آخر تحديث:13:32(بيروت)
الثلاثاء 03/09/2019
share

نديم عبدالصمد... المثلث السيرة و"الهوية"

وضاح شرارة | الثلاثاء 03/09/2019
شارك المقال :
نديم عبدالصمد... المثلث السيرة و"الهوية" وجوه لدوبووفيه
نُعي نديم سليمان عبدالصمد (أبوبشار) حين وفاته في 28 آب (أغسطس)، ثلاثاً. نعته أسرته وملحقاتها الضرورية أولاً. ونعاه حزبه السابق، الشيوعي اللبناني، وهو صرم فيه معظم سنين عمره. ونعته أخيراً الحركة السياسية، حركة اليسار الديموقراطي في لبنان، وهو اختارها محطة ختم بها سيرته السياسية الطويلة. وليس في تعاقب مصادر نعي رجل سياسي، أو رجل اقتصادي، أو رجل خيري أو اجتماعي أو ثقافي، الخ.، ما يستوقف ويستأهل الوقوف والتأمل، على شرط ألا تتشابك أدوار الرجل، ولا يدخل الدور في الدور، وجزء السيرة في جزئها الآخر أو أجزائها الأخرى، ولا ينحرف معنى جزء عن معنى غيره. وهذا الشرط انتفى في حال الراحل نديم عبدالصمد، فتشابكت الأدوار، ودخل الدور في الدور، وجزء السيرة في أجزائها الأخرى...

العائلة المركبة 
فالنعي الأول، "العائلي"، ليس عائلياً خالصاً، أو هو عائلي على نحو مركب ينم بتركيب لبناني، ظرفاً ومكاناً. فيتصدر النعي اسمُ وليد جنبلاط. وصدارة الرجل الورقة مسوغها رئاستاه: رئاسته طائفة الموحدين الدروز، طائفة الراحل، ورئاسته جماعات اليسار، في صيغة اليسار التاريخية المحلية. وعبدالصمد وجه من وجوهها. وبين الرئاستين، منذ سبعين سنة ومنذ 1964-1966 (نشأة "الجبهة الوطنية" تدريجاً) على وجه التخصيص، روابط وثيقة دمجت الواحدة، الطائفة المذهبية، في الثانية، السياسية والحزبية. وأقامت جماعات اليسار، بعد تفرقها وخروج الفرق "القومية" منها وانفراد الفرق الشيوعية باللقب، على تقديمها "البيت" الجنبلاطي قبل أن يفتقر التقديم والتأخير معاً إلى ما يدعو إليهما.

ويلي اسمَ جنبلاط اسم حركة اليسار الديموقراطي. وهي المنظمة التي ضوى الراحل إليها بعد أن قضى نحو ثلاثة إلى أربعة عقود في الحزب الشيوعي. وكان أبرز الحزبيين الشيوعيين السابقين والتاركين أو المنشقين. فترأس بداهةً (؟) الحركة الجديدة المولودة، المولود معظمها من الحزب الأول والقديم ولادة الشطر المجدد التأسيس و"المصحح" من الرحم التي انفصل عنها. وإذا صح أن المصدر الجنبلاطي أهلي، درزي عائلي (قبلي) وسياسي معاً، فالمصدر الثاني، حركة اليسار الديموقراطي، يقتصر على النسب السياسي في طوره الأخير. وما جمعه وليد جنبلاط، بَعد والده، في نفسه أو شخصه واسمه، ليس في وسع النسب السياسي الحزبي أن يدعي استئنافه. فهو خليط يأنف الذوبان في وحدة، ولو رمزية، ولا يسعه ادعاء القدرة عليها.

ووحدة الوارث الجنبلاطي، في الشوط الأخير (وإن طال عقوداً) من مسيره وسيرته، في مستطاعه التمثيل على وجهي يانوس في شخص واحد من "طبيعتين" غير متكافئتين (فالرئاسة المذهبية الأسرية ترجح على رئاسة سياسية لم تبرأ تماماً من أخلاط وأعلاق مذهبية وطائفية). 

ويتوسط النسب السياسي اليساري المركب الجنبلاطي أولاً ثم النسبة البلدية، عماطور، من بعد. والبلدة، محل الولادة والإقامة معاً في سجل النفوس اللبناني، غالباً ما تقع في وسط متجانس. ومن ينسب نفسه إليها لا ينسبها إلى موضع جغرافي وحسب، ويتعدى هذه النسبة إلى أخرى أوسع هي الدائرة الأهلية أو الطائفية المذهبية. فعلى رغم أن الشوف، مجتمعاً وأهلاً وتاريخاً وأرضاً في آخر المطاف، مركب درزي - مسيحي- سنّي معاً، تغلِّب الرواية "السياسية" الشائعة العامل الدرزي على العامل المسيحي الراجح على أكثر من وجه. وعلى هذا، فالسكوت عن دائرة النسب المذهبية، وعن التصريح بالمت إليها من غير تورية (ووليد جنبلاط تورية قد تبدو ملتبسة على من شاء)، يعوضه رفع بيرق البلدة المنضوية في محافظة أو ديرة هي ديرة قوم على معنى غرضية... وتفصح الدعوة إلى التعازي في دار عماطور بعد الدفن وفي اليوم الثالث، أولاً، ثم في دار الطائفة الدرزية في يوم الأسبوع التقريبي، ثانياً، عن تلازم الولادة بمسقط الرأس والعائلة، وحضن الطائفة، والمدفن، وعسر فك روافد التعريف هذه.



التعريف المباشر
ويعود النعي إلى العمود العائلي التقليدي: الزوجة، الابن وزوجته وأولادهما، البنت (على عددهن) وزوجها وأولادهما، الشقيق وعائلتها. وهؤلاء جميعاً، من وليد جنبلاط إلى الشقيقة وعائلتها، يعودون إلى الاجتماع على نعي الفقيد، وعلى تعريفه المباشر وليس من طريق من ينعونه، على ما سبق وتقدم. فهو، أو إذا به "فقيد" من توالوا على الانتساب المتبادل إليه، طبعاً، (و) "القائد الشيوعي" من جديد. فاخترق النسبة المركبة (جنبلاط) فالنسبة السياسية (اليسار الديموقراطي) فالنسبة الأهلية (عماطور)، فالأسرة القريبة الأوسع قليلاً من النواتية، ليعود على "بدء" اختاره في حياته، وأراده واصطنعه، هو هويته السياسية الحزبية. وإضافة المراتب (القائد، نائب الأمين العام، الرئيس، الأمين العام) إلى الإسم تعلن ملازمة هذه هوية الرجل السياسية والشخصية. والصفة الشيوعية، في معرض تعريف من أحلّ في اسم حزبه الجديد الصفة الديموقراطية محل الأولى التي طواها، قد تشكل على المتفحص، فالإبقاء على الصفة "السابقة" المطوية يعني ربما اشتباه فعل الطي، وضعف انقطاعه من سيرة حرصَ صاحبها على اتصالها، على رغم تقسيمها على "مراحل". وزعم، وهذا افتراض من لم يعرف نديم عبدالصمد، أن مراحله تنطوي على التزام واحد لم يحد عنه، على قول كثرة الحزبيين السابقين.

الشيوعي أولاً
وإلى نعي "الأهل" المركب، على ما تقدم، نعى الحزب الشيوعي اللبناني نديم عبدالصمد (أبو بشار كذلك، وهي الكنية التي استغنت حركة اليسار الديموقراطي عنها في نعيها)، مقدِّماً على اسمه المرتبة الأعلى التي حلها في حياته الحزبية الشيوعية: رئيس المجلس الوطني، أو اللجنة المركزية في تسمية محدثة تخففت من الإرث السري والانضباطي "العسكري" (على استعارة لينينية- ستالينية عتيدة). ويصف النعي الرجل بـ"أحد القادة التاريخيين"، قادة الحزب طبعاً، ويستبقي من تاريخه "معظم سنوات حياته" التي قضاها في "مواقع النضال". والعبارة ("معظم...") لا تصف "حياته" بالحزبية، فتتركها مرسلة، فمن شاء جمع سنواته الحزبية الشيوعية واطرح الأخرى. ومن شاء قسم الأخرى على عمر الرجل كله.

وحين يستبقي الحزب الذي تركه الراحل في نحو السبعين من عمره (وهو توفي في التسعين تقريباً)، "صفحات" تخصه، وهي جزء من أرشيفه ومحفوظاته في وقت تشهد فيه هويته ويشهد "خطه" اضطراباً عميقاً، يستعيد "مواقع" و"معارك" و"مجالات" يحسب أنها مقومات سياسته الثابتة والمستمرة. وفي مقدوره إحصاؤها من غير ظهور الاضطراب عليه وهو ينعي أحد أركان هذه السياسة (إسمانياً). فـ"إسهام" عبدالصمد تناول "القضية القومية" و"قضية فلسطين"، و"التغيير الديموقراطي"، و"الهدف الاشتراكي". وهي أبواب أو عناوين تعصى التقادم، ويفترض بها أن تعصى الخلاف ما أُقرت على عموميتها. والحزب الشيوعي، على مثال راسخ وعام، يكره التخصيص. فهو مجلبة تناقضات مزعجة. 

و"القضايا" التي يحصيها النعي، وسبق أن أحصتها آلاف المقالات والبيانات والهتافات، موروثة من زمن يخرجه الحزب الشيوعي وزملاؤه وأقرانه من الصيرورة، ومن التحول. ويستودعه "الجواهر" التي تداعب أحلام الشعوب منذ أن كانت إلى قيام الساعة. وينسى الشيوعيون اليوم أن أبوابهم هذه نشأت واستقرت، لفظاً، في معرض خلاف ونزاع "داخليين"، على قدر ما يتمتع حزب شيوعي "سوفياتي" بداخل، بين جناح محلي وطني وسوفياتي وآخر عروبي ناصري. وأعقبه نزاع آخر بين تيار بكداشي (نسبة إلى خالد بكداش، السوري) محافظ ومتحفظ وبين آخر "شبابي"، عروبي تقدمي وفلسطيني يناصر الطغم العسكرية والمخابراتية التي استولت على السلطة في المشرق قبل 1967 وبعده، وينخرط في حروبها الأهلية ويماشي تصديرها هذه الحروب إلى "الأقطار" القريبة، ويتبنى مزاعمها في صدارة قضية "الوحدة" وترجمة هذه الصدارة (إلى ) قيادة أمنية مركزية يتولاها الجهاز المستولي.

ويذكّر النعي الحزبي بماضي عبدالصمد السوفياتي والجهازي ويخصص توليه "مسؤولية العلاقات الخارجية للحزب" الشيوعي، ويربط هذه المسؤولية بنيابته عن الأمين العام (جورج حاوي)- فيُبرز العلاقة الجوهرية التي تشد الأمانة العامة والجامعة إلى الدائرة الخارجية وهي داخل الداخل، و"على رأسها" "وطن الاشتراكية"، على ما كانت دعاية الجهاز ترطن. وتُقنِّع هذه الصيغة تبعية الأحزاب الشيوعية المحلية للمركز الذي أنشأها ورعاها ومولها، وأقام على مراقبة "كوادرها" ("مناضليها"، على قولٍ أصفر أو حرسي في ماضٍ أحمر)، والتحكيم في اختبارهم وترفيعهم، إلخ. ولا يبرأ التذكير من معارضة هذا الشطر من سيرة عبدالصمد بالشطر التالي، اليساري الديموقراطي الذي توفي عنه. والحق أن النعي العائلي المركب لم ينكر الشطر الأول من السيرة، ودمجه في سجل مؤتلف لا تنافر فيه ولا مراتب.

لغة الحركة
 ويستعيد النعي الحركي (اليساري الديموقراطي) تعريف رئيس الحركة السابق من باب عريض هو باب "النضال" و"أشكاله" في "الميادين" و"المجالات" (نظير "المواقع" و"المعارك" و"المراحل" و"المجالات"، الشيوعية والحزبية). ولغة الحركة أقل حربية من لغة الحزب. وتُحِل "الديموقراطية والحرية والعدالة"، وهي قيم إنسانوية مشتركة ومتشاركة، محل "قضايا" الحزب المختلطة، المعلن منها والمجازي. فيتجنب نعي حركة اليسار الديموقراطي ما يحرص نعي الحزب على استعادته: فلا أثر صريحاً وخاصاً في الأول للقومية العربية، أو للقضية الفلسطينية، أو للاشتراكية ودولها وأحزابها. والديموقراطية ديموقراطية وحرية وليست "تغييراً ديموقراطياً"، على ما يرطن المصطلح الجهازي.

ولكن الحركة لا تتخفف من ماضي رئيسها السابق و"شبابه"، ولا تريد وراثة هذا الماضي، الحزبي، على شاكلته يومذاك، معاً وفي آن. فتعمد إلى إيجاب تراث "دفاعي" ("دفاعاً عن الديموقراطية...") يقوم مقام التراث الذي ينفرد به الحزب الشيوعي: الصداقة السوفياتية، الدول والأحزاب الشيوعية... و"يتجاوزه" إلى دائرة أعم وأوسع. فلا ينوء بأثقال التواطؤ الاجرامي مع المجازر والمعتقلات والمجاعات الجماهيرية التي ساس بها الحزب الشيوعي السوفياتي "دولته"، ولا يخجل من السير في ركاب السياسة العصبية والأمنية، "القومية"، التي سار فيها. ولا يزال الحزب الشيوعي على مسيره هذا. 

فالنازع إلى الوحدة المجتمعة والمتصلة يُعلي مكانتها، على خلاف حطّه من الكثرة المتناثرة والعصية على "الاجتماع في صدر امرءٍ واحد"، وفي سيرة واحدة. وسير الأنبياء (وهم ظل الآلهة) والأبطال (وهم أبناء الآلهة)، قبل سير الإنسيين - في "تأريخ" جيانباتيستا فيكو الإيطالي الثامن عشري-، تردد معنى واحداً، ولا يستوي واحداً إلا من طريق الحذف والتشذيب والتهذيب. فلا يبقى من حوادث السيرة إلا نواة يابسة انسلت منها الحياة. ويميل الحزبي المثالي، وهذه ليست حاله وحده، إلى الحذو على الأنبياء والأبطال، وعلى مصائرهم المؤتلفة، على زعم الرواة والقصاص. ولا يصدق الإنسيون، أهل المرحلة الأخيرة من قافلة الإيطالي، سير أهل الحقبتين الأولين، وربما رأوها مملة ومصطنعة ومركبة. فحملوا نصوصها "المقدسة" على الوضع والانتحال المتأخرين، وعلى التأويل المتعسف والمتقلب. والدعوة، الإنسية، إلى معاصرة الحاضر، أي إلى الانتباه إلى فبركة وحدته ومسكته على نفي منازعاته وانقساماته، تستفز ظلال الآلهة، أصحاب الأسرار المقدسة، والأبطال، ووراء هؤلاء وأولئك من يمضهم الحنين إلى سعادة الأحضان الفردوسية والوعود الالهية الاكيدة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها