آخر تحديث:15:26(بيروت)
الإثنين 16/09/2019
share

أيقونة أنطون سعادة... شهيداً مقاتلاً وفلسطينياً استراتيجياً

وضاح شرارة | الإثنين 16/09/2019
شارك المقال :
أيقونة أنطون سعادة... شهيداً مقاتلاً وفلسطينياً استراتيجياً لا يتطرق الكتاب المجندون والمتفرقون إلى "حادثة" تاريخية غير "خروج" سعادة المسلح على مرفق الجمهورية اللبنانية "العسكري"
يوجز وسم أو عنوان ملف صحيفة الأخبار (في 13/7/2019) الخاص بصاحب الحزب "السوري القومي- الاجتماعي"، أنطون سعادة، "70 عاماً على استشهاده"، في صدر صفحة الغلاف، و"أنطون سعادة الآن وهنا"، في زاوية الصفحة اليمنى، (يوجز) غرضَ الملف ونهجه. ولا يقتصد إخراج الغلاف الفوتوغرافي في الدلالة. فبين الصدر والزاوية وجه الرجل يملأ الصفحة من زاوية غاطسة (بلونجيه) مائلاً إلى أمام ميلاً خفيفاً، عارضاً الجزء الأعلى من صدره وصفحة وجهه كلها، مع جنب (بروفيأل) قليل، ونور يغشى أعلى الرأس والشعر من فوق ويسطع على الجبهة المنحدرة والأنف والخد الأيسر، ويقر العينين الفاحمتي السواد والسابرتين أعماقاً يريد لها المصوِّر المتواطئ وصاحب الصورة قاعاً لا يُدرك. ويحدس متأمل الصورة اليوم في بلوغ الأعماق متراً واحداً وبعض المتر. وتطبق الشفة العليا على السفلى على قصد تشبيه حزم عنيد. ويغلبها، على الفم كله، ابتسام حالم من غير استرسال، ولا يخلو من نرجسية غير متكلفة، تبدو طبعاً في الرجل الاربعيني ثابتاً ومقيماً.

 ولا ريب في أن مخرج الملف أراد جلاء الرجل على صورة الأيقونة التي يعتقدها مريدوه. فاختار من صوره الكثيرة- ويستوقف اليوم، في عصر الصورة والفرجة والمشهد، حرص سعادة نفسه وأنصاره في عشرينات القرن الماضي وثلاثيناته وأربعيناته على التدوين الفوتوغرافي الممسرح وحفظه- (اختار) واحدةً تشي من أطراف ظاهرة بمماشاة صاحبها مناحي سائدة ومتوقعة في العبارة المصورة. والتصوير والتصور على هذا النحو مذهبٌ أو نوع يقع عليه المتعقب في فوتوغرافيا الثلث الثاني من القرن الماضي. وهو من صنف صور الفتيات الحالمات اللائي يتركن لعين المصور المادية "غلافهن" ويهربن بنفسهن إلى داخل أثيري. وهذا وجه من وجوه الذاتية الفردية الناشئة التي مثل الأدب الجبراني عليها، وورثها أنطون سعادة وغيره فيما ورث عن إخوة مهجريين يكبرونه سناً وتجربة. فإذا بالرجل الاستثنائي الفرد، "القديسي" على مشيئة فن الأيقونة، مرآة الصنيع الالهي ووسيطه المبارك، لبناني جبلي مسيحي (أرثوذكسي، في معرض الأيقونات!) وأفندي (متعلم وموظف) عادي، كان في وسع الوافد أن يشاهد مثله عشرات او مئات بساحة البرج في ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته، إلى خمسيناته.

ولكن شأن الكلام، والعبارة به، آخر. فإدراج أنطون سعادة- غداة قيادته، والأمير زيد حسن الأطرش وعساف كرم وجورج عبد المسيح، هجمات مسلحة على مخافر الغبيري والمتن ومشغرة والقرعون وجب جنين وبعقلين وسرحمول، في ليل 3 إلى 4 تموز/يوليو 1949، ومحاكمته عرفياً في 6 من الشهر وإعدامه في صباح اليوم التالي- إدراجه في سلك الشهادة، في صدر صحيفة هي جزء من جهاز "تحريض ودعوة" (في المصطلح اللينيني- الستاليني) خميني وخامنئي أخيراً، فعل حزبي. ويُدخل القول (اللغوي) الدلالة على قائد الهجمات بالشهادة من باب الفعل. فالجهاز السياسي الإيديولوجي والعسكري الذي تحرض الصحيفة باسمه وتدعو يجهر بصوت خافت ومتلعثم ضمَّ مرشد الحزب القومي إلى جناح متواضع من أجنحة رياض الشهداء الفسيحة التي يحمل "سادة" الجهاز مفاتيحها، ويقسمون مربعاتها، ويرتبون نزلاءها على المراتب التي يرتأون.


دائرة التكريم الملتبسة

والشهادة والشهداء اختصاص الجهاز، كماً ونوعاً. وحين ترى صحيفة الجهاز أن صاحب الحزب شبه العسكري منذ إنشائه وفي مراحل تاريخه، جدير باللقب والوسام، أي بالتوطين في السجل التاريخي الذي يتوّجه الجهاز، وذلك على شاكلة خلع لقب مقاوم على جبران باسيل وإهدائه فراغة قذيفة اسرائيلية لامعة في احتفال مهيب وضاحك- فالأمر قرينة على توسيع قاعدة الجهاز الدعوية والتأريخية من طريق الضم والإلحاق والرسامة. فالشهيد في حسبان الجهاز هو مثال من يملك تاريخاً. ووصفه هذا يخوله فرادةً وهويةً تفتقر إليهما حياة الناس العاديين الغفل. وباب الشهادة يُسلك حياة صاحبها في حوادث تنحو إلى غاية جسيمة. وعلى وجه قريب، يدل الشهيدُ على عدوٍ قتله. والعداوة هي، على هذا المذهب، صنو الهوية الساطعة. ويحذو الجهاز في صنيعه هذا على مثال المراسم وتنظيمها الدقيق. فأوكلت الصحيفة رتبة التكريم إلى بعض صحافييها العاملين أولاً. فتولوا هم دون غيرهم رسم دائرة التكريم، أي الضم والرسامة. وأعفت "مفكريها" و"منظريها"، وهم ألصق بدعوتها من صحافيين محترفين يوميين، من التورط في فعل لا ينفك ملتبساً.



وألحقت بصحافييها "كتاباً" ظرفيين، هم سياسيون محترفون منذ وقت مديد، اضطلعوا بغسل الحزب الذي أنشأه من كان الديكتاتور الفاشي الايطالي بينيتو موسوليني مثاله وأيقونته، من شبهات علقت به، وأقام ردحاً لا ينكرها. فغسله واحد من شبهة النازية والفاشية، وثانٍ من معاداة العروبة. وجمعت الصحيفة بين صنفين من الكتاب "القوميين"، إلهاماً واعتقاداً وانتساباً سابقاً وربما راهناً: واحد يردد آراء سعادة ويتقيد بحرفها، ولا تربطه بالصحيفة (على ما أحسب) رابطة، وآخر هو من كتاب الصحيفة (المستكتبين أو المتطوعين)الظرفيين و"الثقافيين". وينحو الصنف الثاني نحو كتابة الحواشي والذيول الفنية.

وهؤلاء كلهم نُدبوا، ضمناً أو صراحة، إلى التقيد بمناسبة الرسامة وذريعتها. فالسبعون سنة تعني سبعين سنة، أي الحادثة التي انقضى عليها هذا الزمن، أي موت الرجل صريعاً برصاصٍ قضائي عسكري هو جزء من هيئات الجمهورية اللبنانية، ومن ميراث المقت الذي خلفته وتجرجره الى اليوم، وإلى "أبد الآبدين". وعلى هذا، كال الكتاب المديح لـ"إقدام" الرجل على الموت. فلا يتطرق الكتاب المجندون والمتفرقون إلى "حادثة" أو واقعة تاريخية، على معنى أفعال تولاها فاعلون في وقت وفي مكان، غير "خروج" أنطون سعادة المسلح على مرفق الجمهورية اللبنانية "العسكري"، الأمني الدركي في المرتبة الأولى. ويجرد الخروج من ملابساته كلها: مواضعه وبرنامجه وأحلافه وقواه ومجرياته المادية، فينسب إلى الشهادة وإلى فلسطين. والأمران يستغنيان بنفسهما وفي نفسهما، عن أي احتجاج.


القوات الخاصة

وتنزع الحادثة من مقدماتها، وعلى الخصوص من اندراجها التام في سياقة ما بين الحربين الأوروبية، وحملها السياسة على الاستيلاء العنيف والقتل الصناعي والاضطهاد القومي والعرقي في الداخل والخارج، والغلو الاسطوري في "تأصيل" الفرادة والاصطفاء والتمثيل عليهما بالزعماء الأفذاذ. فالحزب "السياسي" ليس إلا قوات خاصة مهمتها الأولى الانقلاب العسكري المباشر على سلطة "منحطة" وآفلة وخائنة تحت لواء مهديٍ متحدر من نسل الآلهة. وتقرن الحادثة نفسها، بعد اقتصارها على اسمها أو اسم صاحبها، بخسارة الفلسطينيين، و"العرب" توسعاً، معظم أرضهم وكيانهم السياسي. ويجمع الأمران في معنى واحد: مقتل صاحب المحاولة المسلحة و"النكبة". أما الرابطة العضوية والعميقة بين الواقعتين فهي تعاقب السنتين: 1948 ثم 1949. وعلى هذا النحو فقد يعاقب بعضهم بين اغتيال حسن البنا، في 1949، وبين الخسارة الفلسطينية الفادحة. وهم أولى بدمج الحادثتين في معنى مشترك. وهي سنة الانقلابات السورية (الشامية؟) التي أخذ بعضها بتلابيب بعض وسبقت "الوثبة" العراقية الواقعة بسنة...

وليس من ذرية للحادثة العتيدة، مقتل سعادة، ولا ذيول لها. وهذا معنى "الآن وهنا"، الشامخة والصارمة في زاوية الصفحة والصورة. فلم يرث أنطون سعادة وأنصاره ومنظمته وأحكامه أنصار ومحازبون ومنظمة وسياسات إلى يومنا هذا. فبين الشهادة- على معنى لا يفيد إلا القصد (فـ"من مات دون ملكه فهو شهيد"، على رواية حملها كبار المحدثين على الصدق والقبول)- وبين الآن وهنا، سهوب يرعاها الصمت الكوني. وفي الأثناء لم ينهر ولم يجند ولم يقتل أحد أحداً ولم يكر ولم يعدُ أحد على أحد، ولم ينشق أحد على أحد... وذلك إلى أن اصطفى من يملك وحده الاطصفاء رجاله وأهل رايته وحربه وثأره، وآن (ه) وهُنا(ه)، الشهادة على مثال الحسين، ولو من بعد شاسع، وفلسطين، ولو على وجه اتفاق الوقت، هي هي على مبدأ الهوية أو الذاتية المنطقي.

وتذهب صيغة مختلفة بعض الشيء الى تحميل "المنطقة العربية" وتصدعاتها وانهياراتها "الاسلامية العربية" التبعة عن "الصمت" عن إعدام قائد الهجمات على مخافر القوى الأمنية. وهو، أي القائد في هذا المعرض، "القانون نفسه، و(...) القضاء و(...) العدالة، و(...) الانسان بوصفه إنساناً". وهو، من طريق التواطؤ عليه، "الفكر" و"الحرية" و"الحقيقة" و"الثقافة" و"الايديولوجيات" و"العمل السياسي نفسه" (وهذه حبات العقد الفريد الذي قلد به أدونيس، الشاعر السوري طبعاً من باريس، في تموز 2019، جيد من لقبه باسم إله البعث والقيامة من الموت). وهذه المبالغات المفرطة هي بديل من تسمية عجز الدولة والمجتمع اللبنانيين عن حمل القضاء على مسرحة النزاعات العميقة مسرحةً حقوقية يتوجها "تطهير" رمزي. ويعجز الشاعر السوري عن الدلالة بالاسم على هذا الدور بعد سبعة عقود على المحاكمة المتعسفة.فألفى سعادة نفسه، في آخر المطاف والملف، بطل حقوق الانسان في صيغتها الغربية المقززة: "بناء دولة... بالمعنى المدني- الانساني (في) عالم يشق دروبه عالية". والكاتب الشاعر، في صحيفة الجهاز إياه، كان نبي "موت الغرب". ونبوته هذه كانت صدى من أصداء الأفول الاشبنغلري (من صاحب أفول الغرب، أوسفلد اشبنغلر).

أي أن الضم الثقافي والرمزي والتراثي لا يحتاج إلى أكثرما يحتاجه الضم العسكري: انغماسيين لا يهابون الموت، وعمال لا يخشون الولاء، ومدبجون لا يهابون النسخ ولا التطريس. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها