آخر تحديث:09:06(بيروت)
الأربعاء 01/01/2020
share

فنون العام 2019: سيادة الراب والمهرجانات

أحمد ناجي | الأربعاء 01/01/2020
شارك المقال :
فنون العام 2019: سيادة الراب والمهرجانات محمد رمضان
يخبرنا عدّاد المشاهدات على يوتيوب، أن اغاني محمد رمضان تحتل المركز الأول هذا العام، كأكثر الأغاني مشاهدة واستماعاً. بينما في برامج الاستماع للأغاني، تحتل أغاني المهرجانات والموجة الجديدة من الراب المصري، المراكز الأولى، ووسطهم عمرو دياب، وأحياناً أغاني متناثرة لفنانين من العالم الموسيقي نفسه الذي أتى منه عمرو دياب، الذي يتعرض للتهميش والهجران من المستمعين الجدد.

عرفت حركة تطور الموسيقى المصرية، الموجات العاصفة التي تهدم القديم وتنحيه عن صدارة المشهد، لتغير شكل الموسيقى والغناء والترفيه والرقص والأفراح. حدث هذا في السبعينات مع ظهور أحمد عدوية الذي وضع الأغنية الشعبية في صدارة المشهد وهز عرش عبد الحليم حافظ، وبعد وفاة حليم انفرد بصدارة المشهد. ثم أتت موجة ما عرف وقتها بالأغنية الشبابية الجديدة مع جيل حميد الشاعري، ومحمد منير وعمرو دياب، الذين شكلت أعمالهم المشهد الموسيقي والفني المصري في الربع قرن الأخير.

والآن في 2019 يهتز عرش الموسيقى الشبابية، ليبزغ نجم الراب المصري ومعه موسيقى المهرجان لتسيطر على السوق. فأغاني المهرجانات والراب ليست فقط الأكثر استماعاً في الانترنت، بل بدأت في السيطرة على سوق الأفراح والحفلات. فنان مثل رامي صبري صاحب الصوت المستنسخ من عمرو دياب أن يصرخ على الفيسبوك، ويشكو من تدني الذوق العام قائلاً: "هي الناس مبقتش بتسمع كويس ليه. هو الجمهور اتغير لدرجه ان شغل المهرجانات بقي بتسمع أكتر من الأغاني، هو إيه اللي حصل!؟"


لكن الوصول إلى القمة، وإن تحقق في 2019، إلا أن بداية الصعود كانت منذ أكثر من عشر سنوات، حينما بدأت موسيقى المهرجانات كموسيقى راقصة في الأفراح الشعبية. وبعد ثورة يناير أصبحت موسيقى المهرجانات جزءاً أساسيا في المشهد الموسيقي، لكنها ظلّت محاصرة في طبقة معينة وأماكن معينة. لم يكن مسموحاً مثلاً لمغني المهرجانات بالغناء في فنادق الخمس نجوم أو في قاعات الأفراح التابعة لنوادي الشرطة والجيش.

كان يمكن لموسيقى المهرجانات أن تظل في هذا الحيز، موسيقى الطبقات الفقيرة والهامشية أو تحل محل الموسيقى الشعبية التي يقدمها شعبان عبد الرحيم، لكن شخصاً واحداً رأى ان هناك طريقة للخروج من هذا الحصار وهو نجم المهرجانات "السادات". في 2012 حين قابلت السادات للمرة الأولى خضنا نقاشاً طويلا حول ما إذا كان يمكن اعتبار المهرجان نوعاً من أغاني الراب. قال لي السادات إن هناك علاقة بالتأكيد وهو شخصياً متأثر بموسيقي الراب الأميركية والعربية. أتذكر وقتها أخبرني أن "أم.سي أمين" في رأيه من أفضل المغنيين وأكثرهم تأثيراً عليه. بعدها بسنوات تعاون السادات وعلاء فيفتي وعمرو حاحا مع "أم.سي أمين" وأصدروا أكثر من أغنية مزيج بين الراب والمهرجانات في ما أطلق عليه وقتها "الراببجية".


خلال السنوات الأخيرة كان هناك أكثر من تعاون بين موسيقى الراب وعالم المهرجانات، بعضها كان أغاني ناجحة لكن لم تخرج خارج دائرة الراب والمهرجانات، كما أن الجمهور المخلص من كلا الجانبيين انتقد مثل هذه التجارب، فجمهور الراب رأى فيها انحرافاً عن المسار الحق للراب.


شيء مفقود في هذه التجارب ظل غائباً، وهو الموسيقى التي تحمل الكلمات والأًصوات وظلت أقل من طموح مغني الراب والمهرجان الذي حلموا بولادة هذا النموذج الجديد. فدائماً كان هناك قدر من الركاكة في الإنتاج الموسيقي والتسجيل ونسخ الجمل الموسيقية والايقاع من أغانٍ أخرى أميركية.

سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، يدين مغنو الموجة الجديدة من الراب والمهرجانات في مصر لمحمد رمضان بالكثير. استغل رمضان النجاح السينمائي لأفلامه ليقدم نفسه كمغني مهرجانات في البداية ثم مغني الراب بعد ذلك. نجاح أفلام محمد رمضان تجارياً أدى لنجاح أغانيه، وبالتالي تشجع المنتجون على ضخ المال في موسيقى المهرجانات. ثم تعاقد محمد رمضان مع روتانا، وهكذا رأينا لأول مرة شركة إنتاج كبرى عربية تستثمر في موسيقى الراب والمهرجانات.

فتح رمضان الباب لموسيقيين جدد من عالم المهرجانات والراب للعمل معه، كما شجعت مبادرة روتانا دخول شركات آخرى إلى السوق والاستثمار فيه للارتفاع في مستوى المنتج، ترافق هذا مع ظهور جيل جديد من مغني الراب، أعمارهم لا تتجاوز الـ 25 عاماً.

في بداية عام 2019 غنى مروان بابلو قائلاً "السنة دى هاخدها ليا" وفي نهاية العام أصبحت أغانيه تتجاوز حاجز المليون خلال ساعات، والجمهور في حفلاته بالآلاف. يخبرنا اليوتيوب أن قائمة أعلى الأغاني استماعاً في مصر خلال 2019 تضم أعمال لويجز، مروان بابلو، باتيستو، أبو الأنوار، وطبعا قائد الكتيبة أبويوسف. غالبيتهم مسيرتهم الابداعية لا تتجاوز الثلاث سنوات لكنهم الوجوه الأبرز لموجة الراب الجديدة. ويدينون بالفضل في تمدد هذه الموجة لظهور جيل من المنتجين الموسيقين الجدد أبرزهم "مولوتوف" و"دي.جي تيتو" الذين عملوا على خلق هذه النغمة والايقاع الموسيقي الجديد الذي خلّص موسيقي المهرجانات من الركاكة والضوضاء، وخلّص موسيقى الراب المصري من الصور المستنسخة الأوروبية.

طبعا كل هذا لم يكن ليحدث من دون ردود أفعال مختلفة، فالنجاحات التجارية والفنية المستمرة لفناني الراب والمهرجانات هزت عروش الآخرين وجعلتهم يتحركون بعنف ضدهم. فنقابة الموسيقين بقيادة أمير الأحزان هاني شاكر تخوض حرباً معلنة ضد مغني الراب والمهرجانات وترفض منحهم تصاريح الغناء أو الاعتراف بهم، حتى أن نجم المهرجانات حمو بيكا أمام هذه التعنت وفشل كل محاولاته للحصول على تصريح بالغناء، أصبح يعتمد على السفر إلى الأردن والدول العربية لاحياء الحفلات الموسيقية هناك.

يتفادى مغنو الراب أيضاً المسارات التى خاضتها أجيال الراب السابقة. فالراب المصري كان جزءاً من المشهد الموسيقي البديل، وأغاني الراب المصري دائماً ما كانت ذات محتوى سياسي واجتماعي نقدي. لكن أغاني الجيل الجديد تبتعد بخوف ورعب عن المضامين السياسية والاجتماعية، بل وحتى حينما صور بابلو أغنيته الأخيرة "Free" حيث يظهر فيها مشهد لمقابر جنود الحرب العالمية الثانية، وضع تنويها في نهاية الأغنية، أنه لا يقصد أي معنى سياسي أو ديني. بالتالي فموضوعات الأغاني تدور في فلك المخدرات، الفلوس، واستعراض الذوات المتضخمة. كما تطغى الثقافة الذكورية بشكل عفن على أغاني المهرجانات والراب. وفي المجمل، فأبرز مشكلة تواجه هذه الموجة الجديدة هي غياب الأصوات النسائية بل والمساهمات النسائية بكافة أشكالها، فجميع العاملين في المهرجانات ومشهد الراب من الذكور، بل وتحديداً شباب صغير يستكشف ذكورته، كما يغيب الجانب العاطفي عن معظم هذه الأعمال الموسيقية والغنائية. لكن لعل النجاحات التي حققها الراب والمهرجانات في 2019 تدفع منتجين إلى الاستثمار والبحث عن وجوه نسائية ومحاولة توسيع دائرة مواضيع تلك الأغاني.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها