آخر تحديث:11:04(بيروت)
الخميس 05/09/2019
share

"961/011"لعمر الجباعي: عرض فني يحدق في تجربة الإعتقال

علاء رشيدي | الخميس 05/09/2019
شارك المقال :
"961/011"لعمر الجباعي: عرض فني يحدق في تجربة الإعتقال تجميع عمر الجباعي
في عرضه الجديد الذي قدم في أروقة مسرح دوار الشمس على مدى يومين متتالين، يحقق المخرج عمر الجباعي عملاً فنياً يجمع بين الأداء المسرحي، المعرض التشكيلي، فن التجهيز، قراءات شعرية ونثرية، ممزوجة بمقطوعات موسيقى إلكترونية ترافق المتلقي أثناء تجواله في مراحل هذا العمل.

عنوان العمل هو الرقم الآتي، (961 /011 )، وبالحديث مع المخرج عن خيار العنوان بيّن أن الرقم المختار يمكن أن يحيل إلى كود الإتصال الدولي بكل من سورية ولبنان، وكذلك يمكن الإحالة، وبحسب مضمون المسرحية، إلى الرقم الذي يعطى للمعتقل عند دخوله السجن، والأرقام التي تعطى لجثث الموتى التي فارقت الحياة في أقبية السجن، أو لرقم الزنزانة، هذه الإحالات جميعها يرغبها المخرج من إختيار العنوان، رقماً.

العرض تجربة حسية – ذهنية يقود فيها صناع العمل مجموعة من المتلقين على مراحل يتألف منها كامل العمل الفني. يراد من هذه الرحلة اختيار تجربة الإعتقال، وتجربة العوالم السفلية للسجون، عيش المشاعر والأفكار الذاتية للمعتقل، كل ذلك بتوظيف أنواع مختلفة من الفنون: اللوحة، القصائد الشعرية، الموسيقى، وفن التجهيز لإعطاء هذه التجربة، أي تجربة الإعتقال، التأويلات الحسية، الذهنية، والفنية التي تحتمل الإنفتاح عليها.


تبادل التحديق عبر اللوحة
في المرحلة الأولى يستكشف المتلقي مجموعة من اللوحات التشكيلية للفنانة (إيمان نوايا) التي استلهمت فيه موضوعة السجون وتجارب الإعتقال. في اللوحات الأولى تختار الفنانة أسلوباً يوضح الأشكال المرسومة داخل اللوحة حيث التمييز بين القضبان ووجوه المعتقلين خلفها الناظرة مباشرة إلى المتلقي، وما تلبث أن تتحول اللوحات رويداً رويداً إلى التجريدية، حيث تتداخل جدران الزنازين، مع القضبان الحديدية مع الوجوه المرسومة فتتراكم ككتل لونية على سطح القماش. يصبح التمييز صعباً بين تعابير الوجوه وبين خطوط هندسة الجدران وكذلك خطوط القضبان الحديدية. تتوسع حدقات العيون الخارجة من اللوحة والناظرة مباشرةً إلى المتلقي، كأنها تستنجد، أو تنقل لحظة الهلع والفراغ، وأخيراً تحتل في اللوحات التالية العيون كامل سطح اللوحة لتصبح العنصر الوحيد المرسوم بألوان الأزرق، الأحمر، والأسود. تحمل هذه العيون المحدقة الشحنة التعبيرية والوجدانية للشخوص المرسومة.

تقول الفنانة إيمان نوايا عن معرضها "سجون" الذي عرضت فيه هذه اللوحات: "طبعاً، في معرض سجون أتناول المعتقل في سورية، ولكن كذلك هناك السجون النفسية، سجون بداخلنا، سجون علاقاتنا ومجتمعنا، وسجون أفكارنا وهواجسنا"، بينما يتجول المتلقي مستشكفاً هذه المرحلة الأولى من العرض بين لوحات معرض، ترافقه قراءة سمعية شعرية من قصيدة "روتين" للشاعر رياض الصالح حسين: "إنه حي تماماً، ألمسه ولا تخف، فالموتى لا يخيفون"، تتلوها مقاطع من قصيدة أخرى للشاعر نفسه، بعنوان "أيتها الأحجار استمعي إلى الموسيقى": "وغداً تحت المقصلة أو بين السلاسل سأطالب بالحياة الجديدة، فالحياة التي يتحدثون عنها في الكتب، والحياة التي نراها في الإعلانات التلفزيونية، والحياة التي تنام على الأرصفة، ليست هي الحياة التي نريد".


الضوء الساقط على جدار
من هنا يختار المخرج مجموعة من القصائد التي تحيل إلى العوالم الذهنية والنفسية لكل من المعتقل، والشاهد على الإعتقال، والمتلقي المستقبل للعمل الفني. إنها تنويعات شعرية فكرية أقرب إلى مونولوجات المعتقل الداخلية التي يمكن انتقالها إلى أفكار وأحاسيس المتلقي للعمل الفني، مثلما يذكر في قصيدة "لا أحد" لرياض الصالح حسين: "فتحت الباب لم يدخله أحد، لا ضيف لا امرأة ولا شرطي، فتحت النوافذ لم يدخلها أحد، لا هواء لا فراشة لا أغنية تائهة، وها أنذا الآن مغلقاً ووحيداً أنادي تعالي".


في المرحلة الثانية من العرض تقف مجموعة الزائرين – المشاهدين أمام غرفة معزولة بقماش أسود يظهر من خلفه حضور أنثوي "أداء نزهة حرب"، محجوب عن الرؤية المباشرة للعين، مجرد خيالات الحضور الأنثوي بإنعكاسه على القماش الأسود، وصوت المسرود الشعري الواصل إلى الأسماع من قصيدة "جدار" لرياض الصالح حسين. المسرود الشعري هذه المرة لا يكتفي بتوصيف العالم الذهني والنفسي للإعتقال بل يقدم موقفاً فكرياً يتضح في المقطع التالي: "مثلما يمكن أن تصنع من غصن الشجرة الأخضر هراوة، مثلما يمكن أن تصنع من الغرفة الأليفة زنزانة ومن الشارع الواسع مسرحاً للقتل، مثلما يمكن أن تكتب رسالة تهديد، بالقلم نفسه الذي كتبت فيه رسائل الحب"، إنها مسؤولية الإنسان الأخلاقية فقط التي تتوقف عليها إمكانية قراءة الحضارة، بأية الغايات وظفت الأدوات، وبأية أهداف استعملت الوسائط. هنا السؤال الأخلاقي.

في نص يكتب عروة المقداد عن تجربة التحديق التي يجد المعتقل نفسه مجبراً عليها: "أكثر شي مرهق بالسجن هو التحديق، التحديق يلي بيخلينا نتحول لمجرد عيون عم تراقب مسلوبة القدرة على الفعل"، في المرحلة التالية من العرض تتوقف مجموعة المتلقين أمام نافذة زجاجية ضيقة تكشف على غرفة فارغة إلا من كرسي وبقعة ضوء مسقط على الحائط، إنه فعل التحديق الذي يجبر عليه المتلقون لمتابعة العرض، في الداخل وراء الزجاج ليس إلا انتظار، ومكان فارغ رمادي، البقعة الضوئية الساطعة تحيل إلى مراقبة المسجون طيلة النهار لحركة الشمس أو لأشعة الضوء المتسللة إلى غرفته، يحاول العرض بذالك أن ينقل فعل التحديق من الشخص المعتقل في الزنزانة، إلى الشخص المتلقي في صالة العرض، يرافقه مقتطفات من نص لعمر الجباعي بعنوان "مشاهد قبل الإستيقاظ": "شعاع ضوء يخترق زجاج النافذة دون أن يكسره، يرتطم بالجدار دون أن يصدر أي صوت. كيف يفعل الضوء ذلك؟"


التحديق في المرآة
في المرحلة الأخيرة من العرض، تحضر الموسيقى بوضوح ضمن عناصر العمل الفني في تجربة المكان، موسيقى إلكترونية بإيقاعات طويلة وبطيئة وأصوات ممتدة (موسيقى محمد صيام)، ومن ثم يتم الدمج بين جمل من القصائد الشعرية وبين الصوتيات الموسيقية (تنفيذ موسيقي: زكي الحموي)، تتراوح الكلمات والموسيقى بين التكرار والتأمل، بينما يدخل المتلقي هنا في سلسلة من السراديب، ينتقل من غرفة إلى أخرى، هناك عند طرف الحائط معتقل حي، عاري الصدر، طويل الشعر (أداء: جهاد شانه ساز)، يعيش في زمن الإنتظار، زمن مختلف ومغاير عن زمن المتلقي الذي يتنقل في حركة بين فضاءات العرض، هذا المرور السريع بجانب معتقل زمنه طويل وممتد في حال من الإنتظار في العتمة، هو تجربة شعورية وذهنية أيضاً أراد مصممو العرض للمتلقي اختبارها.
لكن ماذا يحصل لو أن المتلقي في تجربة اختبار عوالم الإعتقال والإحتجاز هذه، وبعد أن يعبر في العتمة من زنزانة إلى أخرى، لو أنه اكتشف في عمق إحدى الغرف مرآة، كيف يقابل حضور انعكاسه على المرآة في هذه العوالم؟ هكذا ينظم مصمم العرض لقاءاً بين المتلقي وانعكاسه في المرآة، بعد أن ينظم دخول الحضور واحداً تلو الآخر إلى غرفة معتمة، يحاول كل متلقٍ طيلة العرض أن يعرف منتهى هذا التجهيز الفني، ليقابل مرآة تعكس له عن حاله، تكاشفه عن أفكاره حيال ما عايش، وما فكر خلال استكشاف العمل الفني. يقول المخرج عمر الجباعي: "مكان المرآة أكثر المناطق إضاءة في العرض، هي دعوة كي ينظر المتلقي إلى نفسه ومن ثم يخرج إلى النور. دعوة إلى الفاعلية من خلال اكتشاف الذات"، إنها مواجهة المتلقي لنفسه وهو في خضم عالم نفسي وذهني لا يدعوه لليأس، بحسب تعبير المخرج بمقدار ما يدعوه للفاعلية.

في كتاب "العمل الفني وتحولاته بين النظر والنظرية"، يكتب خليل قويعة عن الحركة التفاعلية للجسد الناظر، حيث يصبح المتلقي أمام العمل الفني ذاتية خلاقة تبصر وتتلمس وتسمع وتشعر بحرية في إطار تجربة جسدية حية، وتقول في هذا الصدد الفنانة ليجيا كلارك: "إن إشراك الجمهور يتم بغاية مساءلة البناء النفساني للذات نفسها"، ربما تكون هاتان الفكرتان مساعدتين على توصيف تجربة المتلقي في عرض ( 961/011)، والخبرة الوجدانية التي يحاول العمل الفني تقديمها من خلال هذا العرض.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها