آخر تحديث:15:58(بيروت)
الخميس 26/09/2019
share

لا فائدة من المنع... المثليون باقون ويزدادون فخراً

يارا نحلة | الخميس 26/09/2019
شارك المقال :
لا فائدة من المنع... المثليون باقون ويزدادون فخراً من تظاهرة في بيروت ضد الهوموفوبيا العام 2013 (أ ف ب)
دق رجال الدين ناقوس الخطر، فاستجابت الدولة في استنفار أجهزتها الأمنية معلنةً عن عودة "هيبتها" من فرصةٍ طويلة. وفي غضون ساعات قليلة، استفاقت مؤسسات الدولة من سباتها العميق تأهباً للخطر المحدّق، ففرضت النظام والاستتباب الأمني، محكمةً قبضتها على مجتمعٍ يتآكله الفساد والإنحلال الأخلاقي. فهنيئاً للبنانيين بدولةٍ قرّرت أخيراً تحمّل مسؤولياتها والسهر على مصلحة مواطنيها لتقيهم من كل شرّ، خصوصاً شرّ "الحقوق والحريات الشخصية والجنسية".

فعلى أثر تنظيم فعاليات أسبوع "Beirut Pride 2019" (فخر بيروت) التي كان من المقرّر أن تنطلق في أمسية إفتتاحية السبت، إحتفاءً بالتنوع وتنديداً بالتمييز ضدّ أفراد مجتمع الميم (مثليون ومثليات ومزدوجو ومتحولو الجنس)، سارع المفتي السابق محمد قباني إلى الإعتراض، المناشدة، التحريض، والتهديد. وبعد إجرائه إتصالات مع المعنيين، ومطالبتهم بـ"إدراك مسؤولياتهم المنوطة بهم في الإنتخابات اللبنانية والتجاوب مع مطالب اللبنانيين في حماية أخلاقهم العامة"، أعلن المنظمون أمس، تعليق أمسية الإفتتاح "إثر الضغوط والتهديدات التي طاولتهم وإدارة مسرح "أريسكو بالاس" بالحمرا، حيث كان من المقرّر انعقاد الأمسية. وقد تلقّى المنظمون إتصالات من أجهزة أمنية، تهدد بإعتقال جميع المشاركين في حال إجراء الحفلة، وأصدروا بياناً أوضحوا فيه كامل الملابسات.

بيان المفتي السابق جاء حافلاً بالتهديد والوعيد المبطنَين، فحذّر من مساعي القيمين على الإحتفال إلى "تشريع الزواج المثلي في لبنان"، أي "تشريع قانون قوم لوط" على حدّ قوله، مذكّراً بما أصاب هؤلاء القوم "الّذين زلزل الله بهم وبديارهم الأرض". عبّر بيان قباني عن هلع المؤسسة الدينية السنية إزاء "هذا المصير"، مصير "تهاوي لبنان في حياته العامة من فساد إلى فساد وأفسد". أضحى معلوماً أن نشاطات مجتمع "الميم" ودعواته إلى الإقرار بحقّه في الحرية والعيش الكريم، الذي لا ينغّصه التمييز والاضطهاد، تستفز مشاعر "الغيرة الدينية" لدى دار الإفتاء، وهي مشاعر لم تفلح في استثارتها قضايا الفساد الإقتصادي المستشري في الدولة، ولا قضايا الإغتصاب التي إستضافها دار الأيتام الإسلامية ولم يحرّك دار الإفتاء ساكناً من أجلها. كما لم تتحرّك مشاعر الإيمان و"الوطنية" التي يزعمها البيان في وجه الأزمات الحاصدة لأرواح المسلمين، واللبنانيين عموماً، من أزمة نفايات، وموت على أبواب المستشفيات، والتلوّث المسرطن للهواء والمياه.

وبالطبع هي ليست المرّة الأولى التي تُستهدف فيها نشاطات المثليين ومنصاتهم، وليست دار الإفتاء المؤسسة الوحيدة التي اتخذت على عاتقها مسؤولية محاربة "المخلين بأمن الأخلاق العامة". فللمفتي قباني نظير مسيحي، هو الأب عبدو أبو كسم، الذي قاد معركة الأخلاق والأصولية الدينية على حفلة "مشروع ليلى" في آب الماضي، والتي اعتبر إلغاؤها ضرباً لحرية التعبير التي يطالب بها مجتمع "الميم"، لما تمثّله الفرقة من رمزية بالنسبة لهذا المجتمع، إذ يُعدّ بعض أعضائها من أوائل الفنانين الذين جاهروا بميولهم الجنسية المثلية.  

وهنا لا بدّ من تذكير قباني بأن إلغاء حفلة "مشروع ليلى" في جبيل، أفضى إلى إجراء حفلة أخرى في بيروت، أكثر نجاحاً وشموليةً وإستقطاباً للجماهير اللبنانية الشابة، والتي لم تقتصر على المثليين، بل ضمّت طيفاً واسعاً من مناصري قضايا الحريات الجنسية وحرية التعبير على حدّ سواء. إن جهود أبو كسم وأتباعه في ميدان خطاب الكراهية، ذهبت سدىً في غضون ليلة واحدة، هي ليلة 9 آب 2019، والتي أضحت عنواناً لمعركة حقوق وحريات يقودها الشباب اللبناني ضدّ القمع والإسكات. في هذه الليلة، قال فنانو لبنان وناشطوه كلمتهم. وفي مقابل كلّ فنّان يتمّ إسكاته، ستعلو أصوات العشرات من الفنانين.

لا فائدة إذاً من المنع والقمع، أو إنكار وجود المثليين، كما تتصرّف دار الإفتاء حين تتوانى عن الإستجابة إلى دعوة القيمين على "بيروت برايد" إلى الاجتماع والنقاش. فالمثليون يشكّلون اليوم فئة لا يستهان بها من المجتمع اللبناني، وهي فئة آخذة في التعاظم، مع سقوط الوصمة الإجتماعية التي التصقت بالمثلية الجنسية لوقتٍ طويل، ومع تزعزع مبادئ الثنائية الجنسية ونبذها بشكلٍ واسعٍ على الصعيدين العالمي والعربي. عليه، لا يجوز للمفتي أن يتحدّث عن "مطالب اللبنانيين" بمنع الحفلة أو التصدّي للمثليين، فالهوية الجنسية المغايرة ليست شرطاً مسبقاً للمواطنة. والهوية اللبنانية ليست حكراً على المؤمنين أو المطابقين للأدوار الجندرية التقليدية.

والجدير بالذكر أنه قبل الإعلان عن إلغاء الحفلة، شُنّت ضدّها حملة مقاطعة لم تكن المؤسسات الدينية خلفها، وإنما جاءت من داخل مجتمع "الميم" نفسه، على خلفية استئثار فرد واحد بهذا النشاط الذي يعني مجتمعاً كاملاً، وعدم إشراك أشخاص آخرين في عملية إتخاذ القرارات أو التعبير عن هواجسهم، بالإضافة إلى عدم تأمينه الحماية القانونية والأمنية اللازمة للمشاركين في فعاليات "برايد بيروت". يبدو إذاً أن عقبات كثيرة لا تزال تعترض مسار مجتمع "الميم" نحو الحرية، منها ما هو داخلي مرتبط بتحديات التنظيم السياسي وترتيب البيت الداخلي، ومنها ما هو خارجي متجسّد برهاب المثلية وخطاب الكراهية المهدّد للسلامة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها