آخر تحديث:11:25(بيروت)
الأحد 12/01/2020
share

سميرة بيراوي لـ"المدن":الحرية انبثقت من أصابع أطفال تقطر دماً

تهامة الجندي | الأحد 12/01/2020
شارك المقال :
  • سميرة بيراوي لـ"المدن":الحرية انبثقت من أصابع أطفال تقطر دماً
    درعاويون
  • زيتون
    زيتون
  • سميرة بيراوي
    سميرة بيراوي
 
بينما يستقبل العالم السنة الجديدة بأجمل ما لديه من أمنيات، لا تكف طائرات الأسد وبوتين عن إلقاء نيرانها على المدنيين في إدلب. وتحضرني العبارة التي كتبتها ابنة المدينة الخضراء سميرة بيراوي على صفحتها في فيسبوك: "بريشتي وألواني زينت شجرة الميلاد لعام 2020، وغطاء رأس الأم السورية نجمة تزين أعلى شجرتي". العبارة التي أرفقتها برسم لشجرة زيتون وحيدة في العراء، تتدلى من أغصانها العارية أثمال النازحين، ويعلوها منديل أبيض. 
 تواصلت مع سميرة لأعرف المزيد عنها، وأخبرتني أنها وُلدت وعاشت طفولتها وشبابها في مدينة إدلب. درست أصول الرسم في المعهد المتوسط للفنون، وتزوجت من أستاذها في المعهد الفنان والكاتب والمترجم عبد القادر عبداللي، وعملت مدرّسة لمادة الفنون الجميلة. شاركت في العديد من المعارض الجماعية التي تقيمها نقابة المعلّمين، ونالت جائزة تقديرية على إحدى مشاركاتها، قبل أن تقرر العزوف عن الرسم أواخر التسعينات، ثم تنتقل مع أسرتها من مدينة الزيتون إلى دمشق مطلع القرن الحادي والعشرين.

الألم لفقد شريك حياتها عبد القادر عام 2017، وهي في بلد اللجوء بتركيا، والحزن لما تتعرض له مدينتها، أعاداها إلى ريشتها وألوانها بعد انقطاع طويل، لترسم ذاكرة المدينة القديمة ومعاناة أهلها تحت القصف، وحتى أواسط عام 2019 استطاعت أن تنجز حوالي أربع وعشرين لوحة زيتية، وفي بلدية أنطاكية افتتحت معرضها الفردي الأول بعنوان "باقون ما بقي الزيتون".

قالت سميرة: "كان علي ان أتخطى الحزن، وأتجاوز الظرف الصعب الذي فُرض علينا، أمام نفسي وأمام أولادي، كي يستمدوا مني القوة، ويتابعون حياتهم بنجاح، وفاء لأبيهم"، ثم أجهشت بالبكاء... جففت دموعها، وتابعت: "حين ارتبطت بعبد القادر، وعشنا تحت سقف واحد أواخر الثمانينات، كان يرى أنني موهوبة، ويشجعني على رسم تفاصيل المدينة، وبعدسته صوّر لي الحارات القديمة والمهن اليدوية والأسواق الشعبية، وبعد رحيله قررت أن أمسك الريشة من جديد، وأرسم الصور التي التقطها بنفسه لمدينة إدلب".

سألتها أن تحدثني عن مدينتها، قالت: "إدلب مدينة الزيتون والزيت، أهلها متكاتفون ويحبون الضيف، والحياة فيها بسيطة جدًا. كانت مدينة مغضوب عليها من قبل النظام، منسية ومهمشة، وما إن انطلقت شرارة الثورة في درعا وحمص، حتى انضمت إلى الحراك الثوري، وكان للمثقفين دور بارز في المظاهرات".

وأضافت: "خلال العام الأول للثورة، وفي كل خميس عند انتهاء الدوام بدمشق، كنا نستقل سيارتي، ونتجه إلى إدلب، كي نشارك في المظاهرات، كان زوجي وأولادي يتظاهرون، وكنت ادور بسيارتي قريبًا منهم، كي يختبئوا فيها، حينما تداهم قوات النظام المتظاهرين، وحين ساءت الظروف كثيرًا في منطقة سكننا بقدسيا، بسبب القصف والحواجز الأمنية، وبات ابني وابنتي مطلوبين للأمن، قررنا أن نغادر إلى بيروت، سافر زوجي واثنين من أولادنا أولًا، ولحقت به مع بقية أولادي في اليوم التالي، لأنه كان ممنوعًا سفر جميع أفراد الأسرة معًا، ثم استقر بنا المطاف في تركيا".
وأنا أتأمل لوحات سميرة بيراوي على صفحتها في فيسبوك، لفتتني "حارة المسيحيين"، و"ساعة إدلب" التي أرفقتها بعبارة: "نهاية 2011 وبداية 2012 تزينت ساحة الساعة بمدينة إدلب بالناس، وزينوا الساعة بالصليب والهلال"، واستوقفتني لوحة "كنيسة السيدة العذراء" للروم الأرثوذوكس. الكنيسة التي بُنيت عام 1886، وكانت تخدّم حوالي ألف عائلة مسيحية، وذاع صيتها في وسائل الإعلام والتواصل لدى اختفاء راعيها الخوري إبراهيم فرح، المناصر للثورة، بعد دخول "جيش الفتح" إلى مدينة إدلب أوائل عام 2015، وظهور الخوري سالمًا بعد حين في شريط مصور، ثم انتقاله إلى تركيا، كما انتشرت أخبار الكنيسة لدى استهدافها بالطيران الروسي أواسط 2016، وإحداث أضرار بشرية ومادية كبيرة فيها.
سألتُ سميرة أن تحدثني عن ذكرياتها مع مسيحيّ إدلب، قالت: "كنت أعيش على بعد خمسمئة متر من حارة المسيحيين والكنيسة، وكنت أعبر الحارة يوميًا، وأمر من أمام الكنيسة، وأنا في طريقي إلى مدرستي، وكانت تربطني علاقة طيبة بالكثير من زميلات الدراسة المسيحيات، وفي مدرسة الكنيسة اجتاز أولادي الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية، وكان يدرس معهم العديد من التلامذة المسلمين. كان الخوري إبراهيم فرح صديق العائلة، وكانت لنا معه جلسات ومشاوير ممتعة، كان رجل دين ودود ومنفتح، يدعو أهالي الطلاب غير المسيحيين إلى احتفالات الكنيسة وإلى رحلات جماعية ينظمها، وكان من المألوف رؤية المسلمات المحجبات داخل الكنيسة".

تعيد سميرة تشكيل المكان بالكثير من الواقعية والحب، ومع رسومها نطل على ذاكرة مدينة، ربما لم يبقَ منها سوى اليسير، نتعرف إلى طرز العمارة في أحياء إدلب القديمة، ونتحسس ملمس الحجر النافر في البناء. نعبر تحت السباط، وهو قنطرة بنوافذ تطل على الزقاق الفاصل بين جانبيّ البيوت المتلاصقة. نتجول في الساحة والسوق، ونشاهد عربات الباعة المليئة بالخضار، وأصحاب المهن التقليدية، ونلقي نظرة على طقس الطهور.

تروي سميرة قصص لوحاتها، وتقول: "رسمتُ الساحة والسوق الشعبي، وحاولت أن أبرز لباس المرأة المسلمة في الأماكن العامة، كانت ترتدي سترة إلى ما تحت ركبتيها، وتضع منديلًا أبيض على رأسها. رسمتُ بيت أهل زوجي عبد القادر، البيت الذي أعشقه وأعشق حياتي داخله، وأعرف كل حجر فيه. رسمت نجار العود، كان محله موجودًا في حارة النجارين، وكنا نمر بجواره، توفي الرجل قبل حوالي خمسة عشر عامًا، والحارة تهدمت بالقصف. رسمتُ لوحة مبيض الأواني عن صورة منشورة على النت، وأرسلت الرسم إلى أختي لأستشرف رأيها، وهي أكدت لي أن الرجل موجود في "كفر تخاريم"، يعاني من الشيخوخة والمرض، ويعاني دكانه من الإهمال، طلبتُ منها أن ترسل له اللوحة ليشعر أن ثمة من يهتم به وبمهنته، ووصلني أنه حين رأى اللوحة أبدى سروره بها، لكنه للأسف توفي بعد ذلك بزمن قصير". 
حين تنتقل سميرة إلى محاكاة اللحظة الراهنة، تختفي السكينة من فضاء اللوحة، وتحل ألوان المحرقة ورائحة البارود والدم، ويمتزج الواقع بإيحاءات رمزية، تتوخى إيصال رسالة ما. حدثتني أنها رسمتْ لوحة "درعاويون" لتقول كيف انبثقت الحرية من أصابع أطفال تقطر دمًا.
وأنها استوحت لوحة "الموت المبكر"، من صور قيصر، وكتبت على جبين الطفل القتيل رقم 35، للإشارة أن مجزرة حماه لا تزال مستمرة منذ عام 1982. وأنها رسمت الحرائق تلتهم محاصيل القمح في الجزيرة، لتوضيح كيف يحارب نظام الأسد الناس في رزقهم وخبزهم.

قالت: "بدأت برسم لافتة بيضاء، وأردت أن أكتب عليها إحدى عبارات السلام التي اشتهرت بها "كفرنبل"، لكني قبل أن أكمل فوجئت بمقتل رائد فارس وعماد جنيد، فرسمت طلقة تخترق اللافتة من الخلف، وسميت اللوحة (اغتيال)". وأخبرتني أنها طلبت من بعض الأصدقاء أن يجلب لها حفنة من تراب "كفرنبل"، ومزجته بلون الأرض في لوحة "اغتيال" و"باقون ما بقي الزيتون"، و"ساعة إدلب".

ويحتشد فضاء سميرة التشكيلي بكل أطياف القمع والعنف التي تطارد السوريين الحالمين بالحرية، وهي تقول: "استيقظ صباحًا، وأتابع الأخبار والمنشورات على الفيسبوك، لاسيما صفحات أخواتي اللاتي لا يزلّن في مدينة إدلب، أرى المآسي التي تحدث، وأتساءل، هل يعقل ان العالم لا يرى؟ وأقول لنفسي، علينا نحن السوريين ان لا نتوقف عن ايصال الحقيقة". 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها