آخر تحديث:12:11(بيروت)
الخميس 16/01/2020
share

مَن يصدّق حزب الله بعد اليوم؟

أسعد قطّان | الخميس 16/01/2020
شارك المقال :
مَن يصدّق حزب الله بعد اليوم؟ نصرالله في مجمع سيد الشهداء في الضاحية الجنوبية للتحدث عن سليماني (المدن)
حين أبّن السيّد حسن نصرالله، الجنرال قاسم سليماني، مرّةً تلو مرّة، بدا كالمذبوح. كلمات الرجل، الذي يشهد له خصومه قبل أصدقائه بالهالة الكاريزميّة وطول الباع في الخطابة، كانت تنشطر حين تخرج من فمه، فيذهب مناخها الخطابيّ في اتّجاه وتذهب معانيها في اتّجاه آخر. في اللغة العربيّة، ثمّة ارتباط لفظيّ بين «اللغة» و«اللغو». لكنّ الغريب هو أنّ انبثاق اللفظتين من رحم لغويّ واحد يؤسّس لمفارقة جذريّة. فاللغو، الذي هو صنو اللغة، هو أيضاً نقيضها، لأنّ اللغة تصبح لغةً على قدر ما تنقل المعنى وتصير وعاءً له فيما يحيلنا اللغو إلى غياب المعنى، إلى كلام «لا يُحصل منه على فائدة ولا نفع» كما تفيدنا المعاجم.
طبعاً كلام الأمين العامّ لحزب الله، لم يكن خالياً من المعنى. لكنّه كان أقرب إلى اللغو بالنظر إلى ما تضمّنه من إطناب في «رثاء» الجنرال سليماني وكأنّه واحد من أصدقاء الله الخلصاء. يضاف إلى ذلك ما ابتدعه من مرافعة عن نظام الملالي يمتزج فيها المضمون المتأرجح بين الوجدانيّات والإيديولوجيا بدفاع مثقوب عن سلطة تبدّت كلّ عورات نظامها الثيوقراطيّ في مدّة زمنيّة قياسيّة: من تصيّد قاسم سليماني لقمةً سائغةً على يد الأميركيّين، مروراً بردّ إيرانيّ كرتونيّ على الضربة الموجعة، وصولاً إلى إسقاط طائرة مدنيّة محمّلة بالركاب بسبب «خطأ» عسكريّ تبعه تجدّد التظاهرات في عقر دار جمهوريّة التوكيل الإلهيّ. لا شكّ في أنّ المشهد الإيرانيّ اليوم يعكس ضعفاً بنيويّاً بمقدار ما تسعى السلطة المتحكّمة فيه إلى ترسيخ سلطتها عبر القمع والتورّم الإيديولوجيّ والتعامي عن وجع الناس. لكنّ المنافحة التي طالع بها الأمين العامّ جمهوره تومئ إلى ما هو أكثر فداحةً من الضعف، إذ تشي بقلق عميق من انهيار المنظومة برمّتها رغم تراكم السلاح وشدّ الوتر المذهبيّ وفائض الشباب المستعدّ للاستشهاد. ولعلّ هذا القلق هو ما جعل من تأبين نصرالله لسليمانيّ مقطوعةً خطابيّةً ميلودراميّةً أقرب في مضمونها إلى تشتّت المعنى، وتالياً إلى اللغو، منها إلى التماسك العقليّ المقنع الذي تمتاز به خطب السيّد في العادة.
لكنّ هناك مقترباً آخر يوحي بفرضيّة اللغو هذه. فالخطاب، أيّ خطاب، مهما كان متماسكاً من الناحية المنطقيّة، يتحوّل إلى كلام أجوف إذا افتقد الصدقيّة. هنا تكمن ربّما الثغرة الكبرى في موقف حزب الله وكلام أمينه العامّ. لقد أعلن هذا الحزب بعد الانتخابات النيابيّة أنّه سيقبض على ناصية محاربة الفساد، وأنّ قضيّة استئصال الفاسدين هي بالنسبة إليه قضيّة «جهاديّة».  غير أن هذا الخطاب لم يتخطَّ إلى الآن حدّ التغرغر اللفظيّ والبهلوانيّات الاستعراضيّة التي لم تعد تقنع أحداً. فالحزب لا يبدو اليوم أقلّ تشبّثاً بدوره في حراسة الجوع عبر حمايته لمنظومة سلطويّة ينخرها الفساد والتعفّن. وكلّ المؤشّرات تدلّ على أنّه ما زال يسعى إلى استعادة نموذج ما قبل انتفاضة 17 تشرين ونفث الحياة فيه من جديد، ولو بتعديلات طفيفة لا تغيّر في جوهره. إنّ هذا الانفصام بين الخطاب والفعل في سلوك حزب الله هو ما بات يفكّك صدقيّة أيّ كلام يصدر عن أمينه العام ويجعل الكثيرين يهزّون رؤوسهم شزراً حيال الخطط التي أطلقها بتطهير المنطقة من الحضور العسكريّ الأميركيّ، لا سيّما بعد الردّ الإيرانيّ الدونكيشوتيّ على تصفية الجنرال المغدور. لقد تزعزعت ثقة الناس الذين كانوا يتعاطفون في الماضي مع حزب الله رغم تزايد عدد الصواريخ الدقيقة وغير الدقيقة في مستودعاته. فحيال الوعود بمحاربة الفساد التي أُطلقت وبقيت قبض ريح، من يصدّق بعد اليوم السيّد حسن نصرالله؟

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها