين المتظاهرين وقوى السلطة في ساحة النجمة ما زال يخيّم على وقع الأحداث المتسارعة. من المستحيل اختزال هذا المشهد بعزوه إلى «مشاغبين» أو مجموعات من «المرتزقة» أتت من «خارج» بيروت كي تعيث فيها خراباً وفساداً. لطالما كان وسط بيروت تجسيداً للمشروع الذي استنبطه رأس المال وفرضه بالقوّة على الناس. التباس هذا المشروع أنّه يزاوج بين المال الكثير الذي صارت العاصمة ملعباً له، والقمع الكثير الذي تعرّض له ملاّكو الوسط التجاريّ الأصليّون، والتخريب الكثير الذي أصاب بيروت التاريخيّة من الزمن الفينيقيّ وصولاً إلى العهد العثمانيّ على يد الجرّافة والدولار. ولقد أسّس هذا الالتباس لمزيد من تغرّب الأطراف عن العاصمة وشعورها المتعاظم بالغبن والنقمة. لكنّ انتفاضة 17 تشرين وحّدت العاصمة بالأطراف من جديد. راح المنتفضون في طرابلس وعكّار وصور ينبضون لنبض بيروت. وراحت بيروت تحتضن بنات لبنان وشباب لبنان من دون أن تسألهم عن هويّتهم وعن المكان الذي يأتون منه. ربّما يكون التعبير الأقوى في رمزيّته عن هذا التحوّل، هو مشهد ابنة طرابلس، سناء الشيخ، وهي تحاول البارحة تسلّق أسلاك العار التي سوّر بها حرّاس المجلس النيابيّ المبنى الذي صار بصمته المطبق عنواناً لصمت طبقةٍ سياسيّة فاسدة تدفع بلبنان إلى الهاوية بسبب عنجهيّتها وعطشها للسلطة.

كذلك من المستحيل قراءة دلالات المشهد في ساحة النجمة من دون استعادة رمزيّة البرلمان. لقد طرح بعضهم السؤال لماذا لا يذهب المنتفضون إلى بيوت السياسيّين الفاسدين ويحاولون اقتحامها؟ لا أحد يستطيع استبعاد سيناريو من هذا النوع في المستقبل. فما بعد «موقعة» ساحة النجمة لن يكون هو ما قبلها. لكنّ ما لا شكّ فيه هو أنّ البرلمان، رغم ما يهيمن عليه من خواء، هو العنوان الأكثف لطبقة سياسيّة فاسدة استحوذت على السلطة التنفيذيّة باسم انتخابات مهندسة مسبقاً وديمقراطيّة كاذبة قائمة على المحاصصة بين الأحزاب الطائفيّة، ثمّ سخّرت التشريع في سبيل مصالحها، وطوّعت السلطة القضائيّة. ما شهدته ساحة النجمة البارحة هو «معركة» رمزيّة بالدرجة الأولى لأنّها تشير إلى شعب يحاول بيديه العاريتين وصدره المفتوح للشمس أنّ يستعيد دولته، بعدما سرقها منه اللصوص والنهّابون، وأنّ يستعيد كرامته، بعدما استصغروه ومرّغوه وأذلّوه.

هذا ليس دفاعاً عن العنف، فالعنف، حتّى لو كان دفاعاً عن النفس، لا يدافَع عنه. لكنّ هذا تذكير بأنّ من ينتقد عنف المتظاهرين في ساحة النجمة عليه ألاّ ينسى أنّه ردّ فعل على عنف بنيويّ متأصّل في سلطة فاسدة أثبتت الأشهر الماضية أنّها لا تريد أن تتغيّر، وأنّها باتت اليوم أشبه بورم لا ينفع معه سوى الاستئصال. لقد استهزأ أهل السلطة، على مدى أكثر من تسعين يوماً، بكرامات الناس، واستخفّوا بصوت الحقّ في أصواتهم ومنطق الجوع في عيونهم الخاوية. ولم يتركوا لهم سوى أن يتحوّلوا إلى شعب ثائر يلجأ إلى العنف كي يثأر لكرامته المهدورة. العنف البنيويّ الذي بات يُترجَم يوميّاً في لبنان جوعاً وقهراً واستباحةً لكرامة الفرد، وامتهاناً لحقوقه السياسيّة، هو منبت الداء، وهو رحم الثورات. ومن ينسى ذلك، يتحوّل إلى شاهد زور على ما يحصل.

هل انتهى زمن انتفاضة 17 تشرين اللاعنفيّة؟ هل دخلت هذه الانتفاضة في نفق تحوّلها إلى ثورة تستنجد بكلّ الوسائل، والعنف واحد منها؟ هذا ما ستكشفه لنا الآتيات من الأيّام. لكنّ الأكيد أنّ ما سيحدّد الجواب عن هذا السؤال سيكون بالدرجة الأولى، سلوك أهل السلطة، ومدى قدرتهم على أن يحكّموا ضميرهم تفادياً لدخول البلد في متاهة العنف التي لن توفّر أحداً، هذا إذا تبقّى لديهم شيء من ضمير.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها