آخر تحديث:12:17(بيروت)
السبت 21/09/2019
share

عودة عامر الفاخوري "الخيامي" وجبهات الذاكرات والمصالح والريوع

وضاح شرارة | السبت 21/09/2019
شارك المقال :
عودة عامر الفاخوري "الخيامي" وجبهات الذاكرات والمصالح والريوع عودة الفاخوري إلا ذريعة ثوران أعمى يهدأ أو يدوم بعض الوقت، ولا ينتهي في الحالين، إلى معنى.
فتحت زيارة عامر الفاخوري إلى بلده "السابق" (لبنان)، وهو آخر آمر لمعتقل الخيام الاسرائيلي-اللبناني في عهد ولاية الضابطين اللبنانيين الرائد سعد حداد، ثم اللواء أنطوان لحد (1978-2000)، على جزء من جنوب لبنان، جبهات ذاكرات ماضية وراهنة، وجبهات صمت ونسيان، معاً. فدخول الضابط السابق والعامل في إمرة الاحتلال الاسرائيلي، الأراضي اللبنانية من مطار بيروت، وبعد تدقيق الأمن العام الذي لم تخفَه هوية العائد المستترة بجنسيته الاميركية "الجديدة"، أيقظ حروباً لم يطفئ رمادُها جمراتها، ولا يزال معظم محاربيها ومقاتليها أحياء يسعون، ولم تندمل جروحها. وهذه الحروب فرقت بين أنصار الاحتلال الاسرائيلي، والمحتمين به والمقاتلين في صفه، وبين أعدائه والثائرين عليه وعلى المنضوين إليه. ولكنها فرقت، في أوقات تالية، بين جماعات أعداء الاحتلال ومقاتليه، ولا تزال تفرق بينهم الى اليوم.

فتصدر استنكارَ العودة "الآمنة"، بذريعة العفو وتقادم الزمن، بعد إفشاء خبرها بواسطة جهاز الاعلام الفيلقي الخامنئي، بعض قدامى المقاتلين الشيوعيين واليساريين من مسجوني معتقل الخيام. وأحيا الاستنكار ذكرى الأسر والتحقيق والتعذيب والقهر الأليمة، من وجه أول. وبعث، من وجه آخر، خيال أو طيف الدور السياسي الذي اضطلع به يومها من قاتلوا الاحتلال الاسرائيلي تحت لواء "جبهة" اسمية وضعيفة البنيان الداخلي. وكيفما قُدِّر هذا الدور وثُمِّن، تُقدِّم أحزابُ "الجبهة" مقاومتها الاحتلال الاسرائيلي على خوضها الحروب الأهلية الملبننة في الأعوام السبعة السابقة (1975-1982) أو الأعوام العشرة، في قيادة قلسطينية متعاظمة السطوة. وذلك أن من يتصدون اليوم لوراثة هذا الدور، ويحسبون أنفسهم أيتامه المظلومين، يميلون إلى تعظيمه من طريق حيل حسابية مثل إحصاء إسهامهم في عدد القتلى الاسرائيليين إلى حين انكفاء قوات الاحتلال إلى الشريط والألف كيلومتر المربعة الباقية، والسهو عن أعوام 1985-2000، والأعمال العسكرية اليومية التي أفضت إلى جلاء الاحتلال، ورسخت الاستيلاء الحزب اللهي ومن ورائه السوري على شطر من لبنان واللبنانيين، وعلى السياسة والادارة العامتين.

وعلى هذا، فتذكر المعتقل وصنيع "كلاب حراسته" و"عمّال" الاحتلال المحليين عليه، لا يقتصر على رغبة في تأريخ أمين للاحتلال والعمالة، أو على رعاية عادلة لحوادث لم تمضِ وحرص على توزيع المسؤوليات. فهذه، على حقيقتها، لا تنفصل عن إيجاب هوية ودور أهليين، سياسيين وعسكريين، يرجو أصحابهما إعمالهما في تعريفهم تعريفاً راهناً. والإلحاح الحالي في تقويم الدور الظرفي رد على إرادة المنظمة "الاسلامية" تسويغ استبدادها بسوس معظم الدولة اللبنانية، وحملها الاستبداد هذا على حق وَقَفَه عليها وحبسَه انفرادها بـ"تحرير" الألف الكيلومتر المربعة. ويعود شطر راجح من تحويل إجلاء المحتل ريعاً ذُرياً (من الذراري، على شاكلة صنف الوقف هذا)، إلى "ولي الأمر" المرجع وبيت ماله وحرسه ومعسكراته وسلاحه، باسم حق الدم وحقوق عائلة "القتلى".

ويقضي ميزان الريوع هذا، وتوزيعه الغنيمة والفيء على الجند والمقاتلة، بتأخير مرتبة من يضعف دوره اليوم تبعاً لما يحتاج إليه صاحب النصر والولاية. فتبلغ مرونة الذاكرة- وحين شاع وصفها بـ"الشعبية"، في أوائل السبعينات الفلسطينية، نصبت فيصلاً قاطعاً في الهويات وأصالتها قبل أن تمسي خرقة بالية- مبلغاً يخول سدنتها المأذونين من أنفسهم إسباغ رتبتها على من شاؤوا، وحرمان من شاؤوا منها. فمن لا شك في إسهامه في هيئة أركان التنسيق والمواطأة والتوسل، ترفع مرتبته في جوق الشرف المزعوم. ويحصد هذا تثبيتاً لهوية الحليف، "الأبله النافع" موقتاً، وحطاً من هوية خصمه وتاريخه.

ولا تنفع تعبئة وقائع متفرقة أخرى ومختلفة في وجه الوقائع التي يلوح بها صاحب الحق "المظلوم". فبعض من ذاقوا المر في معتقلي أنصار والخيام كان جلاداً في معتقلات كثيرة وأقبية تعذيب وتقرير وإكراه انتشرت في ملاجئ أبنية قيد الانشاء و"على العظم" في معظم المدن "الوطنية". والمناضلون "الوطنيون" هجَّروا وسرقوا وقتلوا خارج مسارح القتال.

والأوصياء عليهم، وعلى هويتهم، ارتكبوا جرائم حرب وجرائم في حق الانسانية لا تحصى. و"المقاومة" هي بقية تصفيات متبادلة قتل "عبدالله" في أثنائها "عبيدالله"، واغتال سعد سعيداً، وانتهى عبدالله أن يكون القتيل وليس القاتل. فإنكار "مساواة الجلاد بالضحية"، أو "أنسنة العدو"- والمعنيان ركن في الخطابة الحرسية ومحاكمتها من علو أخلاقي وحقوقي شاهق صغار المتعاونين وأزلام السفارات- هذا الإنكار يتعثر بتعاقب فصول الحروب وتقلبها بين فصل وفصل. ومع الحروب، الهويات التي تصنع في سياقاتها، ويزعم فيما بعد أن الحرب نشبت دفاعاً عنها وعن تمامها.

ويختصر بعضهم المعضلة في "قانون" يزعم أن "التاريخ يكتبه المنتصرون". وهذا القانون من مادة "الذاكرة الشعبية" وصنفها، ومروجوه يتحدرون من دعاة الذاكرة هذه، وتسويغها العدوان والعنف لا إلى غاية، أو هم هؤلاء الدعاة الذين مد الله في عمرهم. ويلازم هذه الدعوى دعوى أخرى لا تنفك منها، تذهب إلى أن المغلوبين أو المستضعفين أو الضحايا (أي "الشعب") هم ثابتون على إمامتهم وحقهم وحقيقتهم في أحوالهم كلها: حين كانوا في سجون "الشاه" (والطاغوت عموماً) وحين يقصفون بالكيماوي والقنابل العنقودية والصواريخ الباليستية والعطش أكراد سنندج وبلوش زاهدان وعرب الاحواز، حين كانوا "المحرومين" وحين كلمتهم نافذة في الحرب والتهجير والصداقة والعداوة والفقر والثراء والتدبير والتعويض..

فخريطة الذاكرة وترتيبها الحوادث ومعانيها وانفعالاتها وجماعاتها، تستبق أبنية الهوية الوطنية وترهص بها، أو هي صدى لعمل البناء والهدم. واللبنانيون، على ما لاحظ كثيرون منذ عقود، طووا، طوعاً أو كرهاً، تواريخ منازعاتهم، واستغنوا عن "عمل" التذكر على وجهيه: وجه المداولات العمومية والمشتركة على رؤوس الأشهاد، ووجه التقصي والتحقيق القضائيين من غير حكم قضائي نافذ. وأفعال الندامة، أو الاعتذار، القليلة والمبتسرة وغير المعللة ولا الموثقة، لا تروي عطشاً. فلا أهل الرأي و(بعض) المعرفة، وهم ينوبون نيابة جزئية وظرفية عن "المجتمع" (كناية عما ليس الدولة ولا الأجسام السياسية والحزبية)، تولوا الأمر، ولا تولته "الدولة" وهيئاتها وأجهزتها. وعلى شاكلة حرب الكل على الكل، وصفقات الجماعات والكتل ومقايضاتها وضغائنها، أقامت الذاكرات على ثاراتها ومساوماتها الآنية والمضطربة وإغفالها المتربص والآني. وما عودة الفاخوري إلا ذريعة ثوران أعمى يهدأ أو يدوم بعض الوقت، ولا ينتهي في الحالين، إلى معنى.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها