آخر تحديث:08:53(بيروت)
الأحد 08/09/2019
share

المكتبة العربية الاكبر في كندا:حيّزٌ للحنين..والعروبة

مصطفى عاصي | الأحد 08/09/2019
شارك المقال :
المكتبة العربية الاكبر في كندا:حيّزٌ للحنين..والعروبة حسن عزالدين
 
57 عامًا من الهجرة في كندا علَّمته الكثير، وأبرز ما في هذا الكثير الصمت والتأمل واعتزال الضجيج. عند مدخل الزاوية التي اتَّخذها مكتبًا له كمترجمٍ مُعتمدٍ من الحكومة الكندية، رفع عبارة صريحة تُخبر بهوية المكان، نحن في حضرة الكتاب "هذا المكان الذي يبدأ الناس من خلاله بخفض مستوى أصواتهم ورفع مستوى عقولهم".

ابن بلدة حاصبيا لم يكن وحيد عائلته التي عبرت المحيط الأطلسي نحو كندا، قبله فعل الأبُّ عام 1900 ميلادية هربًا من الاضطهاد العثماني، فكان من بين أوائل المهاجرين اللبنانيين إلى تلك البلاد كما يذكر حسن عز الدين صاحب مكتبة "الشرق الاوسط" العربية في حي "سان لوران" في مدينة مونتريال الكندية. الرجل الذي هاجر بعد أن أنهى البكالوريا في ثانوية مرجعيون ثم درس الاقتصاد والسياسة في كندا، يبدو كما لو كان يعيش في زمانٍ خاص به، ليس لأنَّه ما زال يُعرَّف عن نفسه بعد قرابة ستة عقود من رتابة وأناقة الحياة الكندية التي خبرها أنه ما زال عروبي الهوى، بلَّ لأنَّه ما زال متمسكًا منذ ثلاثة عقود بمكتبته العربية الأكبر في كندا والشمال الاميركي في زمن تتساقط فيه المكتبات في أوطانها العربية الواحدة تلو الاخرى.
  
في الشهر الأخير من عام 1990 قرر حسن عز الدين وصديقه معن زيادة افتتاح المكتبة، الأول كان خبيرًا في الإدارة والمال بحكم دراسته الجامعية وعمله لسنوات في قطاع المصارف، فيما الثاني كان مولعًا بالكتب بحكم مركزه رئيسًا لقسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية. عملا معًا خمس سنوات ثمَّ فرَّقهما موت زيادة. الاثنان كانا عروبيين، وهدفهما إبراز الوجه الحضاري للبنان والدول العربية في كندا، وإبقاء حبل السُرَّة موصولًا بين المهاجرين العرب وبين أوطانهم عبر الكتاب واللغة العربية. هنا، يستشهد حسن عز الدين في حديثه مع "المدن" بما ورد في كتاب أمين معلوف "الهويات القاتلة" حين يعبِّر عن حنينه إلى بلده الأول لبنان وهو في باريس، ثم يشتاق إلى بلده الثاني فرنسا عندما يكون في لبنان. وهذه هي قصة كل مهاجرٍ وقصة حسن عز الدين.

انتقى المؤسِّسان لمكتبتهما اسم "الشرق الاوسط" لإعطائها طابعًا وهوية عربية. ست مكتباتٍ عربية قبلها ومعها فتحت أبوابها بفتراتٍ متباعدة لكن سرعان ما أعلنت استسلامها. عن السبب يقول عز الدين "تلك المكتبات كانت بألوان أصحابها المذهبية والسياسية، لا بلون الوطن العربي كما حال مكتبتنا، لقد حاولوا تحديد خيارات القرَّاء بفرض عناوين كتب محدَّدة وضيقة عليهم. الحال مختلف عندنا، كل قارئ لأية جنسية عربية ولأيِّ لونٍ ديني وسياسي انتمى سيجد ضالته وما يهمه على رفوف مكتبتنا".

آخر إصدارات دور النشر ترد من بيروت والقاهرة، عناوين في التاريخ والشعر والحقوق والطب والهندسة، والأدب، والرواية، إلى علم النفس والاجتماع والسياسة وكتب الطبخ والأبراج والسِير الذاتية والفلسفة والتصوف والشريعة والتفسير وصولًا إلى اللغات وأدب الأطفال والمعاجم. كل شهرٍ أو شهرين تفد من بيروت مجموعة كتبٍ بناء على توصيات القرَّاء، وكل عامٍ يسافر عز الدين إلى بيروت والقاهرة لحضور معارض الكتب وتتبُّع الإصدارات الحديثة وشرائها، وغالبًا ما تكون محدَّدة سلفًا وفقًا لأهواء واهتمامات القرَّاء العرب في كندا.
تتنوَّع الاهتمامات تلك، بين من يلاحقون كتب السياسة التي تتحدث عن لهيب الصراعات والحروب في الدول العربية، وهؤلاء بالغالب رجال عبروا الخمسين من العمر، وبين نساء يعلّقنَ مصيرهنَّ بكتب الأبراج والفلك، وبين مهاجرين جدد ساعين وراء كتب تعلّم اللغة وقواميس الجيب. لكن ليس من بين هؤلاء من يكترث بكتب الطبخ على عكس عالمنا العربي.  
المرتاحون نفسيًا ومالكو الوقت والمال هم القرَّاء بالعادة. نسبة من يتمتعون بتلك المزايا من الجاليات العربية ليست قليلة. يقال إنَّ 18% من سكان مونتريال يتكلمون العربية، في كل أحياء المدينة مكتبات عامة تابعة للبلديات تحرص على تأمين الكتب بلغات الجاليات القاطنة فيها، وبما أن الجالية العربية في "سان لوران" وازنة بحضورها العربي، فإنَّ كل الكتب العربية يتمُّ شراؤها من مكتبة "الشرق الاوسط".

إنَّها المكتبة الأكبر في مونتريال وكندا وأميركا الشمالية كما يزعم صاحبها. إنها ليست مجرد متجر كتب، بل محطة ثقافية يتوقف عندها كل زوار المدينة من المثقفين والكتاب العرب مثل أدونيس، أمين معلوف، سليم الحص سليمان العيسى وغيرهم. كما أن طابقها العلوي الذي تتصدره خريطة للعالم العربي تحوَّل إلى مركز ثقافي يستضيف الكثير من النشاطات الأدبية والفكرية: أمسيات شعريَّة وموسيقية، ندوات، محاضرات ولقاءات جمعت غالبية الأسماء التي مرت على مونتريال.

ما النشاطات المقبلة للمكتبة؟ الموعد سيكون في الشهر الأخير من العام مع معرض الكتاب السنوي في مونتريال حيث جناح مكتبة الشرق الأوسط سيكون الوحيد بلغة الضاد. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها