آخر تحديث:12:39(بيروت)
الأحد 29/09/2019
share

وحشة ليل القاهرة.. واختفاء الروائي محمد علاء الدين

هشام أصلان | الأحد 29/09/2019
شارك المقال :
وحشة ليل القاهرة.. واختفاء الروائي محمد علاء الدين الروائي محمد علاء الدين
 
حل المساء على القاهرة، يوم الجمعة الماضية، كما لم نره منذ ولدنا. كأنها مدينة نامت بأكملها، للمرة الأولى، مبكرًا. شوارع وسط البلد افتقدت أصحابها. مستطيلات طويلة جرداء تفصل بين ميادين تحولت لأبواب موصدة بمدرعات الشرطة، بينما تمر سيارات قليلة حول محيطها يسعى سائقوها للوصول إلى منازلهم أو مصالحهم أو أصحابهم باحثين من دون أن يتعرضوا لتفتيش هواتفهم المحمولة في نهاية أسبوع شديد القسوة بأداء جديد ومدهش لرجال الشرطة. تجلى الرعب بين المارة، بعدما بات عاديًا بين ليلة وضحاها أن يوقفك رجل الأمن بزي مدنيّ ليطلب منك أن تفتح صفحتك على فيسبوك من هاتفك المحمول للتفتيش في رسائلك ومنشوراتك، ما هو كفيل بسجن أعداد هائلة لمتبادلي الصور الساخرة من السلطة، أو ممن يتناقشون في رسائل "الإينبوكس" حول راهن الأوضاع، أو من تفاعل مع الأحداث بتدوينة غاضبة. لم يعد النشاط السياسي الواضح سببًا وحيدًا للقبض عليك. تكفي صورة الرئيس مصحوبة بتعليق غير لائق، أو عبارة من قبيل: "الحرية لفلان". لطالما كان هذا خطرًا إن التفت الأمن إلى نشاطك على السوشال ميديا، غير أن الخطر تضاعف وتضاعف مع انتشار تفتيش هواتف المارة العاديين في الشوارع. كابوس هرب منه الجميع بتحاشي السير في شوارع وسط البلد، بينما كان البعض سيء الحظ فألقي القبض عليه قبل أن تصل إلى مسامعه تلك الأخبار العجيبة. باختصار، نجحت الشرطة في إخلاء الأماكن المحتملة للتظاهر الذي كان متوقعًا يوم الجمعة، في احتشاد أمني غير مسبوق، واستطاعت عبره إرسال شعور بأن من يترك بيته فهو خارج دائرة الأمان. والأمان، ليس مجازًا، هو ألا تقابل شرطيًا صدفة.


على الجانب الآخر من المدينة، بالقرب من ميدان رابعة العدوية، كانت احتفالية ضخمة لتأييد الرئيس، والتأكيد على "كلنا معاك"، دعي إليها عدد من الفنانين الذين ذهبوا للغناء والرقص للترفيه عمن لعبوا دور المؤيدين، الذين لا يخفى على أحد أنهم خرجوا بالأمر المباشر، خليط بين موظفي شركات وبسطاء هرعوا للفوز بوجبة طعام بسيطة ومعهم شباب كثر يرتدون زيًا موحدًا، فيما أحيا الحفل عدد ممن تحولوا إلى أراجوزات للسلطان، لعل بعضهم إضطر حفاظًا على لقمة العيش، غير أن فداحة الواقع لن تنظفها أية نوايا في لحظة زمنية لم يُر في وساختها أي مُهتم للمجال العام في ما نعرف من تاريخ حديث.
(علاء عبد الفتاح في صورة قديمة)
خرجنا من الأسبوع الماضي وليس بيننا كثيرون. المحامون الحقوقيون قالوا إن المعتقلين تجاوزوا الألفي شخص غالبيتهم قُبض عليه بشكل عشوائي، فضلًا عن اعتقال عدد من الشخصيات السياسية العامة... أتذكر منهم المحامية والناشطة السكندرية، الناشط السياسي المعروف علاء عبد الفتاح، الذي يقضي بالفعل حكما بالمراقبة وذلك بالمبيت يوميا في قسم الشرطة، حيث لم يخرج من القسم في موعد انتهاء المراقبة وأعلنت أسرته عن ترحيله لنيابة أمن الدولة، ماهينور المصري وأستاذ الفلسفة المعروف حسن نافعة... وغيرهم. الحياة الأدبية المصرية استيقظت، أمس الأول، لتشعر باختفاء الروائي والصديق العزيز محمد علاء الدين. صاحب رواية "إنجيل آدم" كان نزل من بيته في طريقه إلى صديق. لم يصل إلى صديقه ولم يعد لمنزله، ذلك فضلًا عن الشاعرة والصديقة، أيضًا، أمينة عبدالله، التي كانت مستريبة في الداعين إلى التظاهر ودعت لعدم النزول، ليتم القبض عليها أثناء شرائها مستلزمات منزلية فجر السبت الماضي. الاثنان، علاء وأمينة، غير معروف طريقهما. لم يظهر، حتى كتابة هذه السطور، اسم أي منهما في أية أوراق أو نيابة أو محكمة. لا تسأل، لطفًا، عن أي أدوار لاتحاد الكتاب. ذلك عبث بيّن في ظل انعدام كامل لأي استقلال مؤسسي على أي مستوى أو مجال. البحث عنهما لا يزال جاريًا، لا نأمل في شيء إلا أن يخرجا بسلامة جسدية، أما ما قد يصيب نفسيتهما من كسور فالتفكير فيه يعد شيئًا من الترف، عندما فقد الاعتقال السياسي هيبته، وصار شرفاً متاحاً للجميع.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها