آخر تحديث:15:57(بيروت)
الأحد 19/01/2020
share

"مستر نون" لنجوى بركات.. تلك الخدعة الرائعة

أحمد شوقي علي | الأحد 19/01/2020
شارك المقال :
"مستر نون" لنجوى بركات.. تلك الخدعة الرائعة يسير نون طوال حكايته، لا يَعرِفُ/ يُعْرَفُ، إن كان ما يرويه حقيقة أم من نسج خياله كمريض
 
الساعة الآن الخامسة و38 دقيقة، وليست العاشرة وخمسة وعشرين، مثلما تشير دائمًا ساعة الـ"مستر نون"، وربما يضايقه أن أكتب في غير ما انضبطت عليه ساعته، ولكنه انتقام هين من خدعته التي صنع، ووقعت، طواعيةً، في جميل غوايتها. لعله الجمال ما هَذَب انتقامي، وإلا كنت فضحته ونجوى بركات، وأفسدت حيلتهما المحكمة.

تبدأ خدعة نجوى بركات من غلاف الرواية*، الذي يبدو بطله المرسوم بالأسود، وقد فرد ياقة معطفه مثل "شيرلوك هولمز"، كمحقق يعد بلهاث طويل وراء جريمة عويصة حتى تنحل عقدتها، وتوهم قصتها بتناص مع أعمال سردية أكثر ألفة، تمنح مفاتيح لتوقع سيرورتها، لكن ما اعتقدته متقاطعًا مع "6 شخصيات تبحث عن مؤلف" للويجي برانديللو أو "Shutter island" لدينيس ليهين، هو في الحقيقة غير ذلك؛ ما اعتقدته منذ غلاف الرواية وحتى صفحتها قبل الأخيرة كله وهم، أو أنه حقيقة أخرى تدفعك لقراءة الرواية من جديد وكأنها المرة الأولى. ليس الجمال وحده إذن ما يمنع من فضح خدع "مِستِر نون"!

فضح الخدعة مغر، لكنه غير مجد، لن يمنح سردية سهلة تلخص الحكاية، بل ربما يزيدها تعقيدًا، وهي غير ذلك، ليست بسيطة، ولكنها هادئة، مثل شرك ينصبه الفزع. اختارت نجوى بركات معتلًا نفسيًا بطلًا لها، لتمنح نفسها والقارئ برهة طويلة لمعاينة الوحدة والقسوة والفزع، وتأمل قدرة اللغة على الإمتاع، كبطل يزيد حكايتها ثراء، ويلعب دورًا مهمًا للتعمية عما نثرته من مفاتيح تسبر أغوارها، تضع الحرب والديكتاتورية والطائفية والفقر والإهمال والأهل على قدر واحد من القسوة، فقسوة الأهل قتلت نون، مثلما قتلت قسوة الطائفية أباه، وقتلت قسوة الحرب والديكتاتورية مريم السورية، مثلما قتل الفقر شايغا القادمة من النيبال.


"نون" وهو كاتب يوحي سلوكه الشخصي بالتوحد، اختار القديس لِعازر، الذي أحياه السيد المسيح من موته، بطلا لروايته التي يعود للكتابة من خلالها بعد انقطاع طويل، لأن سؤالهما الوجودي واحد، فلعازر الذي صار معجزة، لم تعوضه معجزته عن تجاهل المسيح لمرضه، وظل غير قانع بمصيره يسأل في رواية "نون": "لمَ يا رب! وهل أتيت ما لا يرضيك"، ومثله نون الذي أعياه البحث عن سبب يفسر مصيره البائس، ولكنه على خلاف بطله لم يضف له التجاهل شيئًا سوى المزيد منه دون وعد بالنجاة، نبذته أمه لأنه لم يولد بنتًا، وكانت تريده كذلك في إطار سعيها الدائم للكمال، وتخلى عنه والده الذي لم يقوَ على تجاوز ما رآه في مذبحة الدامور، وانتحر أمام عينيه وهو بعد طفل، وإنشغل عنه أخوه الأكبر "سائد" بأنانيته، وألقته حبيبته ككيس مهمل على الطاولة لأنها ما عادت قادرة على حمله. لم يجد أمامه من وسيلة سوى أن يمنح جسده للمنبوذين لكي يوسعوه ضربًا، كل يوم، ينزل من حيه العالي في بيروت إلى أحيائها الواطئة العشوائية، يترك نفسه: "ضائعًا، هائمًا، ويكفي أن أسمم بنظراتي مزاج أحدهم، حتى يستفزني بكلمة، بحركة، فأستفزه بكل ما أوتيت، فيرميني بكل ما احتقن فيه من قهر وذل. يكور كراهيته المتحجرة فيه كالصخر، حصاة تلو أخرى، حجرًا تلو آخر، ويقذفني بها محطمًا هيأتي التي لا تعجبه. هل كنت أكفر عن ذنب ما؟ وما لي أنا في بؤسهم وشقائهم لكي أشعر بأي ذنب؟ وبؤسي أنا، وشقائي، من يكفر عنهما؟ ومع ذلك، ومهما بدا الأمر غريبًا، فقد عالجني الضرب وسوى وعورتي الداخلية. وكأنه شفاني وقد جعل الوجع ملموسًا، منظورًا، وقد ظهَّره كالنيغاتيف وأعطاه شكلًا ولونا"، لكن هذا الشفاء صار مع الوقت مرضًا آخر، فحتى عندما يجد في بائعة الهوى النيبالية "شايغا" العوض عن سنين النبذ والإبعاد، فإنه يضيعها طواعية في سبيل مزيد من جلب العذاب لنفسه.
يدخل نون مع كل أزمة يواجهها في حياته، مرحلة متطورة وأكثر تركيبًا للمرض النفسي، وتصنع نجوى بركات، التي امتلكت معرفة دقيقة بذلك النوع من المرض، بنية روايتها المتداخلة والمتنقلة في سلاسة بين الأزمان والبيئات المختلفة، لتدفع إلى تصديق تلك الفرضية، ودحضها في آن، فـ"نون"، الذي يكشف السرد في واحد من أكثر فصول الرواية إيلامًا، أنه نزيل لمصحة نفسية وليس فندقًا كما توهم، يواجه معالجته النفسية بأنه ليس مصابا بازدواج الشخصية، أو "بتثالثها، وبعدم المقدرة على التمييز بين ما هو واقع وما هو خيال"، وإنما واقع تحت سطوة ما يتيحه الأدب "أن تكون لك قدم في الواقع وقدم في الخيال، متقدما على حبل رفيع مشدود بين تخوم الوعي واللاوعي، الغياب والإدراك"، فيصير واقعه مخلوطاً بما سبق وألف، لا يواجه شخوصه التي ابتكرها وقد دبت فيها الحياة خارج رواياته، وإنما يواجه ما تخيله عنها وقد تجسد لينغص عليه واقعه، ويعيده إلى كل ما هرب منه في حياته الأولى، إلى أمه التي حرمته حنانها، والحرب اللبنانية التي حرمته أبيه، والواقع المزري الذي آلت إليه مدنية لبنان وأرقت حاضره وحرمته من مستقبله: "ألا يدركون أن ما نحلم به يصير واقعيًا، حقيقيًا، بدءًا من الإله وصولًا إلى الشيطان، وأن ما نطلق عليه اسمًا ينهض من فوره منتصبًا متقدمًا بقلب وقدمين؟ ألا يعرفون أن ما نرويه هو أشباحنا المقيمة فينا سرًا، قرائننا المختبئة في خزائن أرواحنا، إخوة شقائنا وخيبتنا من هذه الحياة"؟
وعلى ذلك الأساس يسير نون طوال حكايته، لا يَعرِفُ/ يُعْرَفُ، إن كان ما يرويه حقيقة أم من نسج خياله كمريض أو كروائي، يستعرض في ظل ما خلقته نجوى بركات من بيئة متسعة، القسوة في كل أشكالها الممكنة، حتى يواجه بطله الذي ظل يبحث عنه ليصرعه طوال الرواية، وينجح في قتله بنهايتها...

أو ينجح في قتل نفسه... ليموت نون، بعد رحلة طويلة دفعته إليها بركات، بين أرجاء العالمين السفلي والعلوي لبيروت، وبين أهوال ما جرى في مذبحتي الدامور والكرنتينا والحرب الأهلية في لبنان، وبين ما رآه من حياتي مريم التي عذبتها الحرب في سوريا، وشايغا التي أهلكها الاغتراب بحثًا عن حياة أكرم من تلك التي تركتها في النيبال، سيموت نون، الذي تخلى عن اسمه، واكتفى بما ظهر من حروف الأبجدية على ملفه الطبي، وقد غرس أقلامه الرصاص المسنونة في جسده ليفارق الحياة، لأن معجزة "الأدب" ليست كافية لتعويض حرمانها، فهل أكون بذلك قد كشفت خدعة الرواية؟

في الواقع لم أفعل، ولن أفعل، فقط سأترك القارئ، وقد عرف بعض الحقيقة، بعض الكذب، لينساق إلى شرك الخدعة نفسه، مستمتعا بجميل غوايتها.
صدرت رواية "مِسْتِر نون" عن دار الآداب في بيروت.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها