آخر تحديث:14:02(بيروت)
الأحد 08/09/2019
share

الجنرال والعثمنلي

عبدالرحيم أبوحسين | الأحد 08/09/2019
شارك المقال :
الجنرال والعثمنلي منمنمة عثمانية
كثر الأخذ والرد في الأسبوع المنصرم حول موضوع الدولة العثمانيّة وفترة الحكم العثمانيّ للبنان. وكان ذلك إثر خطاب ألقاه الرئيس ميشال عون في الذكرى المئويّة الأولى لإعلان قيام لبنان الكبير. لا شك أن هذه الذكرى عزيزة على قلوبنا جميعًا كلبنانيين رغم كل ما أحاط بهذا الإعلان، شكلًا ومضمونًا، من ظروف، منها على سبيل المثال لا الحصر أن من أعلن هذا اللبنان هو  الجنرال غورو الغني عن التعريف. 


لقد أثارت كلمة فخامته ردودًا مختلفة فمنها ما اعترض على وصفه الحكم العثماني بالاحتلال وإشارته إلى "إرهاب الدولة الذي مارسه العثمانيون على اللبنانيين". كما وقد ولاقت هذه الكلمة الكثير من التأييد كذلك. لست هنا في معرض مناقشة الرئيس في آرائه، حاشا ثم حاشا (وهو تعبير يشترك فيه العرب والترك)، فهو كأيّ لبنانيّ، بل وأيّ من كان، له كامل الحق في النظر إلى الدولة العثمانيّة أو غيرها كما يريد انطلاقًا من قراءته للتاريخ. ولكن ما أودّ أن أسجل عليه اعتراضي هنا هو تصريح وزير الدفاع الياس بو صعب بعد اجتماعه بمفتي الجمهوريّة عبد اللطيف دريان حيث يقول: "كان هناك احتلال كما نسميه نحن في لبنان... نحن وعدد كبير من الدّول العربيّة عندنا الموقف نفسه من الاحتلال العثمانيّ للدول العربيّة... إنما الذي قاله رئيس الجمهوريّة هو وقائع وتاريخ ولا يستطيع أحد التّنصّل منه".

أوّلًا: أن يكون هذا الموقف مشتركًا مع عدد آخر من الدّول العربيّة ليس دليلًا قاطعًا أو حتى واهنًا على صحته التاريخيّة. ولنا في تغيير مناهج التّاريخ الدّراسيّة في مصر وسوريا في السّنوات الأخيرة تبعًا للعلاقات السياسيّة المترديّة مع تركيا خير دليل وأسطع برهان على "ثبات" الروايّة التاريخيّة في مواجهة المواقف السياسيّة "المتغيّرة".

ثانيًا: إنّ الجزم بأنّ ما قاله فخامة الرئيس "هو وقائع وتاريخ ولا يستطيع أحد التّنصّل منه" قول لا يستقيم مع "الوقائع" ولا يقبله المنطق السليم. فلا بد أنّ معالي الوزير يعلم يقينًا أنّ "التاريخ" كان أحد المواضيع الخلافيّة في مؤتمر الطائف. وقد اتّفق حينذاك على تشكيل لجنة سياسيّة/أكاديميّة للنّظر في المنهاج الرسميّ لمادّة التّاريخ في المدارس اللبنانيّة ووضع تاريخ يقترب من الحقيقة ويتّفق الجميع عليه. كما أنّه لا شك عندي أنّ الياس أبو صعب، كوزير سابق للتربية، على علم بأن مثل هذه اللّجنة قد شكّلت وعقدت العديد من الاجتماعات برئاسة معالي وزير التّربية والتّعليم حينذاك حسن منيمنة. وكلنا نعلم ما آلت إليه جهود تلك اللجنة. الخلاصة أنّ اللبنانيين جمهورًا وقادة ومؤرخين غير متفقين على رأيٍ واحدٍ في ما خصّ الحقب التاريخيّة المختلفة ومنها الفترة العثمانيّة.

نأتي هنا إلى هذه الفترة - ولست هنا في معرض الدّفاع عن هذه الدّولة ولكنّني كأحد المهتمّين بالتاريخ والمطّلعين بتواضعٍ على مصادر تاريخ لبنان المختلفة في الفترة العثمانيّة، أجد من الواجب أخلاقيًا إيراد بعض الاقتباسات دون كثير من التدخل وذلك لتبيان نظرة من كان في موقع القيادة الدينية في جبل لبنان لفترة طويلة وأعني هنا البطريرك أسطفان الدويهي الذي تربع على السدة البطريركية للموارنة من 1670 الى 1704. ففي ظني أن شهادة البطريرك الذي عاش غالب عمره تحت الحكم العثماني ونقل عمّن سبقوه ممن عايشوا العثمانيين والذي يعتبر "هيرودتس" تاريخ لبنان أكثر قربا من الحقيقة من أي شهادة أخرى من القرن الحادي والعشرين. الاقتباسات الوارده تأتي جميعها من كتاب الدويهي المشهور "تاريخ الأزمنة" يقول الدويهي في باب أحداث سنة 1516: "والسّلطان سليم لكثرة حلمه أمر في عمار البلدان، ورتّب على بلاد كسروان مال جزي، سبعماية سلطانيّ، وكان مقدار السّلطانيّ ثلاثين للقرش الأسديّ، وولى عليه الأمير عساف وكتب له خطّ شريف. وعندما عمر البلاد، قدمت النّاس من كلّ جانب. فقدموا المتاولة من بلاد بعلبك، وأخذوا خاطر المير، وسكنوا في فاريا وحراجل وبقعاتا. وكذلك سنيّة البقاع أخذوا السكنة في فيطرون وفقيع (القليعات) وعرمون والجديدة وساحل علما وفتقا. وكذلك الدروز جاؤوا من المتن والجرد وسكنوا في برمانا ومزارع كسروان. وكذلك النّصارى (جاؤوا) من بلاد طرابلس فسكنوا أهالي المجدل في عرامون. وأهالي يانوح في كفور الفتوح. والشيخ حبيش بن موسى بن عبد الله بن مخايل من يانوح في اغزير، وبيت كميد وكذلك الشدياق سركيس بن الخازن في سنة أنمة (أي 1545 مسيحيّة) خرج من جاج وجاء إلى بلونة، وبيت الجميل إلى ...".

ويقول أيضا: "وحضروا إلى عنده (السّلطان سليم) أمراء البلدان، فولّى الأمير قرقماز ابن الأمير يونس ابن معن بلاد الشوف. والأمير جمال الدين اليمني بلاد الغرب. والأمير عساف كسروان بلاد جبيل وغيرهم. وأمّا أمراء الغرب التّنوخيّة فما تجاسروا على مواجهة السّلطان لأنّهم كانوا من حزب الشراكسة. فأحسنوا السياسة لقومهم وعمرت بلدانهم. والأمير عساف كان مقامه في كسروان عند عين شقيق، ويقول أيضا في أحداث سنة 1550" في سنة أنن (أي 1550 الموافقة لسنة 957 هج) عندما قضى أجله مطران إهدن قورياقوس انتدب عوضه الرّاهب أنطون الحصرونيّ ابن الحاج فرحات. فهذا تربّى عند أخواله بدير مار يعقوب الحباش (الأحباش) وتأدّب جيدًا في اللغة السريانيّة والعربيّة والتّركيّة، وكان شجيعًا بأقواله، وغير متوانيًا بأفعاله. وعندما قدم السّلطان سليمان إلى مدينة حلب حضر عليه (اي المطران الحصروني) مع جملة المشتكيّة الذين ساروا من مدينة طرابلوس. فأنعم عليهم بخمس مراسيم سلطانيّة، ومن جملتها أنّ غلال الزّيتون ينقسم تحت أمّه على البساط، وأن لا أحد يعارض النّصارى في دينهم ولا في زواجهم وأن ترمم الكنايس. وتسجّلت هذه الأمور في طرابلوس (اي محكمة طرابلس الشرعية) في زمان حسن بيك. 


أكتفي بهذ القدر لضيق المجال ولكن الدويهي وغيره من المؤرخين يوردون العديد من الأعمال المشابهة لما ورد أعلاه وكما أشرت سابقا ليس القصد من هذه العجالة تبييض صفحة الدولة العثمانية التي لم تكن بالتأكيد أما حنونا والتي قمعت وبشدة كل مظاهر التمرد وخاصة حمل السلاح خارج اطار الدولة والتهرب الضريبي- وهما آفتان ما زال لبنان يعاني منهما الى يومنا هذا ونحن على أعتاب الذكرى المئوية-   كما حصل في القرنين السادس عشر والسابع عشر. 

(*) مؤلف كتاب صناعة الأسطورة: حكاية التمرد الطويل في جبل لبنان، بيروت، دار الساقي 2019


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عبدالرحيم أبوحسين

عبدالرحيم أبوحسين

أستاذ في دائرة التاريخ والآثار (الجامعة الأميركية)