آخر تحديث:10:28(بيروت)
الأربعاء 04/09/2019
share

"حقول الحب": المثلية سينمائياً

روجيه عوطة | الأربعاء 04/09/2019
شارك المقال :
  • "حقول الحب": المثلية سينمائياً
    حقول المثلية
  • حقول المثلية
    حقول المثلية
  • حقول المثلية
    حقول المثلية
يتيح معرض "حقول الحب"، الذي تنظمه بلدية باريس(*)، الوقوف على تقديم المثلية الجنسية في السينما العالمية، وبذلك، التنبه إلى كونها انتقلت فيها من طور إلى آخر، ومن المنع إلى ما هو قريب من التكريس المانع.

فبدايةً، وفي العقود الأولى من القرن العشرين، لم تكن المثلية سوى ضرب من الهزل، الذي يعمد الممثلون، كباستر كيتون، أو شارلي شابلن، إلى تأديتها من أجل "كَوْمَدة" الأفلام، أي جعلها كوميدية، ومفاقمة كوميديتها. بالتوازي مع ذلك، شكلت المثلية موضوعاً درامياً بامتياز، بحيث أن كل حب على متنها لا يؤدي سوى إلى الموت. لكن، ومع أن المثلية شكلت مهزلة ومهلكة في الشاشة الكبيرة، سارعت الفاشيات، ومع صعودها في الثلاثينات، إلى حظرها، عبر حض شركات الإنتاج على صياغة قانون الرقابة، "قانون هايز"، الذي أبعدها عن كل سيناريو، وعن كل استديو.

إلا أن الحظر لن يدم طويلاً، فها هي الستينات الثورية تلوح، وخلالها، تنطلق المثلية في معركتها، أو بالأحرى في معاركها. من هنا، وفي العام 1961، عادت إلى السينما عبر "الضحية" لبزيل دريدن، وقد كان أول فيلم إنكليزي، تُستخدم فيه كلمة "مثلي"، وتدور حكايته حول الحب بين ملفيل فار (ديرك بوغارد) وجاك باريت (بيتر ماك-إنري). وفي السياق عينه، قررت مجموعة من المخرجين الألمان، طرح المثلية في بلدهم، مثل فاسبندر، وروزا فون براونهايم. ومعهم مخرجون إيطاليون، مثل بازوليني في "تيوريم"، وفيليني في "ساتيركون".

وعلى هذا النحو، شرعت المثلية في حضورها سينمائياً، وربما، كانت موضوعتها الأساس، إعلانها من قبل شخصياتها، تماماً كما في فيلم "الإنسي المجروح" لباتريس شيرو العام 1983. وإلى جانب هذه الموضوعة، أخريات، من قبيل الصلة الثنائية، أو المراهقة، وقد برز تناولها على طريقة "كويرية"، بدلاً من الإكتفاء بإبدائها بالإتكاء على منظور عام.


وبهذا، من الممكن القول إن المثلية بنت موطنها في السينما، ومنه، بدأت أفلامها تتزايد، وتلمع، مثل "حياة أديل" لكيشيش، أو "المرأة الخارقة" لليليو. وهذا، إلى أن استحصل واحد منها، أي "مونلايت" لجنكنز، على أوسكار العام 2017. وعندها، بدا أن المعركة البصرية، التي خاضتها المثلية، منذ "غير الأغيار" لريتشارد أوزوايلد العام 1919، قد أتمّت ظَفَرها. لكن هذا الظفر سرعان ما سيتحول إلى نقده، بحيث يشير بعض المخرجين إلى كونه سبيلاً للتنميط، لإنتاج تصور محدد عن المثلية، وبالتالي، يلغي كل مثلية مختلفة عنه. لذلك، لا بد من توسيع السينما المثلية لكل "المثليات" على اختلافها، وليس حصرها في نمط أو تصور دون غيره، أي جعلها، وبشكل من الأشكال، ضد المثلية.

لا يكتفي المعرض بسرد قسم رحب من تاريخ العلاقة بين المثلية والسينما فحسب، بل يسرد أيضاً بعضاً من جوانب حظرها، مستعيداً المشاهد التي أزالتها معامل الإنتاج من الأفلام، كمشهد من "علامة الصليب" لدوميل (1932)، ومشهد حواري من "سبارتاكوس" لكوبريك (1960). مثلما يسترجع أفلام أزيلت بأكملها في بلدانها، كتلك التي أخرجها باراجانوف، أو "رفيقي" للكيني وانوري كاهيو (2018). عدا عن ذلك، يسجل للمعرض إياه أنه شدد على كون هذا الحظر كان، وفي حين فرضه، مكسوراً من قبل المخرجين، الذين خلقوا حِيَلهم للحديث عن المثلية. مرةً بتحريرها، ومرةً بتجريمها. وقد كان فيتو روسو قد جمعها في كتابه الشهير "the celluloid closet"، الذي سرعان ما تحول إلى وثائقي بمعية ابستاين وفريدمان. وفي هذا المطاف بالتحديد، برز هيتشكوك، الذي كان قد تناول المثلية في أفلامه من دون أن يسميها، كما في "ربيكا" (1940)، أو في "لا كورد" (1958)، وغيرهما طبعاً.


فعلياً، يثبت "حقول الحب" أن المثلية شكلت محوراً من محاور السينما، ليس كموضوع تمثيلي فحسب، بل كطريق لغيرها أيضاً. وهذا، قبل أن تصير هذه السينما منتجة لتمثيلها، وبالتالي، تقيدها به، رغم كونه لا يتيح لها أن تطل، كما هي، عبره. ولهذا، يعمد مخرجون كثر إلى القول إن معركة المثلية حالياً هي ضد تمثيلها هذا، الذي يعبر من الصناعة الفيلمية إلى الصناعة المسلسلاتية، ومن الصناعة المسلسلاتية إلى الصناعة الموسيقية، ومن الصناعة الموسيقية إلى صناعة كل منتج فني، يحاول الكلام بإسمها، فيزيد من تنميطها، وتمتين تصور شائع عنها. 

(*) حتى 28 أيلول/سبتمبر 2019. 
Hôtel de ville, salle Saint Jean, 5 rue de Labou. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب