آخر تحديث:10:17(بيروت)
الأربعاء 04/09/2019
share

السجال العوني التركي.. من "بيزنطة السوداء" إلى "إرهاب" العثمانيين

محمد حجيري | الأربعاء 04/09/2019
شارك المقال :
السجال العوني التركي.. من "بيزنطة السوداء" إلى "إرهاب" العثمانيين محمد الفاتح
أعاد خطاب رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، بمناسبة ذكرى تأسيس " لبنان الكبير"، الجدل حول التاريخ العثماني في لبنان والمشرق. ذلك التاريخ الذي طالما قُرئ بطريقة ايديولوجية لأهداف سياسية – طائفية. أطلق عون عبارة "كل محاولات التحرر من النير العثماني كانت تقابل بالعنف والقتل"، وأن "إرهاب الدولة الذي مارسه العثمانيون على اللبنانيين، خصوصاً خلال الحرب العالمية الأولى، أودى بمئات آلاف الضحايا ما بين المجاعة والتجنيد والسخرة"... استعمال كلمة ارهاب، يكفي لاستنباط المغزى من الكلام العوني على وقع اجتماع "حلف الاقليات". ردت وزارة الخارجية التركية على عون قائلة أنه لا "إرهاب دولة" في تاريخ الإمبراطورية العثمانية، بل على العكس، كانت الحقبة العثمانية فترة استقرار طويلة في الشرق الأوسط"... و"تلك الحقبة كانت فترة يسودها التسامح"، و"المنطقة التي جرى تقسيمها إلى مناطق نفوذ على أساس اتفاقية سايكس بيكو، عقب الحرب العالمية الأولى، لم تنعم بالسلام مجددا". وأشارت الى قيام الرئيس عون بـ"تحريف التاريخ"، و"تجاهله كافة الأحداث التي وقعت في عهد الاستعمار الذي يعتبر مصدراً لكافة المصائب التي نراها اليوم، ومحاولته تحميل مسؤولية هذه الأمور للإدارة العثمانية، ما هو إلا تجلٍّ مأسوي لحب الخضوع للاستعمار". وردت وزارة اللبنانية على رد التركية قائلة "إن كلمة فخامة الرئيس تضمنت سرداً لواقع بعض الأحداث التاريخية التي واجهها لبنان في ظل الحكم العثماني، وقد تخطاها الشعبان التركي واللبناني اللذان يتطلعان إلى أفضل العلاقات"... 

بالطبع ثمة هوبرة في قراءة التاريخ العثماني، فلا هو كان نظام "تسامح" كما يدعي الجانب التركي، ولا هو إرهاب دولة كما أعلن الرئيس اللبناني... هناك وقائع يكتبها المؤرخون بعيداً من المزايدات والعواطف ونبش القبور تبين جوانب من الحقيقة، بدءاً من كتابات كمال الصليبي، مروراً بكتابات وجيه كوثراني، وصولاً الى عصام خليفة، وكلامهم يعاكس الكثير من الشحن الكلامي الذي بُنيت عليه الإيديولوجيا اللبنانية برعاية "الأم الحنون"...

في تعليقه على خطاب عون، كتب الدكتور أنطوان قربان: العثمانيّون: بنوا مرفأ بيروت وجعلوا مدينة بيروت دبيّ القرن التاسع عشر. أقاموا مجلسها الملّي بالأنصاف. أنشأوا ولاية بيروت من اللاذقية إلى حيفا (مع سنجق متصرّفية جبل لبنان).. حفروا الطرق الجبليّة التي لا نزال نستعملها. أدخلوا الكهرباء 24/24 إلى بيروت قبل اسطنبول، وبنوا شبكة سكة الحديد وقطاراتها وترامواي بيروت الشهير... أوصلوا مياه الشرب إلى بيروت من نهر الكلب والريحانية والديشونية... أقاموا الحدائق العامة العديدة في بيروت، والتي لم يبق منها إلاّ حديقة الصنائع... فتحوا طريق بيروت/ ضهر البيدر/ دمشق... نظّموا مصانع الحرير وتربية الدواجن"... هذا الكلام يدين جمهورية "العهد القوي" بغض النظر عن سجال التاريخ والتعابير الهلامية. فأن ينعم لبنان بالطرق والكهرباء في الزمن العثماني الذي يصفه عون ـ"ارهاب الدولة"، فهذه إدانة كبيرة للواقع اللبناني الراهن بعد أكثر من مئة عام على انهيار السلطنة العثمانية، اذ يخبرنا قادة "العهد القوي" وحكومة "إلى العمل"، في الصباح والمساء، أننا على شفير الانهيار مائياً ومالياً وبيئياً وكهربائياً، إذا لم نسارع إلى الانقاذ... الخ.

وفي مقابل سرد ايجابيات الزمن العثماني، سيخرج من يقول إن العثماني قمع الحريات وأخر المطابع(اي الثقافة) وتسبب في الجوع وعلق المشانق وأباد الأرمن... وهكذا تبقى المراوحة في توصيف التاريخ في مشهدية جوفاء تشبه مشهدية الحرب الأهلية اللبنانية والخلاف حول بعض الشخصيات السياسية القتيلة، هل ينبغي وصف أصحابها بالعملاء أم الشهداء؟!

وليس الخلاف العوني(اللبناني) والأردوغاني(التركي)، حول التاريخ، الأول من نوعه. فقبل سنوات، وفي خضم "الربيع العربي"، ألقى أردوغان خطاباً على وزراء الخارجية العرب في القاهرة قال فيه إن "تركيا والعرب يشتركون في العقيدة والثقافة والقيم"، و"كان في التاريخ التركي شاب تولى إنهاء حضارة سوداء وتدشين حضارة جديدة عريقة عندما فتح اسطنبول وهو محمد الفاتح". هذه العبارات لقيت "تشجيعاً" من جمهور مصري "متأسلم" كان يبحث عن دوره بعد سقوط نظام مبارك، في المقابل أثارت غيظ الكثيرين في لبنان تحديداً... فقد علق المطران اللبناني جورج خضر في جريدة "النهار" على كلام اردوغان وسأل: "هل قرأ اردوغان الحضارة البيزنطية التي يسميها سوداء. الأتراك عسكر اقوياء استطاعوا مع مؤامرة الأساطيل الغربية التي كانت تربض هناك ان يغلبوا اعظم فكر حضاري السنة الـ1453. ولكن كيف يريد السيد اردوغان ان يقنعنا بأن الحضارة المتكاملة العناصر والخلاقة والسامية روحياً حتى السماء كانت سوداء. كيف لا يرى أن نهضة أوروبا ما أخذت تظهر الا بهجرة العقول البيزنطية الى الغرب الذي اقتبس منهم العقل الاغريقي وأنشأ الفكر الحديث؟"...

بعد أيام على نشر المطران خضر مقاله، أعاد الرئيس ميشال عون(كان نائياً) تكرار ما قاله خضر والهدف من كلامه كان التركيز على الخطر التركي(العثماني)، إذ أن تركيا تموضعت إلى جانب المعارضة السورية ضد الأسد بعد بدء الاحتجاجات المدنية والسياسية. ولفت عون الى أننا "سمعنا باستغراب ما قاله اردوغان في اجتماع الدول العربية ويبدو انه يجهل التاريخ القديم والحديث لأن بيزنطة تمثل، مع كل شاطئ البحر الأبيض المتوسط، عصارة الحضارة المتوسطية"، مشيراً الى ان "بيزنطة تأسست في القرن السابع قبل الميلاد وحملت مجد الأباطرة وتاريخ الحضارة الفكرية المعمارية الموسيقية، وإذا كان هناك أي شيء له قيمة من هذه الناحية في تركيا، فهو من انتاج بيزنطة"، مضيفاً أن "المنبثقين من الحضارة التركية الماغولية لم يعطونا شيئاً ونحن عرفنا الويل أثناء الحكم التركي والتعصب حصل في العصر التركي بينما في عصر خلافة الأموي والعباسي كان كل الناس مواطنين"...

يوم حصل هذا السجال (الاردوغاني العوني) كان يمكن تأويله على أكثر من وجه، خصوصاً في طريقة توظيف شذرات متناثرة من التاريخ في بعض الخطابات والمقالات والمؤتمرات الصحفية. فما قاله أردوغان عن محمد الفاتح في تلك الفترة كان يصب في خانة "الفتوحات التركية الجديدة" بطريقة "القوة الناعمة"، ومحاولة إيجاد "فيزا" الى قلب الجمهور العربي، وفيه شيء من الطموح والحنين لإعادة الاعتبار للدور التركي في الشرق الأوسط بعدما انهارت السلطنة العثمانية مع نشوب قيام الحرب العالمية الأولى. كان أردوغان في ذروة صعوده وتمدده، وكان يرى في مشهد الربيع العربي أملاً جديداً لمزيد من من التمدد، فهو كان لا يتردد في دغدغة العواطف العربية و(الاسلامية) مثل عودته في خطاب القاهرة إلى مقولة الخطاطين الشهيرة: ''القرآن نزل في مكة وقُرئ في مصر وكُتب في اسطنبول''... وحرص أردوغان على أن يردد هذه العبارة باللغة العربية.

أما ما قاله عون فأتي في سياق شد "العصب الأقلوي". علّق عون على الظلم في زمن الحكم العثماني، مادحاً الحضارة البيزنطية، لكنه لم يقرأ ما قاله المؤرخ كمال الصليبي أيضا بأن البطريرك أسطفان الدويهي، وهو مؤرخ ماروني من القرن السابع عشر، يشير إلى أنه "كان على الموارنة أن يغادروا وادي العاصي إلى جبل لبنان نتيجة للاضطهاد البيزنطي وليس المسلم". ويضيف الصليبي إنه "بين العامين 969 و1071، كان البيزنطينيون من يسيطر فعلياً على وادي العاصي. لا بد أنهم عرّضوا الموارنة إلى ما يكفي من الاضطهاد لإجبارهم على ترك المكان والانضمام إلى رفاقهم في الدين في جبل لبنان"...

ليس الهدف من هذه المقالة إلا القول أن عودة البعض إلى التاريخ في لبنان، تأتي في معظم الأوقات من منظار إيديولوجي وبراغماتي هزيل، وكل على هواه...

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها