آخر تحديث:12:21(بيروت)
الإثنين 02/09/2019
share

مرام المصري لـ"المدن": الثورة وضعتني أمام مصير الآخرين

تهامة الجندي | الإثنين 02/09/2019
شارك المقال :
مرام المصري لـ"المدن": الثورة وضعتني أمام مصير الآخرين أذهب دائماً للقراءات الشعرية ومعي علم الثورة
الشاعرة مرام المصري واحدة من كتّاب سوريين كثر، كانت نصوصهم تتمحور حول الذات، وتتميز بجرأتها العالية في تناول فضاءات الجسد، ثم أحدثت الثورة السورية انقلاباً جذرياً في موضوعاتهم وأدوات تعبيرهم، فلم تعد معاناة الجسد المكبوت، أو الراغب في الحياة واختراق الممنوعات، تعني شيئاً أمام صور أجساد مزقتها القنابل أو سياط الجلاد في تلك المعركة الطاحنة التي فتحها نظام الأسد لسحق المطالبين بالحرية.

"تصل عارية/ إلى قمم جبال سورية/ وفي مخيمات اللجوء/ أقدامها تُغرس في الوحل/ أيديها تتشقق من البرد والتعذيب/ ولكنها تتقدم"، تكتب مرام باللغتين الفرنسية والعربية في مجموعتها الشعرية "تصل عارية... الحرية". وهي عبارة عن 45 مقطعاً شعرياً يحاكي صوراً وأشرطة مصوّرة توثق يوميات الثورة السورية.

كيف استقبلت مرام انطلاقة الثورة، وهي في المغترب الباريسي؟ وكيف انغمست في الشأن العام والدفاع عن الحرية بمفهومها الجمعي؟ سألتُها في حوار معها في "واتس آب"، قالتْ: "كانت الثورة ساحرة في بدايتها السلمية، وكان البشر في حالة نشوة، وانتشيتُ معهم، ولا أستطيع وصف فرحي وأنا أحلم بالتغييرات القادمة وسوريا الديموقراطية، ومهما حدث سأبقى مع الثورة، مع الذين قُتلوا وبُترت أطرافهم، الذين اعتُقلوا وعُذبوا، لا يمكننا في لحظة أن نضع خطاً ونخرج، علينا واجب الوفاء للذين ضحوا من أجل فكرة الحرية التي تعيش فينا. أغص وأشعر أن مسؤوليتي كبرت، وأن الثورة يجب أن تنتهي بشكل جميل، وأن يأخذ هؤلاء الأشخاص حقهم أمام التاريخ الذي أذاهم". 

واستطردتْ: "الثورة أخرجتني من ذاتي ووضعتني أمام مصير الآخرين، جعلتْ آلام البشر تعيش في داخلي، آلام وطن كامل يقاسي من الديكتاتورية، وبما أنني شاعرة اليوم، بات همي اليومي أن أنقل صور المأساة إلى الشعر، كي أجعل الفرنسيين من حولي يدركون حقيقة ما يحدث في سوريا".

نقرأ في سيرة مرام أنها ولدتْ في اللاذقية عام 1962، وغادرتْ إلى فرنسا عام 1982، وصدرت مجموعتها المشتركة مع الشاعرين منذر المصري ومحمد سيدة بعنوان "أنذرتك بحمامة بيضاء" عام 1984، ثم غابت طويلًا عن المشهد الشعري، وكان للراحل جميل حتمل أثره الطيب في إعادتها إلى ضفاف القصيدة، وعن ذاك الأثر قالتْ: "جاءني هاتف من جميل، ودعاني للمشاركة في احتفالية بمعهد العالم العربي، قلتُ: لكني لم أكتب الشعر منذ زمن بعيد، ولم أشارك بأي نشاط، قال: ومع ذلك لك مكانة كبيرة في قلوبنا، كذلك اتصل بي الدكتور حسان عباس وقال: نحن نقرأ لك، ومنك تعلمنا الحب. أحسستُ بالمسؤولية إزاء الشعر والقراء، وحضرت الاحتفالية، وتعرفت إلى جميل، وأصبحنا أصدقاء، وأجرى معي حواراً صحفياً، على إثره اتصل به محمود درويش، وشكره على الحوار والتعريف بشاعرة سورية جميلة. لكن جميل، الكائن الحساس، المريض بحب وطنه، الذي أخرجني من قوقعتي، توفي بعد أسبوع من لقائنا للأسف الشديد".

كان ذلك أواخر القرن الماضي، ومنذ ذاك الحين وحتى اليوم أصدرت مرام ثماني مجموعات شعرية، وأنطولوجيا لشاعرات من العالم العربي، وأخرى لشعراء سوريين، ولفت انتباهي في قائمة أعمالها أن معظمها صدر عن دور نشر أجنبية، سألتها عن السبب، قالت: "عادة لا أدق باب الناشرين، هم يطلبون مني، لكن الناشرين العرب لا يهتمون بنتاجي الشعري، أرسلتُ مجموعتي "كرزة حمراء على بلاط أبيض" إلى وزارة الثقافة السورية، ورفضتها بحجة أنها إيروتيكية، وطُبعتْ في تونس، وصدرتْ مجموعتي "انظر إليك" عن دار لبنانية".

سألتها عن كتابها "من نبع فمي"، قالت: إنه "الإشارات التي تدلني على طريق الشعر، حاولت التعبير عنها من خلال حياة امرأة مغتربة، زوجة وأم، عاشقة ومعشوقة، هي سيرتي مع الشعر، كيف أقابله وأعيشه وأكتبه، كتبتها عقب مقالة نُشرت عني في صحيفة "الغارديان"، تقول إني كسرتُ كل التابوهات، ولدي جرأة لا تملكها الكاتبات الأوروبيات، وهل كان بمقدوري أن أكتب هذه القصائد لو أنني أعيش في سوريا؟ ومع أن الكلام على هذا النحو كان مديحاً لي، لكنه وسم شعري بالحسية والجسدية، وهذا لا أنكره، لكن الجسد ليس العنصر الوحيد في قصيدتي، هو واحد من جملة عناصر، هناك أيضا المعاناة والقسوة والألم".

وعن تجربة الكتابة بلغة أخرى غير اللغة الأم؟ قالت: "لا أدري إن كان بإمكاننا القول إن الفصحى هي لغتنا الأم، لغتنا الأم هي اللهجة العامية الدارجة، الفصحى لغة مكتسبة مثل كل اللغات، نتعلم قواعدها ونحوها في المدرسة. وأنا أكتب القصيدة كما تأتيني، وكل كتابة هي ترجمة لمشاعر وصور وذكريات بالأدوات التي نملكها، وحين بدأت أمتلك اللغة الفرنسية، بدأت أكتب القصيدة بالفرنسية، وهذا أعطى لشعري مناخاً خاصاً، لأن الفرنسيات لا يكتبّن بنفس الطريقة، وقصيدتي مختلفة لأن تربتها مختلفة.
 
"الحب في زمن الحرب" أنطولوجيا للشعراء السوريين جمعتِها وترجمتِها إلى الفرنسية، فما الذي دفعك إلى خوض هذه التجربة، وما هي المعايير التي اعتمدتِها؟ قالتْ: "بفضل الانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي اطلعت على الكثير من النصوص الجميلة التي تستحق أن تصل إلى القارئ الأوروبي، وأعتقد أن الجمال مثل طبق شهي يجب أن يتذوقه الجميع. بدأت أختار وأسأل وأترجم، أردتُ أن أنقل حديث الشعراء السوريين عن الثورة، وأن ألقي تحيتي عليهم، اخترت مئة قصيدة لشعراء وشاعرات، معروفين ومغمورين ومن مختلف الأعمار، المقياس الوحيد كان جمال القصيدة وعلاقتها بالثورة، كيف يكتبون عن الحب ويصنعون الفرح وسط الدمار والدم؟

تُرجمتُ أعمال مرام إلى العديد من اللغات الأجنبية، وأُنتج فيلم وثائقي حولها بعنوان "الشاعرة ذات القدمين الحافيتين"، وتلقتْ جوائز أدبية، وتكريمات دولية، وحين سألتُها عن إحساسها إزاء هذا التكريم، قالت ضاحكة: "كُرمت بطريقة لم أحلم بها في حياتي".

يعجبني أنك حملتِ علم الثورة في الكثير من المناسبات العامة. قلتُ لها قبل أن أودعها. قالتْ: "أذهب دائماً للقراءات الشعرية ومعي علم الثورة، العلم الذي استُشهد في سبيله حوالي المليون سوري من الأطفال والنساء والرجال، وتشرد الملايين، أحمله واحترمه لرمزيته، وحين ألقي قصائدي، ويسألني بعضهم ما الذي يمكننا أن نفعل من أجل سوريا؟ أشعر بمسؤوليتي أكثر، مسؤولية الشاعر بأن يكتب ليجعل الآخر أكثر جمالاً ونبلاً وإنسانية".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها