آخر تحديث:08:53(بيروت)
الأحد 22/09/2019
share

فولكر شلوندورف مكرّماً في بيروت.. إنساني، ملتزم، مزعج

محمد صبحي | الأحد 22/09/2019
شارك المقال :
  • فولكر شلوندورف مكرّماً في بيروت.. إنساني، ملتزم، مزعج
  • الطبل الصفيح' وأول أوسكار لفيلم ألماني
    الطبل الصفيح' وأول أوسكار لفيلم ألماني
  • خلال تصوير 'موت بائع متجول
    خلال تصوير 'موت بائع متجول
تحتفي بيروت هذه الأيام بالمخرج الألماني الكبير فولكر شلوندورف (1939)، عبر استعادة لأربعة من أفلامه ومحاضرة يلقيها، ضمن فعاليات النسخة السادسة من أسبوع الفيلم الألماني. في السطور التالية إضاءة على بدايات شلوندورف وتحية لمسيرته السينمائية الرفيعة:

بدايةً، يصعب تصديق أن هذا المعلم الألماني بلغ الثمانين قبل شهور، إذ يبدو أصغر سناً وأصفى ذهناً مما تدّعيه سنوات العمر الطويلة خلفه. حتى أن ناقداً ألمانياً استغرب لقياه، في مناسبة بلوغه الثمانين، لابساً سترة رياضية وهو يهمّ بدخول إحدى صالات السينما لإجراء حديث صحافي، قبل أن يزيل السينمائي العجوز اللبس بقوله "لقد جئت لتوي من سباق نصف ماراثون". رجل يصعب تصنيفه أو تأطيره، حاضر الذهن وقادر على مباغتتك ببديهة سريعة، صادق وصريح، لا يزال يحمل بداخله روحاً شابة مستعدة لاستئناف الأشياء. وهو إلى ذلك، صريح ولا يضلّ حديثه في طرق التفافية، تماماً كما تتحدّث بذلك أفلامه. في مهرجان برلين عام 2017، حيث عُرض آخر أفلامه "العودة إلى مونتاوك"، أكثر أفلامه ذاتية، صرّح أنه يتناول فيه حب حياته السعيد/الفاشل، وأخطائه، واخفاقاته، وارتباكاته. الكبرياء والشكّ، الثقة بالنفس، السعي وراء العدالة والإنصاف؛ كلها ملامح تتشابك عنده بلا انفصام، على نحو لا نراه سوى في عدد قليل من الفنانين المنفتحين للحديث بصراحة عن ذلك.


كان شلوندورف مختلفاً بعض الشيء عن باقي أقرانه ومجايليه الألمان، أبرزهم بالطبع فيرنز هيرتسوغ وفيم فيندرز، ممن تحلّقوا حول "مانفيستو أوبرهاوزن"، سواء على مستوى موضوعات أفلامه أو في انحيازه السياسي اليساري أو في اقتحامه مجال الإنتاج السينمائي لضمان استقلاليته كفنان. فالمخرج السينمائي المنحدر من جبال تانوس (شمال فرانكفورت، في  وسط غرب ألمانيا)، قادته أقدار مراهقته إلى المشاركة في برنامج لتبادل الطلاب، فذهب إلى فرنسا لإكمال دراسته الثانوية داخل مدرسة داخلية يسوعية في بريتاني، ومكث هناك عشر سنوات بدلًا من شهرين كما كان مقرّراً. في العام 1959 تخرّج في الثانوية العامة في باريس ونال شهادة البكالوريا الفرنسية (وكان من بين زملائه في الصف المخرج برتراند تافرنييه)، ثم عاد إلى باريس لدراسة العلوم السياسية، ولم يكتف بها، فنقل اهتمامه لدراسة علوم التصوير السينمائي (بناء على تشجيع آحد آباء المدرسة اليسوعية المحبين للفنون) في كلية الدراسات العليا في التصوير السينمائي في باريس، حيث تعرّف على المخرج لوي مال، فجمعتهما في السنوات اللاحقة عدة أعمال مشتركة. بالإضافة إلى مال، عمل شلوندورف مساعداً لمخرجين من أبرز روّاد "الموجة الجديدة"، هما آلان رينيه وجان بيير ميلفيل. كان لتلمذة شلوندورف على أيدي هذا الثلاثي تأثيراً حاسماً أيضاً على الحياة المستقبلية للمخرج السينمائي. فالإنسانية الهادئة لمال، ورهافة رينيه في سينماه الإنسانية العميقة، واشتغالات ميلفيل البصرية؛ تبدو أصداؤها جلية في مسار شلوندورف السينمائي اللاحق بعدما تشرّب الصنعة في سنوات تكوينه الباريسية، وتأثر بسعي من تعاون معهم من مخرجين شباب لهجر القوالب الجاهزة والاستديوهات العقيمة والنزول إلى الشارع والناس.

في العام 1960، أخرج ابن الـ 21 عاماً فيلماً قصيراً تحت اسم مستعار بعنوان "من يهتم؟"، تناول فيه حياة شاب جزائري يعيش في فرانكفورت رابطاً بينها وبين حرب فرنسا في بلده المحتل، غير أن سلطات الرقابة لم تسمح بعرض الفيلم بسبب "انحيازه ضد دولة صديقة". الانحياز للقضايا العادلة والإنسانية لن يغيب عن بال ومسيرة شلوندورف منذ سنواته الأولى، مثلما لن يسلمه ذلك من الانتقادات، كحال كل مبدع يرفع صوته في وجه كل من يريد إبقاء الحقيقة في الخفاء. وحين أراد إخراج فيلمه الطويل الأول،"تورليس الصغير"، عاد إلى ألمانيا، ووقع اختياره على باكورة أعمال الروائي االنمساوي روبرت موزيل لتكييفها سينمائياً. ظهرت الرواية عام 1906، تحت عنوان "تشوّشات تورليس الصغير"، ومن خلالها عاد المؤلف صاحب الـ 26 عاماً حينها إلى أيامه السابقة في ظل الظروف الاستبدادية السائدة في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى في معهد كاديت التعليمي العسكري. كان فولكر شلوندورف في نفس العمر تقريباً عندما اختار الرواية لفيلمه الأول، وربما استند أيضًا إلى تجاربه الخاصة في مدرسة بريتاني الداخلية. تشابهات تفيد في فهم ميل السينمائي الألماني الشاب إلى ذلك النصّ تحديداً، معطوفة على طبيعة الرحلة الصعبة التي يتعيّن على البطل خوضها للاندماج في مجتمعه.

حصد الفيلم نجاحاً باهراً، وحاز ثلاث جوائز في مهرجان الفيلم الألماني عن أفضل فيلم، وأفضل إخراج، وأفضل نصّ سينمائي، كما حصد جائزة نقاد السينما الدوليين في مهرجان كان السينمائي عام 1966. في العام التالي، ذهب شلوندورف إلى "كان" من جديد بفيلمه "دم ورعد"، كممثل وحيد لألمانيا في مسابقة المهرجان. لكنه اضطر للانتظار حتى عام 1975 ليحقق أول نجاح كبير له في بلده، مع فيلم "شرف كاترينا بلوم الضائع"، عن رواية بنفس الاسم لهاينريش بل، والذي شارك في كتابته وإنتاجه وإخراجه مع مارغريت فون تروتا (عمل معها ابتداء من فيلمه الثالث "مارك كولهاس: المتمرّد"، ثم تزوجها في العام 1971). رغم ذلك، تعرّض لهجوم الحزب الديمقراطي المسيحي وإحدى دور نشر الصحف، بسبب انتقاده (في الفيلم، كما في الرواية) أساليب عمل الصحافة الصفراء والشرطة في التصدي لليساريين، وتصويره لمقاتلات "جماعة الجيش الأحمر" (يعرف أيضاً بـ"مجموعة بادر ماينهوف") المسلحات كبطلات، وبسبب مشاركته في "صندوق المساعدة القانونية للدفاع عن السجناء السياسيين". في السنوات الثلاث التالية تعاون مع المخرج المرموق ألكسندر كلوغه في إنتاج وإخراج واحد من أفضل أفلام "السينما الألمانية الجديدة" بعنوان " ألمانيا في الخريف" تناولا فيه الأوضاع الألمانية في زمن النشاط المسلح لجماعة الجيش الأحمر، كما أخرج فيلمين يعالجان المشهد السياسي في محاولة لتقديم قراءة سياسية مناقضة لأخبار وسائل الإعلام في مشاهد تمزج بين الوثائقي والخيالي.

عن بداياته يقول شولوندورف إنه في الأسابيع الأولى بعد عودته إلى ألمانيا، تعرّف إلى المخرجين فيرنر هيرتسوغ وبيتر شاموني، لكنه وجدهما مخرجين نظريين إلى حد كبير، متأثرين بمناهج "مدرسة فرانكفورت" النقدية وعلم الاجتماع، بينما كان سعيه أن يصبح "مخرجاً عملياً". العملية التي أرادها، ربما هي ذاتها ما أثقلت شعوره بافتقار الثقة بالنفس لتناول قصص شخصية في أفلامه الأولى. وربما يكمن السبب في موت أمه المبكر المفاجئ، الذي جعله يصادق الكتب فأصبح يذهب في كل مساء إلى الفراش وفي يده كتاب، أو كما قال يوماً "إن الأدب بالنسبة له يحتل نفس الدرجة من الأهمية كالسينما". سارع إلى الأدب للعثور على ضالته، فذهب إلى موزيل وبريشت وماكس فريش ومارسيل بروست وآرثر ميلر وغونتر غراس وغيرهم.


والحقيقة، إن شلوندورف ليس مجرد مخرج مولع باقتباس الأعمال الأدبية، كما قد تشير بسذاجة نظرة سريعة على عناوين أعماله. أفلام الأسبوع البيروتي دليل واضح على تمكُّن شلوندورف من أدواته السينمائية لتكييف الأعمال الأدبية، فهو ليس مخرجاً صنائعياً فحسب، بل خالق سينمائي يعرف كيف يصالح بين وسيطين مختلفين ويمزجهما للإتيان بشيء جديد. يتشرّب النصّ، و"يقيّفه"، ثم يضبط مقادير طبخته البصرية، كأنه يعيد كتابته للسينما، فتتم عملية الأفلمة. "تورليس الصغير" (موزيل)، و"بعل" (بريشت) و"موت بائع متجول" (ميلر)، و"دبلوماسية" (سيريل جيلي)؛ شواهد مثالية للوقوف على رحلة سينمائي وتطور أسلوبه على مدار زمني يتجاوز أربعة عقود. يمكن للمتفرج ملاحظة غوص نفسي داخل أعماق الشخصيات، اعتماداً على سرد كلاسيكي. يمكن أيضاً رؤية كيف يصير الفرد مرآة مجتمعه، تنعكس على معاناته الشخصية مفاعيل انهيار وسطه المحيط. وبالطبع، تحضر الحرب العالمية الثانية، في صدارة المشهد أو رابضة وراء أحداثه، كما في كل أعمال زملاء جيله الألمان، نشهد تأثيراتها في بنى المجتمع الألماني ومآلات أفراده المحكومون بمصير أكبر قدرتهم على دفعه. ودائماً، دائماً ثمة التزام سياسي كفيل بجعل فيلمه وثيقة على نبض عصره، مثلما هو انتصار لمبادئ الحق والعدالة والانحياز لضحايا التاريخ.

حين عُرض فيلمه الأول، "تورليس الصغير"، في مهرجان كان عام 1966، خرج الملحق الثقافي الألماني من القاعة وأعلن استيائه بصوتٍ مسموع. الآن، يبدو أن ألمانيا تريد ردّ الاعتبار للسينمائي الوحيد المتوّج بأوسكار أفضل فيلم. ناصر شلوندورف السجناء السياسيين من متطرفي اليسار في السبعينات، جالباً عليه لعنات الحزب الديمقراطي المسيحي، ثم دعم أنجيلا ميركل (مرشحة الحزب الديمقراطي المسيحي) في انتخابات 2009. إذا كان ذلك يبدو تناقضاً، فهو ليس كذلك في حالة شخص مثل شلوندورف لم يكفّ عن إحداث القلاقل أثناء رحلته في فضّ أحشاء تاريخ بلاده. صحيح أنه خرج بموضوعاته أبعد من ألمانيا، كثيراً، لكن أيضاً ما من سينمائي آخر، باستثناء كلوغه، تعامل مع التاريخ الألماني بجدية أكثر مما فعل.

في سيرته الذاتية التي صدرت قبل سنوات قليلة بعنوان "الضوء والظل والحركة"، يقول شلوندورف: "عندما سأبلغ الثمانين، يمكنني بعدها فعل ما أريد، ولا يكون على أن أثبت أي شيء". ربما حان وقت تفعيل الوعد.

(*) تعقد اليوم (22 أيلول/ الساعة الخامسة في متروبوليس أمبير صوفيل) ندوة مختصة عن الإخراج، فولكر شلوندورف، الراوي السينمائي، مع المخرج فولكر شلوندورف، يدير هذه الندوة المخرج هادي زكاك. باللغة الانكليزية. الدخول مجاني. يسبق الندوة المختصة عرض فيلم فولكر شلوندورف Circle of Deceit بنسخته المرممة الساعة الثالثة بعد الظهر. (1981، 108 دقيقة)...

(**) يقدّم معهد غوته لبنان وجمعية متروبوليس الدورة السادسة من "أسبوع الفيلم الألماني" بين 19 أيلول و1 تشرين الأول. وتتضمن 7 أفلام ألمانية حديثة الإنتاج، بالإضافة الى 5 أفلام تعرض كتحيّة تكريمية للمخرج الألماني فولكر شلوندورف بحضوره، بالإضافة الى عرض لفيلم ألماني صامت في الهواء الطلق مع عزف موسيقى حيّ ciné-concert يقام لدعم جمعية متروبوليس".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها