آخر تحديث:11:27(بيروت)
السبت 14/09/2019
share

عمار عبد ربه لـ"المدن":عُريّ المرأة.. إيروتيك الفِعل ومساءلة ثقافتنا

علاء رشيدي | السبت 14/09/2019
شارك المقال :
  • عمار عبد ربه لـ"المدن":عُريّ المرأة.. إيروتيك الفِعل ومساءلة ثقافتنا
    زوار المعرض بنوا شعورهم تجاه الصور حسب الصورة النمطية
  • منمرة
    منمرة
  • منمرة
    منمرة
المعرض المقام في صالة المعهد الثقافي الفرنسي في بيروت، للفنان الفوتوغرافي عمار عبد ربه، يحمل عنوان (IM-Matricules)، وهي تعني "المسجل إدارياً"، أو ما هو حائز على رقم مسجل، ويترجمها القائمون على المعرض إلى (مُنمَّرَّة) باللغة العربية، أي حاملة النمرة أو الرقم. فالفكرة التي يوضحها البيان الخاص بالمعرض هي عن الأرقام التي تحكم حياتنا، والتي يُختصر الإنسان بها في المعاملات الإدارية، السجلات النفوس والإحصائيات مثلاً، ليصبح هويةً برقم. هذه الهويات الرقمية هي ما يرغب الفنان أن يصدم به عين المشاهد كتجربة بصرية، فيلصق نمر السيارات على الأجساد البشرية، لتدفع المتلقي على استيعاب القباحة، والقسوة في تحويل البشر إلى أرقام، لاستيعاب الفكرة عبر التجربة البصرية. لوحة سيارة وأرقامها مباشرة على أشد الأماكن جمالية وحميمية في الجسد الأنثوي، هي مغامرة للفنان بجعل صورته الفنية حاملة لتجربة قسوة لعين المتلقي.

لكن فكرة العلاقة مع أرقام لوحات السيارات لا تتوقف عند إدانة الهويات الرقمية الممنوحة في الحضارة الحديثة للبشر، وإنما تمتد إلى أبعد من ذلك، جانب آخر من الثقافة يرغب عمار عبد ربه في إدانته، وهي التعابير والمصطلحات اللغوية التي تستعمل للتعبير عن السيارات، وعن النساء أيضاً، يكتب في البيان المرافق للمعرض: "أردت أن أطرح أسئلة تتعلق بإستخدام مفردات كاملة تربط بين النساء والسيارات من حولنا، لا شك أنكم سمعتم أحدهم يقول في حديثه عن امرأة "لديها دفاعات جميلة"، أو "يلزمها حدادة وبويا" هذا ينطبق على بلادنا العربية كما على فرنسا والعديد من البلدان الأخرى. والسؤال الذي يطرح الآن: ألم يحن الوقت للتخلص من كل هذه الممارسات؟". إذاً، تجربة اكتشاف لقسوة المقاربة بين المرأة والسيارة يريدها الفوتوغرافي أيضاً في صوره. وهي اكتشاف قبح المقاربة بين المرأة والسيارة، وهنا على المستوى البصري، لذلك فإن صور المعرض كاملةً هي أجساد نسائية قد ألصقت فوقها، عند أعضاء متفرقة من الجسم، بلاكات سيارات أي نمر سيارات معدنية بطريقة خادشة للجمالية الإيروتيكية في الصورة.



الجماليات الإيروتيكية
(21) صورة في المعرض بالأبيض والأسود، ينوع المصور في الأماكن التي تُصور فيها الأجساد، هذه الأماكن هي التي تشكل المحيط العام للصورة، في موقع للبناء والعمارة، على شاطئ المانش حيث موقع إنزال عسكري ألماني عند بحر النورماندي في الحرب العالمية الثانية، في بيت مهدم من آثار الحرب الأهلية اللبنانية، في معمل مهجور بين المعدات الصناعية والآلات الميكانيكية. تحيط بالجسد العاري جماليات أماكن مختلفة، بذلك نجد أحياناً تضاد على ما اعتادته العين الإيروتيكية، كما أن يكون الجسد العاري داخل بيت مهدم من آثار الحرب، الجدران المليئة بآثار الرصاص والقناطر الآيلة للسقوط، والحديد المتآكل. أو كأن يكون الجسد العاري في معمل، بين الآلات الصناعية والمعدات الميكانيكية، التي تحاول الصور أن تجعلها فضاءاً ملائماً للقطة الإيروتيكية. 

يتموضع جسد المرأة العاري في الصور ليكون جسداً إيروتيكياً أمام الكاميرا، ما تحدث عنه الناقد جون برغر بوصفه يحول جسد المرأة إلى حالة فرجة لعين الناظر إلى اللوحة. لكن أيضاً تظهر النساء العاريات في صور عمار عبد ربه في لحظات من الفعل. هناك المرأة التي تقرأ، المرأة الجندية التي تكتشف المكان من حولها، المرأة التي تدخن أو تشرب القهوة. لكن الغالب على الصور هو حالات استعراض الجسد في حالة الإغراء أو الجمالية. يهدي الفنان معرضه للموديل: "سارة التي قبلت دخول اللعبة الفنية، وانتقلت بين كل تلك الأماكن من التصوير المتنوعة، من الشوارع الصغيرة في بيروت، إلى المياه الباردة لشواطئ بحر المانش في فرنسا".



تصوير العري
عمل عمار عبد ربه على العديد من الموضوعات في أعماله الصحافية ومعارضه الفوتوغرافية السابقة، لكنه فوجئ بكمّ الشتائم والهجوم العنيف الذي لاقاه حين جعل من العري موضوعةً في أعماله، على حسب قوله، بينما كان الأحرى بالناس أن تنزعج من صور الجثث، الحروب التي تؤذي الحساسية الإنسانية البصرية والأخلاقية بأكثر مما يفعله الجسد العاري، يقول: "في بلادنا نستطيع تصوير الجثث، لكن يمنع علينا تصوير جسد عاري". يرى عبد ربه مثلاً أن تعريض الأطفال لصور ألعاب الفيديو، ومنعهم من رؤية الجسد العاري، سيؤدي إلى ظهور ثقافة تستجيب للعنف أكثر مما تستجيب لجاذبية وعواطف الجسد الإنساني.

كذلك يرى عمار عبد ربه، أن سياسة المنع وتغطية الجسد الإنساني، لم توصل ثقافتنا إلى النتيجة الأخلاقية المرجوة، فأعلى نسب التحرش هي في شوارعنا وأماكننا العامة، ويتساءل: "لماذا نجد نسب التحرش في الدول التي تسمح بتصوير العري أقل منها من تلك النسب في الدول التي تمنع تصوير العري؟"، يجد الفنان أن الفارق يتعلق بنسبة الحرية. فالحرية الأكبر تعني حماية أكبر، وحالات تحرش أقل. ويختم في هذا الحديث بالقول: "حرية أكثر يعني فن أجمل".

غياب الجسد الذكوري
إذاً، يظهر تصوير العري كخيار فني واعٍ لدى المصور الفوتوغرافي، وهو يحمل فكراً يتعلق بإقتراح جماليات الجسد الإنساني العاري على عين المتلقي العربي، وكذلك مساءلة الثقافة العربية في رؤيتها لموضوعة الجسد العاري في الفن. وبالتالي، نحن أمام تجربة فنية ترغب في مساءلة ثقافتها ورؤيتها حول الفن والجسد الإنساني. لكن موضوعة أخرى لا بد من إثارتها عند مقاربة أعمال عبد ربه، هو اقتصار صوره على العري الأنثوي دون العري الذكوري، وعند سؤاله عن سبب غياب الجسد الذكوري في أعمال المعرض، أجاب بصراحة: "لقد عملت سابقاً على الجسد الذكوري، لكنه غير مرغوب من مقتني الأعمال الفنية. فالتابو أكبر على الجسد الذكوري، ولم تعتد الذائقة العربية إقتناء أعمال فنية تصور الجسد الذكوري"، وأضاف بأنه يدين غياب جماليات الجسد الذكوري من الأعمال الفنية العربية أيضاً.



الموضوع الفني والغرض الاستهلاكي
أمام الرد على بعض الآراء التحليلية التي ترى في توظيف جسد المرأة داخل العمل الفني نوعاً من تسليع لجسد المرأة، أجاب الفنان بأنه يتعامل مع جسد المرأة في صوره بإعتبارها موضوعاً جمالياً، وليس غرضاً إستهلاكياً، فالطرح الفني مختلف عن الطرح السلعي أو الإستهلاكي. يقول الفنان: "لا أصور جسد المرأة في الحالة المثالية كما تصورها الإعلانات  كأنها أجساد مصنعة، أصور المرأة في تفاصيل الجسد الواقعي، تشققات الجلد، ترهلات، وأسعى ألا تفرض صوري على الجسد الأنثوي نمط أو ستاندر جاهز. فالغرض الفني مختلف عن الغرض الاستهلاكي". 

على جدران المعرض وبين إطار الصورة والأخرى مكتوب عبارات تدعو المشاهد إلى لمس الصور الفوتوغرافية المعروضة، رغبةً عند الفنان في خلق علاقة حسية بين العمل الفني والعين الناظرة. ولهذا فقد حرص المصور على طباعة الصور مباشرةً على مادتي الحديد والألمنيوم، مستبعداً الورق، لأجل أن يتيح للمتلقي علاقة لمس وتماس مباشرة مع الصورة المعلقة أمامه.

في البيان الخاص بالمعرض كتب الفنان هذه الفقرة: "أصبح من المألوف في عالمنا اليوم، الحكم على شحص وفق جنسيته، قبل أن يتمكن من التعبير عن نفسه أو إطلاق فكرة أو رأي. يحكم عليه كسوري أو كندي أو ألماني. في هذا المعرض تحولوا وشاهدا واكتشفوا الجواب على السؤال: هل نحن جميعاً ضحايا الأحكام المسبقة والأفكار النمطية؟"، يؤكد الفنان أن زوار المعرض كانوا يبنبون شعورهم مع المرأة المصوّرة حسب شعورهم تجاه بلد نمرة السيارة الملصقة على كل صورة، رغم أن المرأة الموديل هي واحدة في كل الصور، فقط نمر السيارات تعود إلى بلدان متعددة، وهذا إثبات على أن زوار المعرض بنوا شعورهم تجاه الصور حسب الصورة النمطية في ذهن كل منهم عن البلد المكتوب اسمه على نمرة السيارة، دون أن تبنى أحكامهم على أساس الإعجاب بالصورة من عدمه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها