آخر تحديث:13:49(بيروت)
الأربعاء 15/01/2020
share

تل الزيب: أسرار التقاليد الجنائزية في الساحل الفلسطيني

محمود الزيباوي | الأربعاء 15/01/2020
شارك المقال :
  • تل الزيب: أسرار التقاليد الجنائزية في الساحل الفلسطيني
    قناع من الزيب.
  • تماثيل أنثوية.
    تماثيل أنثوية.
  • تل الزيب.
    تل الزيب.
  • موقع المقبرة المكتشفة حديثا.
    موقع المقبرة المكتشفة حديثا.
  • فارسان من الزيب
    فارسان من الزيب
  • قناع آخر من الزيب.
    قناع آخر من الزيب.
  • من أواني المقبرة المكتشفة حديثاً.
    من أواني المقبرة المكتشفة حديثاً.
أعلنت مديرية الآثار الإسرائيلية مؤخّراً عن اكتشاف قبر فينيقي استثنائي يضم عائلة بأسرها في موقع تل الزيب. يُعتبر هذا الموقع من أبرز مواقع الساحل الفلسطيني الفينيقي، وفيه تتواصل أعمال التنقيب منذ عشرينات القرن الماضي بلا انقطاع.  
تُذكر الزيب في التوراة باسم كورة أكزيب، وهي واحدة من المناطق التي تعود إلى سبط بني أشير، ثامن أبناء يعقوب، كما جاء في سفر يشوع (19: 29)، وقد سكنها الأشيريون "في وسط الكنعانيين، سكّان الأرض، لأنهم لم يطردوهم"، كما يؤكد سفر القضاة (1: 32)، ممّا يعني ان الوجود الكنعاني استمرّ في هذه الرقعة في زمن إسرائيل التوراتية، وهو ما تؤكّده الاكتشافات الأثرية المتلاحقة، وآخرها هذا القبر العائلي الفينيقي الذي يعود إلى 2800 سنة خلت.

في زمن الإمبراطورية الرومانية، عُرفت أكزيب اسم باسم إكديبا، كما أشار يوسيفوس فلافيوس، المؤرخ والعسكري اليهودي الذي عاش في القرن الأول للميلاد، وشهد الأحداث الذي عصفت بفلسطين عند ظهور المسيحية ودمار الهيكل الثاني الذي أقيم على أنقاض هيكل سليمان إثر الثورة اليهودية الأولى على السلطة الرومانية سنة 70. وقد اتبّع هذه المقاربة عميد التاريخ الكنسي يوسابيوس أسقف قيصرية فلسطين في القرن الرابع، وأكّدها بعد قرون طويلة هنري موندريل، الكاهن الأنغليكاني الأكاديمي الذي خرج من جامعة أكسفورد، وعمل مرشداً لـ"شركة المشرق" في سوريا، وجال في رحلة من حلب إلى القدس في نهاية القرن السابع عشر.

في الواقع، عرف العرب أكزيب باسم الزيب كما تشير كتب التراث، وقد ذكرها الإدريسي في "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" حيث قال: "ومدينة عكة كبيرة واسعة الأرجاء، كثيرة الضياع، ولها مرسى حسن مأمون، وناسها أخلاط، فمن طبرية إلى عكة يومان، ومن عكة إلى حصن الزيب اثنا عشر ميلاً، وهو حصن حسن على ضفة البحر الملح". كما ذكرها ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، وقال في تعريفه بها: "الزيبُ، بكسر أوله وسكون ثانيه وآخره باء موحدة. قرية كبيرة على ساحل بحر الشام قرب عكا"، "ينسب إليها القاضي أبو علي الحسن بن الهيثم بن علي التميمي الزيبي"، ويُعتبر هذا القاضي من فقهاء القرن الثاني الهجري. ظلّت الزيب عامرة في عهد الصليبيين الذين أقاموا فيها حصناً صغيراً أطلقوا عليه اسم "حصن إمبرت"، واستعادت هويتها العربية بعد رحيل الإفرنج عن المنطقة، وضمت "عيادة طبية ومدرسة ابتدائية للبنين افتتحت في العهد العثماني وأغلقت في الحرب العالمية الأولى ثم أعيد فتحها"، كما تقول "الموسوعة الفلسطينية". وكان سكانها 804 من العرب في عام 1922، وارتفع هذا العدد إلى 1.059 نسمة في عام 1931، وإلى 1.910 نسمة عام 1945 حيث احتلت المرتبة الرابعة في القضاء من حيث عدد سكانها، "وبلغت مساحة أراضيها 12.607 دونمات، لا يملك اليهود منها شيئا". في حزيران/يونيو 1948، احتل اليهود الزيب، وعمدوا على تدميرها وتشريد سكانها، ثمّ أسّسوا في جنوب شرقها كيبوتز "بيت هعرفاه" في مطلع عام 1949، وعُرف هذا الكيبوتز لاحقا باسم "غيشر هزيف"، وفيه استوطن مهاجرون قدموا من بريطانيا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا، وبلغ عدد هؤلاء 371 نسمة في عام 1970.

تقع الزيب على بعد 14 كيلومتراً شمالي عكا، وترتفع فوق أنقاض بلدة كنعانية خضعت للحكم الأشوري في عام 701 قبل الميلاد، في عهد سنحاريب، ابن سرجون الثاني، وملك الإمبراطورية الآشورية الحديثة. كانت الزيب احدى المدن الفينيقية التي تعود إلى لولي ملك صيدون قبل أن تقدّم ولاءها للملك الأشوري المنتصر، وقد حافظت على موقعها في العهود التالية، وهي محاطة اليوم بسلسلة من المواقع الأثرية تشهد لثراء هذه البقعة من الساحل الفلسطيني، منها خربة الشقف وخربة حمصين وخربة العمود وخربة المتوان وخربة عبدة وخربة بيت عبرا وخربة الشومرية. بدأت عمليات التنقيب في الزيب بشكل عشوائي منذ أكثر من قرن، وأثارت هذه الأعمال انتباه السلطة البريطانية في عهد الانتداب، فشرعت في إرسال بعثة علمية للعمل في الموقع، واستمر عمل هذه البعثة الأولى من 1941 إلى 1944، قبل نشوء الكيان الصهيوني. تواصلت أعمال التنقيب في العقود التالية حيث عملت تسع بعثات بين 1957 و 1986، وذلك بمشاركة المعهد الشرقي التابع لجامعة روما. بعدها عمدت بعثة تابعة لمعهد الآثار الخاص بالجامعة العبرية على التنقيب بين 1988 و 1990. استمرت هذه الجهود في السنوات التالية، وكشفت عن مواقع تعود إلى المرحلة الرومانية. وفي 2012 استلمت بعثة فرنسية إسرائيلية أعمال التنقيب في الزيب، وأعمال هذه البعثة لا تزال مستمرّة في زمننا.

تشبه الزيب في شكلها العام، المربع، ويحدّها غرباً البحر الأبيض المتوسط، فيما تحيط بها شمالاً وجنوباً وشرقاً المقابر الأثرية، وتكشف أعمال التنقيب المتواصلة عن مجموعة كبيرة من اللقي تشكّل مادة استثنائية لدراسة التقاليد الجنائزية الفينيقية المتبعة في الساحل الفلسطيني. من هذه القبور، خرجت مجموعة كبيرة من التماثيل الصغيرة، منها تماثيل أنثوية تمثل فتيات يعزفن على آلات موسقية، وتمثال فريد لامرأة تستحمّ، وتماثيل بهيمية تمثّل عدداً من الحيوانات الأليفة. ومن هذه المقابر أيضا، خرجت مجموعة من الأقنعة التي احتار أهل الاختصاص في تحديد وظيفتها، وهي من الأقنعة التي تتبع الأسلوب الفينيقي في السبك والقولبة.

أحدث الاكتشافات الخاصة بالزيب تتمثّل بقبر عائلي ويعود يبدو إلى 2800 سنة خلت، ويضم بقايا رجل وامرأة وطفل، إضافة إلى مجموعة من الأواني والحلي تشير إلى انتماء هذه الأسرة إلى طبقة الأثرياء الفينيقيين. ويشهد هذا القبر مرة أخرى على استمرارية الوجود الفينيقي في هذه البقعة من فلسطين، حيث "سكن الأشيريون في وسط الكنعانيين، سكان الأرض"، كما جاء في سفر القضاة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب

ذئبة روما بمواجهة كورونا الأربعاء 25/03/2020
طاعون أثينا الأربعاء 18/03/2020
حلب بين دولتين الأربعاء 04/03/2020
المزيد