آخر تحديث:14:57(بيروت)
الجمعة 17/01/2020
share

حدائق بوينس آيرس المتصلة

شادي لويس | الجمعة 17/01/2020
شارك المقال :
حدائق بوينس آيرس المتصلة أينما حلَلتَ.. لن تكون أبداً بعيداً من التانغو
كان هذا في ليلتي الأولى في سافيدرا، الضاحية البعيدة عن مركز بوينس آيريس. على بعد نصف ساعة سيراً على الأقدام، تقع الحدود الإدارية للعاصمة الأرجنتينية، وتبدأ "بوينس آيرس الكبرى" حزاماً حضرياً لم يفقد كل علامات ماضيه الريفي القريب. بيوت من طابقين بباحات خلفية واسعة تبدو كشرائح مسورة تم اقتطاعها من غابة مدارية، أشجار ضخمة بارتفاع سبعة وثمانية طوابق، تلتحم فروعها من الجانبين، وتحجب شمس يناير الحارقة، وكأنها شبكة من الأنفاق الخضراء والظلال التي تبتلع الحي كله.

المدرسة البحرية، المعسكر الرئيسي حيث جرت عمليات التعذيب والقتل في عهد الديكتاتورية، تقف على مسافة قريبة وتمنع أسوارها الممتدة، رؤية النهر. يقولون هنا بحسرة إن بوينس آيرس مدينة تعطي ظهرها للماء، وكذا لمينائها المزدحم بالحركة، تخطيط سيء أو قرار واعٍ من "أبناء الميناء" كما يطلق سكان المدينة على أنفسهم.


كل شيء في سافيدرا يوحي بالعزلة، خصوصاً بعد شهر من الإقامة في وسط المدينة الثقافي، على حدود "فيشا كريسبو" و"باليرمو". الأول، حي يشتهر بجاليته الأرمينية، أرمن من الشام في الأساس، محلات تحمل اسم دمشق أو الشرق، تبيع كل شيء من هناك، من الشنكليش وورق العنب إلى بذلة الرقص والأركيلة. بضعة مطاعم عربية بأسماء أرمينية أو عربية تحتمل أكثر من تأويل، "سركيس" و"الفارس" مع صورة ضخمة لماري جرجس مرسومة على الواجهة. اليهود الحارديم يظهرون في مجموعات صغيرة في ليلة الجمعة، جاءوا إلى البلاد قبل الأرمن أو معهم، الكثير منهم من الشام أيضاً، لا عجب أنهم يترددون على المحال نفسها الملاصقة لكنيسة الأرمن.

"باليرمو" المتاخمة، كانت على أطراف العاصمة في شباب بورخيس، عاش فيها صباه ومراهقته، وكتب فيها قصائده عن "الضواحي" الهادئة. اليوم، تحولت بفعل تمدد بوينس آيرس، إلى قلبها السياحي، صاخبة في الليل، يقف قبالة باراتها الموزعة على الأرصفة، مركز الملك فهد بأسواره البيضاء العالية، جامع كبير ومدرسة إسلامية وصورة ضخمة للحرم المكي يمكن رؤيتها من محطة القطار وأثناء الرحلة من المحطة التي تسبقها والمحطة التالية. مراكز صغيرة لدراسة كل شيء، أحدها يمنح شهادة في قراءة الأبراج عبر التحليل النفسي. يونغ كان يؤمن بالأبراج، والطبقة الوسطى في بوينس آيرس مهووسة بالعلاج النفسي. شوارع بأسماء كتّاب كبار، بورخيس له واحد، وكورتاثار أيضاً مع ميدان ومدرسة باسمه، عشرات من مسارح الغرف تعرض مسرحيات لا تتجاوز ربع الساعة لهواة وأنصاف هواة. وبين ذلك كله تتوزع صالات التانغو ذات الأسقف الشاهقة والمزدحمة بالسياح وأبناء المدينة، ليالي الجمعة والسبت. يمكن أن تسهر هناك الليل بطوله، وتتناول فطورك فيها مع القهوة في الخامسة والنصف صباحاً، بينما لايزال البعض يرقص من حولك. لا شيء من هذا في الضاحية الجديدة التي انتقلت إليها. 



في سافيدرا، كان الشيء المعزي هو الحديقة التي تحمل الاسم نفسه، شرفتي تطل عليها مباشرة، ويمكن من الغرف الداخلية للشقة سماع مئات الطيور تصرخ من أشجارها في الوقت نفسه. الحدائق نادرة هنا، ربما لا حاجة لها في مدينة تبدو كغابة من الأشجار الضخمة تشقها الشوارع وبيوتها بخفة. لسبب ما، ذكرتني الحديقة بالنعي الذي كتبه ماركيز عند وفاة "الأرجنتيني الذي أحبه الجميع" كورتاثار. ذكر ماركيز، مرتين ألتقى فيهما به، وعبرهما لخّص ذكرياته عنه، مرة في أوروبا، ومرة أخرى في حديقة عامة في ماناغوا عاصمة نيكاراغوا. في المرة الثانية، كان كورتاثار يلقي قصته "ليلة مانتيكجيا" بلغة عامية، "لغة الطبقة الأفقر في بوينس آيرس"، أمام جمهور من كل الفئات، جالسين على العشب، "شعراء مخضرمون، وحتى المهندسين وموظفي الدولة وقادة الثورة ومعارضيهم". كانت تلك العامية البوينس آيرسية، صعبة على فهم الجمهور، وحتى على ماركيز نفسه، لكن الجميع استسلم لسحرها. 


أعرف لكورتاثار قصة قصيرة شهيرة باسم "اتصال الحدائق"، كانت قد حُوّلت إلى فيلم لم يعجبه، وقصة أخرى لا أذكر اسمها تدور في واحدة من حدائق بوينس آيرس. غير هذا، لا مبرر لتذكّره عند رؤية حديقة سافيدرا. في مساء اليوم الأول، كانت الحديقة الواسعة قد تحولت ساحة عامة مزدحمة بالجمهور. في جانب مدخل البناية السكنية، في طريقي للخروج، رأيت إعلاناً عن برنامج الحكومة المحلية الثقافي: "هيا إلى الميادين". في أحد أركان الحديقة كانت شاشة بيضاء مرتفعة تعرض فيلماً أرجنتينياً، وبجانبها يجلس ناقد سينمائي على كرسي بلاستيكي، مستنداً إلى شجرة في انتظار انتهاء الفيلم للحديث عنه. الجمهور في لحظة استرخاء على العشب، بعضه يدخن الماريغوانا، وأكواب "المتة" تتناقلها الأيدي.

في وسط الحديقة، كان عشرات الرجال والنساء، فوق الستين، يرقصون "الغاوتشو" (رقصة رعاة البقر) التقليدية أمام مبني اسمنتي صغير بيافطة تقول "المركز الترفيهي للمتقاعدين". الرقص كان متواضعاً، لكن الخليط العجيب من الناس الذي ربما لن نجده في مكان آخر، كان مبهجاً إلى حد كبير. رجل تشي هيئة ملابسه المتواضعة بطبقته العاملة، يراقص امرأة أصغر سناً قليلاً تصنفها ملابسها ضمن الشريحة العليا من الطبقة الوسطى، وإلى جانبهما مُسنّ أشقر تبدو أصوله سلافية يرقص مع سيدة بملامح إنديزية. الجميع يلوح بالمناديل في دوائر فوق رؤوسهم أثناء العرض. بضع خطوات من الرقصة بدت مثل الدبكة، محرّفة قليلاً. ابتسمتُ حينها، تذكرت صديقاً أرجنتينياً كان مصراً على أن رقصة "الغاوتشو" عربية الأصل، ولم يكن كلامه محض تخريف، فهناك من أدعى أن كلمة الغاوتشو نفسها عربية، "الشاويش" أو الجاويش"، الحارس، فقد كان هؤلاء من مسلمي الأندلس وهربوا من الاضطهاد إلى سهول البامبا في الأرجنتين والأورغواي والبرازيل، وأسسوا هناك تقاليد الغاوتشو، أصل التقاليد الملحمية والقومية الأرجنتينية. نظرية ضعيفة جداً، لكن طرافتها كافية لتردادها كثيراً.


في كل ركن في الحديقة، كان هناك عرض ما، فرق غنائية معاصرة لها تعاقد مع الحكومة المحلية للغناء في الحدائق والميادين العامة، فرق للرقص تفعل الشيء نفسه بحسب جدول معلن، واحدة صغيرة صحية لإجراء الفحوص الدورية لكبار السن، وواحدة لطب الأطفال والتطعيم، وبجانبها عرض لمهرج بدا مضحكاً جداً لأنني فهمت معظم ما يقوله بإسبانيتي الفقيرة، كان يتكلم ببطء ومع الأطفال، وبلكنة إيطالية مفتعلة تطيل من نطق خاتمة الكلمات، لهذا فهمت.

ضحك الأطفال على اللكنة الأجنبية، أما البالغون فضحكوا اكثر لأنهم فهموا مغزاها. قلبت الهجرة الإيطالية الضخمة إلى بوينس آيريس، مطلع القرن الماضي، من ثقافتها، لتصبح إيطالية أكثر منها إسبانية. الوجبة التقليدية في المدينة هي الباستا، ومن بعدها البيتزا بلا شك. نكات المهرج كانت معقدة أكثر مما بدت في البداية، لها مستويان، واحد للأطفال والآخر لأُسرهم.

عقود من البيرونية (نسبة الى خوان وايفا بيرون) كان يمكن رؤيتها في حديقة سافيدرا، مزيج من اشتراكية ووطنية شعبوية مناهضة للولايات المتحدة، خلقت خدمات عامة قوية وطبقة وسطى واسعة وسوقاً هائلة لاستهلاك الثقافة واقتصاداً غير مستقر. حتى في ظل حكومة يمينية وأزمة مالية خانقة، مازالت حدائق الضواحي كقلبها، ساحة لمهرجانات ثقافية للجميع وبالمجان، صورة مصغرة ليوتوبيا.

في نهاية الليلة، وفي الطريق إلى البيت لاحظت القضبان الحديدية المثبتة على كافة الشرفات والنوافذ، وتذكرت التحذيرات التي تلقيتها بضرورة الحرص، فالمدينة ليست آمنة كما تبدو على السطح.




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها