آخر تحديث:14:39(بيروت)
الإثنين 23/09/2019
share

لبنان.. حين لا يفتعل إكزوتيكية الهويات وحدوثية الحرب

روجيه عوطة | الإثنين 23/09/2019
شارك المقال :
لبنان.. حين لا يفتعل إكزوتيكية الهويات وحدوثية الحرب في صُور ميريام بولس.. النساء لا يكدن يتفلتن من بطريركية، حتى تلتقطهن أخرى
غالباً ما يدور تمثيل لبنان عبر الفن الرسمي في باريس، وفي كل مدينة أوروبية، حول أمرين متصلين. الأول، افتعال إكزوتيكيته الهوياتية، التي تتعلق بطوائفه المتجاورة اجتماعاً، والتي قد تنقلب إلى بربريتها. والثاني، افتعال حدوثيته، التي تتعلق بحرب أهله، والتي من المفترض ان تنم عنها حكاية ما زال أثرها دائماً. لكن، التمثيل هذا، وعلى النحوين، سرعان ما يبلغ فشله.

إذ إن الافتعال الأول لا تشوبه اي غرائبية، بل إنه يحل بذاته غرائبيا أمام موضوعه، اي ذلك الاجتماع، الذي لا يُعالج، وكما هو معلوم، بالتسحير المشابه، وفي نهايته، لهذيان الانعزال. كما أن الافتعال الثاني ينقلب إلى استدعاء للحرب، أو بالأحرى استنجاد بها كحدث محلي في حين  افتقار البلاد للحوادث، التي تمد مواطنيها بقوة سردية، ينقلونها ويتقاسمونها عالمياً. باستدعائها أو بطلب النجدة منها، تؤلف تلك الحرب خبراً واحداً ومونوتونياً، مفعوله سارٍ، لكنه، وفي قَصّه، يؤكد العكس، فينطوي على حنين اليها.

من هنا، تصير زيارة معرض "لبنان، حقائق واقعية وتخييلات"، الذي يستقبله "معهد العالم العربي" ضمن احتفائية "البينالي الثالث لمصوري العالم العربي المعاصر"، تمريناً على البحث عن ذلك التمثيل بالتوازي مع التنبه إلى صلة التصوير، أي الأعمال الفوتوغرافية، به. هذا التمرين، بدايةً، لا ينعقد على صعوبة، بحيث أن التمثيل محصور في مطرح بعينه، وهو المكتوب، الذي يفتح كل زاوية مخصصة لفوتوغراف دون غيره. أما التصوير، فكما سبقت الإشارة، تشكله مجموعة هذا الفوتوغراف. بالتالي، التمرين هو الوقوف على العلاقة بين التمثيل والتصوير، إن كانت تطابقية أم لا.


(تصوير: نديم أصفر)

فعلياً، هذه العلاقة، وفي الكثير من الزوايا، تبدو أنها شبه معدومة. ففي زاوية نديم أصفر، يتطرق المكتوب فيها إلى تأثر الفوتوغراف بالحرب، لكن المعروض الذي حمل عنوان "الجبل"، ينفصل عن محور هذا المكتوب، ويدور حول حواشيه، أي طبيعة الحدود، وعمرانها، ويتعدى هذه الحواشي إلى طريقته التي تفيد بالتقاط المشهد، أو بالأحرى المنظر، من مواقيت ضوئه، الذي يساهم في ترحيب أو تضييق فراغه. على أن زاوية تانيا طرابلسي، تتحدث عن "تحقيق هوياتي"، تزاوله الفوتوغراف بين لبنان والنمسا، لكن المعروض لا يبين سوى أن هذا التحقيق ليست الهوية غايته.


(تصوير: تانيا طرابلسي)

فبوضع صورتين مختلفتين، جنباً إلى جنب، تصير هذه الغاية بمثابة ربط بين منظَرين، لا داعي لردّهما إلى المنشَأين إياهما، بل الإتكاء على الإحالة بينهما. ففي صورة الامتزاج العمراني، الذي تشوبه خُضرة، تُجاوِرها صورة ستارة تنسدل على نافذة، يبدو هذا التجاور بمثابة استتار، وبعبارة أخرى، الإمتزاج يقع وراء الستارة، أو أن الستارة تخفيه. وفي زاوية ميريام بولس، يبدو أن المكتوب لا يتعلق بالتمثيل إياه، إنما بغَير يلتصق به دوماً. فبدلاً من أن يتمحور حول الحرب، يستعيض عنها بالاحتفال، غير أن المعروض لا يبدو، وفي الكثير من صوره، مطابقاً له، بل يظهر على قسوة تناقضه، أو بالأحرى تجليه. وفي هذه الأثناء، تظهر النساء فيه كأنهن لا يكدن يتفلتن من بطريركية، حتى تلتقطهن واحدة أخرى. تدرك الفوتوغراف كيف تبرز بعض مقالبها، كما في صورة الشابة الجالسة على أرض بين الواقفين حولها.

وفي حال كان التمثيل ما زال يحظى ببعض الوقع على التصوير في تلك الزوايا المذكورة، فهو، في غيرها، يكون متلقياً لوقع هذا التصوير عليه، وبالتالي يتحول. ففي زاوية لارا تابت، ينتج التصوير تمثيله، أو أن المعروض الذي عنونته: "الجانب المظلم من المجتمع" ينتج مكتوبه، ليدور معه، وبالتخييل، حول جرائم يرتكبها قاتل متسلسل في بيروت، وبالتأريخ، حول علاقة الفوتوغرافيا بالكريمونولوجيا. فتُظهر تابت جثة في نواح معينة من مدينتها، وعليها، تلقي عتمة أو ضوء. وعلى منوالها الفوتومونتاجي، تذهب ماريا كساب بتصويرها إلى التركيب، ليغدو البحر في صورها أشخاصاً، أو ليحتل مطارح ليست له، من قبيل الأسرة. وعندها، يكون المكتوب عن هذا المعروض مجرد علامة على تقنيته، وفي النتيجة، يكون نافلاً.


(تصوير: لميا ماريا أبي اللمع)

وفي سياق المضي بالتصوير إلى تأليفه، ترتفع زاوية كارولين تابت، ومجموعتها، التي تنفصل بالتمام عن تمثيلها في المكتوب، وتصير منفردة بصورها، التي تستخلص ما يمكن تسميته، ومن دون دقة، إنطباع الالتقاط بالإستناد إلى استعمال سالبه (نيغاتيف). على أن تغيير التصوير يترافق مع تغيير موضوعه، ليصير حُلُمية اللجوء في مجموعة عمر إمام، أو الخلاء في مجموعة ديمتريس كوالالالوس، أو مبنى "شركة الكهرباء" في مجموعة فيكي مقبل، أو التشييدات في مجموعة إيفا سودارغيتي دويهي.

لا ينحصر المعرض في تلك الزاويا، بل ثمة أخرى بالطبع. وبهذا، لا يعود لبنان المعرض هو نفسه لبنان التمثيل. لكنه، وعلى العكس، يبرز على خلافه. وهذا لا يلغي أنه، حتى في هذا المطاف، يظل، ومن بعض جهاته، على صلة معه، تماماً كما في صلة الحرب بالحفل. بالتالي، ثمة فرقة بين الإثنين. مرة تطابق متخلخل، ومرة انفصال فعلي، وعندما تكون على هذا النحو الأخير، يغدو التصوير ماكناً، بحيث أن البلاد لا تثير شفقة ولا اندهاشاً، إنما فقط تكون... وفي الصور على الأقل. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب