آخر تحديث:12:17(بيروت)
الجمعة 06/09/2019
share

"في الساحة"... ما بقي من روح الريغي

شادي لويس | الجمعة 06/09/2019
شارك المقال :
"في الساحة"... ما بقي من روح الريغي بوب مارلي
على خلفية الجبال الزرقاء، للعاصمة كينغستون، المغطاة بالغابات الاستوائية، وفي الساحة الأمامية لأحد المنازل، يجتمع عدد من الرواد الأوائل لموسيقى الريغي الجامايكية. تدور كاميرا المخرج البريطاني، بيتر ويبر، لتوثيق مشروعه الثلاثي، "في الساحة": فيلم تسجيلي، وألبوم غنائي، وجولة موسيقية أوروبية، جميعها بالاسم نفسه. في واحدة من المشاهد الأولى، يضعنا الفيلم الذي انطلق في نيسان/إبريل الماضي، أمام تيمته المضمرة: "بعض البلاد لديها ألماس، بعض البلاد لديها لؤلؤ، وعندنا موسيقى الريغي".

تتقاطع المادة الأرشيفية، والتسجيلات في استوديو المنزل الخشبي الواسع، والبروفات الجماعية في ساحته، وحفلات حية في باريس، لترسم خطين متوازيين من السرد: القصص الشخصية لأساطير الريغي نصف المنسيين، والتاريخ الخشن لموسيقى جزيرتهم الكاريبية. ففيما يروى سيدريك ميتون عن حياته على مراكب الصيد، ويغني أغنيته الشهيرة "جدف إيها الصياد"، يتذكر وينستون ماكنوف واقعة مقتل ابنه في مشاجرة، على خلفية واحدة من أغاني الابن "كن حريصاً هذه المرة"، وبعدها أغنيته هو "بسبب مالكوم ماكس". ويلعب الجميع واحدة من أغاني عبيد مزارع الموز.

 


تتبدد صورة الريغي كموسيقى لتدخين الماريجوانا. فالموسيقى المتأثرة في الأصل بإيقاعات الأميركيين الأفارقة وصناعتها الضخمة، وتراث عبيد المستعمرة البريطانية السابقة وأغاني العمل في المزارع، تظهر الموسيقى في الفيلم كسجل يومي للحياة، و"نشرة أخبار" لحوادث العنف والمواجهات مع الشرطة، وعلاقات الحب والفقد الحقيقية لأصحابها. وتظل كذلك سجلا لتاريخ المعاناة الاستعماري، وساحة إيديولوجية لحركات التمرد الأسود تمتد خيوطها من الولايات المتحدة القريبة إلى أفريقيا.

"بسبب مالكوم ماكس" وينستون ماكنوف (الأب)

"كن حريصاً هذه المرة"، ماثيو ماكنوف (الابن)

تغني جودي موات، أغنيتها الأشهر "امراة السوداء". ويتذكر "ديراغا" من الجيل الأصغر من موسيقي الريغي مقتل أخته الصغيرة أمام عينيه في حادثة إطلاق نار عشوائي، على خلفية من إيقاعات أغنيته " لذكراك يا أختي". وتتبع الكاميرا علاقة الحب الطويلة بين كين بووس وزوجته التي تعامله بتدليل طفل، وذكرياته عن أضواء الشهرة في الولايات المتحدة، بينما يسجل بووس في فانيلته الداخلية، "دع الماء يجري حتى يجف". تضيف القصص المتتابعة طبقات لسجل الحياة الخاص والعام، التي تلعب فيه الريغي أدواراً متعددة الأوجه، من أول صدمة في مواجهة الموت، إلى التحفيز النسوي. يسرد "في الساحة" كل هذا، في عذوبة وخفة، من دون أن يقوله مباشرة، تاركاً المشاهد ينغمس في وليمة بصرية وصوتية في غاية الثراء.

"دع الماء يجري حتى يجف"، كن بووس

لكن الريغي، الذي أضافته اليونيسكو إلى قائمة التراث الإنساني غير المادي، ليس مجرد معين للذاكرة أو أداة للتمرد أو لغة محلية بين أبناء الجزيرة. فإلى جانب ما يذكره الفيلم في بدايته، الماس واللؤلؤ، وكذا القصب والموز، يبدو الريغي أيضاً اقتصاداً متكاملاً، سلعة في صناعة ضخمة ومعولمة، تخضع للعلاقات نفسها والقوى التي تحكم غيرها. تظل تلك التيمة الأكثر خفوتاً في الفيلم، والأكثر أهمية أيضاً. عاد معظم المشاركين في الفيلم من الولايات المتحدة، فالنجومية التي حققوها ما كان ممكناً أن تحدث خارجها، أو من دون علاقة وثيقة بصناعة التسجيلات والترفيه هناك. تنجح الماكينة الرأسمالية في استيعاب الريغي، كغيره من المنتجات الثقافية، لتزيحه من الهامش المتمرد أو المنبوذ إلى التيار العام، خط إنتاج يتجدد بأصوات جديدة. في ومضات عابرة من الفيلم، يتذكر النجوم الآفلون أحلام الشهرة، وشركات الإنتاج التي منحتهم بضع دولارات فقط، وربحت الملايين من الألبومات التي باعت ولازالت تبيع مئات الألوف من النسخ. ويصف بعضهم الجوع الذي عاناه، جوع حقيقي بتقلصات معدية، ويتذكر أحدهم ترحيله بعد وقوعه في المشاكل مع "العم سام". تبقى تلك المرارة خافته في الفيلم، بل وفي الأغلب لا يمكن ملاحظتها وسط كل البهجة التي تبثها مشاهده، لينجح "في الساحة" في أن يكون مرآة لموضوعه، حلو كسكر مزارع القصب، مع مرارة مخفية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري