آخر تحديث:19:30(بيروت)
الأربعاء 15/01/2020
share

أمكنة محمد سويد.. اللامرئي في الخندق الغميق

محمد حجيري | الأربعاء 15/01/2020
شارك المقال :
أمكنة محمد سويد.. اللامرئي في الخندق الغميق غرافيتي على جدران الخندق وهي لجورج رودريغيز جيرارد، أميركي من أصل كوبي
هذه السردية المكانية رواها السينمائي محمد سويد لـ"المدن"، وننشرها في حلقات، وهي تبين الجانب الذي لا نعرفه عن الخندق الغميق، الذي تحول خلال الأشهر الأخيرة، عنواناً لما هو متناقض مع تاريخه، وإن كان على علاقة بجزء من حاضره الجديد...
 
الذي أذكره وأعرفه أن والدي وأخوته وعائلته، هاجروا باكراً من الجنوب اللبناني في أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات... أنا لم أولد في الجنوب ولم أنشأ هناك، صودفت ولادتي مع هجرتهم وسكنهم في منطقة البسطة التحتا، والبيت الرملي القديم الذي سكنّا فيه بالقرب من مسجد البسطة التحتا، لا يزال في بالي، في بعض المرات أمرّ بالسرفيس في مكان، أراه، تنتعش ذاكرتي... في المقابل، الكثير من أقربائي، جدتي وخالتي وعمتي، سكنوا في منطقة الخندق الغميق. فكانت هناك علاقة طيبة أيضاً مع هذا المكان، الذي شكل بالنسبة اليّ ملعباً. عندما أتذكر مرحلة الطفولة واللعب، أتذكر الخندق الغميق... كانت فيه مجموعة من المراجيح على الطريق، وشجرة جميز قد تكون الأخيرة في بيروت، وكنت تجد فيه البيت الذي نراه الآن في المسلسلات الشامية، وهو عبارة عن المنزل والحوش والشجرة والبركة... وبقيت علاقتي بالخندق حتى عندما نقل والدي سكننا الى منطقة رأس النبع. جدتي وعمتي كانتا سبباً إضافياً لأبقى على تواصل مع الخندق الذي ميزته أنه بمداخل كثيرة، تستطيع منه أن تذهب الى وسط بيروت وساحة الشهداء، وتستطيع منه ان تذهب الى البسطة وأماكن أخرى.
المكان الذي سكناه في البسطة التحتا، كان المعادل البصري للضيعة، في بيتنا، وهو وسط مجموعة من البيوت ذات الطراز القديم من الحجر الرملي، حيث تجتمع العائلة... وإذا لم أخطئ، أول من جلب التلفزيون في الحي كان والدي، ربما في بداية الستينيات، وهو من نوع "فليبس"، وكل أقربائي كانوا يتابعون برامجه القليلة في بيتنا. على أن الهجرة المبكرة كان لها تأثيرها في علاقة الناس بالمدينة، حتّى الآن تجد الكثير من شيعة بيروت القدماء لهجتهم بيروتية، اكتسبوها من السكن هنا، خصوصاً في الخندق الغميق والبسطة.

الخندق في مشهديته القديمة التي عرفتها، كان نوعاً من ضيعة في طريقها الى الزوال. من علاماته، مطبعة جريدة "الحياة"، وفيه افتتحت جانين ربيز دار "الفن والأدب"، وقد ذكرها غسان تويني في كتابه "البرج" من ضمن الأماكن الثقافية لساحة الشهداء، وفي الواقع كانت في الخندق. لقد طردني غسان التويني ومنعني من الكتابة في ملحق "النهار"، لأني كتبت مقالاً نقدياً عن كتابه، ذكرت فيه أن مكان "دار الفن والأدب" في الخندق وليس في ساحة البرج. ولاحقا تدخل الصديق نواف سلام، وأعادني إلى العمل...

(تذكر خالدة سعيد في كتابها "يوتوبيا المدينة المثقفة"(دار الساقي) إن جانين ربيز اختارت مبنى قديماً من القرن التاسع عشر، على الطراز البيروتي المعروف. كان يتوسط بستاناً يشرف على المدينة القديمة، يقع في شارع عبد الباسط فاخوري بين حلتي الناصر والخندق، أعدت فيه قاعدة واسعة متعددة الاغراض، للمحاضرات والعروض والمعارض.. اندفع عدد كبير من المثقفين والفنانين للإسهام في المؤسسة. وكان اجتماع التأسيس بتاريخ 31 تموز/يوليو 1967، أما الافتتاح فكان في الخريف. وفي ذلك الاجتماع التأسيسي، انتُخبت جانين ربيز مديرة عامة للمؤسسة التي كانت حلم عمرها "دار الفن والادب". ولم يقتصر نشاطها على فنون الشعر الموسيقى والمسرح والتصوير، بل خططت لتكون الدار منبراً للقضايا الكبرى والمعضلات الوطنية).

أيضاً أتذكر أن بعض عروض نادي بيروت السينمائي، حصلت في الخندق في "دار الفن والأدب"، وهو نوعاً ما كان نادياً للنخبة، إلى جانب الحركات الاجتماعية المميزة الأخرى، تبدأ بالكنيسة المهمة ولا تنتهي بالأرمن ونشاطاتهم، ومنهم تعرّفتُ على أنواع أكلهم. ابن عمتي كان يشتغل مع احدى الجمعيات الأرمنية قبل الحرب، وتعلّم منها فن الطبخ، طبعاً الديموغرافيا حصلت وتغير الكثير من المعالم... والذي عرفته لاحقاً أيضاً، أن أحمد الجاك، متعهد حفلات الفنانة أمّ كلثوم في لبنان، ومدير سينما كايرو في ساحة البرج التي أصبح اسمها سينما الزهراء في السبعينيات. كان الجاك يسكن في الخندق، وعندما ولد ابنه حسن أقاموا له حفلة ختان حضرتها أم كلثوم، وغنت له في البيت. هذه الحكاية رواها لي حسن الجاك.


لهذه الأسباب الآن، حين تخرج قصص في الإعلام عن الخندق الغميق، أشعر بالزعل. كُتبت مقالات كثيرة، ونُشرت كتب كثيرة عن بيروت ودورها، والكل يتجنبون هذا المكان، يغضون النظر عنه ويقصدون تهميشه. ولهذا السبب أيضاً عندما أقدّم نقداً للسينما اللبنانية، انتقدها قائلاً إنها يجب تنضم إلى وزارة السياحة، رأت بيروت من وجهها البحري، وتجاهلت أحياءها الداخلية وأحشاءها...

في السياسة، في زمان نزولي الى الخندق، كانت زعامة الحي للنائب رشيد بيضون، ولاحقاً لمحمد يوسف بيضون. كان لرشيد بيضون جمهوره، وأجد أنها فترة كانت مهمة جداً، أهم من الفترات التي تبعتها، مثل حركة موسى الصدر، لأن بيضون كان يركز على التعليم، وفي الحرب كانت الخريطة السياسية للحي موزعة بين حركة "فتح" و"البعث العراقي" وبعض الشيوعيين، ولاحقاً أتت "حركة أمل". واللحظة التي شعرت فيها أن الأمور بدأت تتغير، كانت قبل الاجتياح الاسرائيلي العام 1982... كنت في عزاء لأحد الأشخاص، وأتى النائب محمد بيضون ليعزّي، فحصل معه ما يشبه طرد إيلي الفرزلي من الجميزة. حينها، أدركت أنّ الأمور تغيرت...

(يتبع)

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"