آخر تحديث:13:16(بيروت)
السبت 18/01/2020
share

فن الـNGO الرديء

حسن الساحلي | السبت 18/01/2020
شارك المقال :
  • فن الـNGO الرديء
    عمل "الثورة أنثى" المشارك في معرض "ثورة ضد النفايات"
  • "الرأسمالية تستغل الطبيعة"
    "الرأسمالية تستغل الطبيعة"
تلجأ مؤسسات المجتمع المدني إلى الفن والفنانين من أجل دعم قضايا معينة (مدنية، حقوقية، بيئية...)، غالباً عبر معارض تتمحور حول ثيمات موحدة تفرض على المشاركين فيها. تجري هذه الفعاليات على هامش عالم الفن، ومن دون العمل بقوانينه، إن كان من جانب الفضاءات التي تنظم فيها المعارض خارج الشبكات المعتادة (أي فضاءات الغاليريهات او المتاحف)، أو من خلال سياقات التنظيم التي تتم عبر موظفي الجمعيات غير المتخصصين، عوضاً عن التعامل مع منسقين فنيين يمتلكون خبرة فنية في المجال ويمكنهم أقله التمييز بين الفن الجيد والرديء.

تزداد وتيرة هذه المعارض منذ بدء الإنتفاضة، وتنظم خاصة في أمكنة عامة لاستغلال تواجد المتظاهرين، ولتأمين مرئية اكبر وشرعية شعبية لعمل المنظمات المدني والحقوقي. ينطبق هذا على معرض "ثورة ضد النفايات" الذي نظمه منذ أيام "إئتلاف ضد النفايات" لترويج حل إعادة التدوير في لبنان، حيث كان يفترض ان يقام في مبنى "البيضة" الذي أصبح رمزاً للإنتفاضة، لكنخ عاد وانتقل إلى مركز "كيد" في الكرنتينا بسبب سوء الأحوال الجوية.

ويعرَّف المعرض كـ"حدث فني مجاني ليوم واحد تحت شعار: ثورة ضد سوء إدارة النفايات". ويتضمن تجهيزات ولوحات تركز على الثيمات نفسها: أزمة النفايات، إعادة التدوير، والانتفاضة اللبنانية، وهي من توقيع فنانين مغمورين، باستثناء قلة مثل مانويلا غيراغوسيان ابنة الفنان الشهير بول غيراغوسيان، والفنانة التشكيلية ليلى جريديني، وسارة ابي مراد.
 


ينادي "ائتلاف ضد النفايات"، منذ سنوات، بالاقتصاد الدائري، وبسياسات بديلة لحل أزمة النفايات، تتخلى عن المحارق والمطامر والمكبات العشوائية، في مقابل أساليب صديقة للبيئة تكون اقل كلفة على الدولة من الموازنات الضخمة التي توضع اليوم، وتعتمد إعادة التدوير اللامركزي الذي تعالج فيه كل منطقة نفاياتها. طبعاً، هدف الإئتلاف، والجهد الذي بذله، مهم للغاية ولا يمكن التقليل من قيمته. لكن، في الوقت نفسه، تعاطيه مع الفن لا يختلف عن تعاطي المنظمات غير الحكومية الأخرى التي تستغل الفن لتلميع صورتها من دون تقديم شيء في المقابل، وبطريقة تبدو بأقل تقدير مبتذلة ولا تعطي احتراماً فعلياً للمتلقي (نتذكر هنا حملة لإحدى المؤسسات التي تدور في الفلك نفسه، لطلاء مباني الأوزاعي بالألوان، وكنا قد رأينا نموذجاً شبيهاً في أحياء أخرى فقيرة، من بينها كرم الزيتون، بررها المنظمون يومها برغبة لتنظيف هذه المنطقة من الرداءة والوسخ المسيطرَين عليها، ما يخفي احتقاراً مبطناً لسكانها ورغبة في إخفائهم، أو "تجميلهم، عوضاً عن إيجاد حل فعلي لمشاكلهم).

تشجع هذه المعارض بشكل عام، القراءات المبسطة للواقع، وتستعمل الوعظ والأساليب المباشرة، التي لا تترك مجالاً للقراءات المتعددة والديموقراطية (تكون الرسائل التي تتضمنها الأعمال الفنية متوافقة بشكل مريب مع أجندة المنظمين في اكثر الأحيان) ما يخفي ميلاً شعبوياً يَفتَرِض عدم امتلاك الجمهور ثقافة تخوله التمييز بين الفن الجيد والسيء.

يمكننا إعطاء مثال عن الرداءة المباشرة الغالبة على هذا المعرض، من خلال تجهيز مصنوع من نفايات يمكن تدويرها، ويقدم ترجمة ملموسة لشعار "الثورة أنثى" لكن بطريقة مبالغة في مباشرتها. تقول الفنانة في وصف العمل: الجسم يتشكل من طنجرة "تمثل النساء المشاركات في المظاهرات"، أما اليد المصنوعة من قشارة بطاطا أسطوانية فـ"تمثل الميكروفون الذي ترفع من خلاله المرأة صوتها"، والرأس يتشكل من نفايات (فيها أدوات مكياج وأدوية وأشياء اخرى) مع لمبة وحيدة "تمثل الأمل في المستقبل".

في الصالة نفسها، لوحة موضوعها الإدمان، وضعت عليها إبر وأكياس تشبه تلك المخصصة للكوكايين، مع أورقاء لعب تمثل إدمان القمار، أحيطت بلون أسود "يظهر الواقع الذي يعيشه المدمن"! أما ثيمة إعادة التدوير فوجودها بائن بحقيقة أن الكانفاس الأصلي كان مثقوباً من مكان صغير عندما اشتراه الفنان!

تسرف الأعمال المشاركة في استخدام الرموز والرسائل لإثبات موقف مناصر لقضية معينة، متنقلةً بينها بسلاسة مدهشة ومبالغة في خفتها، ما يطرح تساؤلاً عن الهدف من الفن في حال استُعمل بهذه الطريقة المباشرة وفي حال تطابَق مع اللغة و"الواقع الرمزي"، من دون تقديم مستوى جديد من الإدراك. تظهر خفة هذا الانتقال بين الرسائل، في أعمال عديدة، بينها عمل لمانويلا غيراغوسيان أنتج قبل الإنتفاضة بهدف مناصرة حقوق النساء، ويظهر فتاتين تقفزان إلى الأعلى، تمثلان الفنانة نفسها التي تحاول الخروج من فيء الذكور في عائلتها، مثل أبيها المشهور أو أخيها الرسام، لكن هذا التمثيل لم يلبث أن انتقل في المعرض من موضوع نسوي إلى ثيمة مناصرة المتظاهرين الذين "يظهرون من خلال القفز سوياً إلى الأعلى مدى تضامنهم سوياً من أجل اظهار انفسهم في المجال العام والحصول على حقوقهم"!


كل شيء في هذا المعرض، يأخذ الأشياء بحرفيتها، مفتقداً بذلك القدرة على التخيل والإبتكار. قررت إحدى المشاركات (غاييل رزق) ترجمة سلبيات الرأسمالية واستغلالها الطبيعة، عبر رسم جسد أنثوي أخضر اللون تظهر فيه البراءة (الجنس أنثوي لأنه يتوافق مع تعبير "الطبيعة الأم")، ويحاوطه شبح يظهر عليه الشر ويبدو أنه يخنقه في إيحاء إلى الإستغلال والإستهلاك الذي تمارسه الرأسمالية بحق الطبيعة إلى حد خنقها. هناك عمل لفنانة أخرى (ماري حنا) يروج للإيجابية الجسدية تجاه السمنة، من خلال رسم امرأة سمينة تبدو حركتها رشيقة وتتسم بالسعادة وهي تقفز بخفة (ما يروج بشكل لا واعٍ إلى الخفة بصفتها شيء إيجابي، بعكس الثقل والهمود)، ووضع فنان آخر كرسياً وجدها على الطريق لتمثيل تشبث السياسيين بالكراسي ولوّن جزءاً منها بالعلم اللبناني للقول ان الإنتفاضة استطاعت قطع جزء من الطريق للوصول إلى السلطة!

تختزل هذه الأعمال القضايا المطروحة في لبنان، ضمن ثنائيات واختزالات ضيقة، ما يبدو واضحاً في الأعمال الفنية التي تصور الإنتفاضة كأداة وحيدة للخلاص والخير اللامتناهي والوحدة بين الللبنانيين التي تطمس إختلافات وخصوصيات الجماعات المشاركة في الثورة. تتناغم هذه النظرة الإختزالية مع نظرة المنظمات غير الحكومية بشكل عام، إلى الأفراد، بصفتهم كائنات حقوقية فقط، غير موجودين خارج قضاياهم السياسية والحقوقية المتداولة في المجال العام، ما لا يتناسب مع طرق الرؤية متعددة المستويات التي يفترض اعتمادها في الفن  (إن كانت إجتماعية أو ثقافية أو فلسفية ...).

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها