آخر تحديث:11:14(بيروت)
السبت 14/09/2019
share

طوفان قصائد الرومي.. جوهر شِعري أم بزنس وسياسة؟

شريف الشافعي | السبت 14/09/2019
شارك المقال :
طوفان قصائد الرومي.. جوهر شِعري أم بزنس وسياسة؟ الرومي تمثالاً
على طرفي نقيض في الفن، يقف "التجريد" كوجه للإبداع الصافي المنزّه عن الغايات الأخرى خارج حقل الجَمال، و"التوجيه" المُحيل عادة إلى أهداف أخرى تتعلق بالإبداع كصناعة اجتماعية وأخلاقية وربما سياسية أو دينية محكومة بأطر وقيم عُليا. وهناك في الكتابة دائمًا نظريتان تتوازيان عند تشددهما، وقد تلتقيان في بعض النقاط حال تفريط إحداهما في مبادئها وأخذها بالحلول الوسيطة: أن تكتب لكي تكتب، وأن تكتب لكي تكتب وأيضًا لكي تَحدثَ أمور أخرى جراء الكتابة.

من أنقى صور المادة الشعرية الخام، القائمة بنفسها، وكأن الكلمات قد كتبت ذاتها من تلقاء ذاتها وأعادت اكتشاف دلالاتها التوصيلية والحروفية والإشارية والترميزية والبشرية وفوق البشرية، قصائد علامات المتصوفة وأقطابها الكبار، من أمثال النفّري وابن عربي والتبريزي وجلال الدين الرومي (سبتمبر/أيلول 1207- ديسمبر/كانون الأول 1273) وغيرهم، فهي مثال للتطهر ونموذج للاستغناء بالكتابة عن كل ما يُمكن جره بحرف الجر "عن" في العموم.

التقت كتابات أئمة التصوف في خصائص مشتركة عديدة، ومساحات اتفاق أعرض بكثير من نقاط الاختلاف والتباين الأسلوبي والرؤيوي والذهني والتخييلي، وفي مجملها فإنها حبّات القلوب المركّزة وخلاصات الأرواح المتحللة من الحليّ والزينة والزخارف، فهي القصد والنهج واللب والماهية، واستبطان الحقائق الكامنة تحت القشور، وفي هذه الملامح والسمات العامة تفسير عام أيضًا لتخطي الشعر الصوفي دائرة الظرفية الضيقة، واقترانه بالإنسانية على اتساعها وتنوعها وامتدادها، شأنه شأن إبداعات حديثة وتيارات جديدة في الفنون نسجت على هذا المنوال، وتجاوزت لغتها الموحّدة الاختلاف الشكلاني بين ألسن البشر.

لو كان الرهان معقودًا على هذه الركائز وحدها، وهي بالفعل ضرورية وحقيقية ومهمة، لانسحب طوفان الانتشار والشيوع و"البيست سلير" في عصرنا الحديث على إفرازات الصوفية "مجتمعة" كتيار فلسفي وفني، وليس على إرهاصات أحد المنتمين إليه بشكل فردي، خصوصًا أن هناك منظرين ونقادًا من العرب والأجانب، من الفئة الأولى، قد رصدوا معالم هذه المدرسة الصوفية وتعاليمها، واعتبرها كاتب بحجم أدونيس، على سبيل المثال، منبعًا أساسيًّا للسوريالية العالمية في أطروحة معروفة، كما اعتبر "النفري" أبًا لقصيدة النثر العربية.

يفرض السؤال ذاته: لماذا ارتبطت "الموجة"، التي تضخّمتْ فصارت "هوجة"، بكتابات جلال الدين الرومي على وجه التحديد، دون سواه؟ وأي معنى وتفسير لتلك الظواهر الملموسة والحالات المسجّلة والإحصاءات الرقمية المذهلة التي توردها "الميديا" بشكل روتيني متكرر، والمتعلقة كلها بالرومي، من قبيل: مؤلفات الرومي الأعلى توزيعًا والأكثر شعبية بأميركا (خمسة ملايين نسخة في ثلاثة أعوام) متفوقة على "هاري بوتر"، اختيار الرومي في بريطانيا شخصية الألفية في التصوف، مؤلفات الرومي تجتاح أوروبا بـ27 لغة..



ومن التمظهرات "الرومية" الأخرى كذلك: رقصة الدرويش الشهيرة "المولوية" المنسوبة للرومي، رمز العروض الفلكلورية والدينية في ألمانيا، هوس فاتنات البوب والسينما "مادونا" و"غولدي هاون" و"ديمي مور" بأداء قصائد الرومي، جنون الكاتبة التركية إليف شافاق بسيرة الرومي وشمس التبريزي في روايتها الأبرز "قواعد العشق الأربعون"، استشهاد كبار السياسيين والدبلوماسيين الدوليين والفنانين العالميين بقصائد الرومي في مناسبات رسمية مشهودة، ترداد قصائد الرومي في الأعراس وحفلات العشاء ومراسم دفن الموتى، وطبع عباراته على الملابس وأشجار عيد الميلاد، وحفرها على آلات الموسيقى، ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي في آلاف الصفحات المتخصصة، مصحوبة بالموسيقى، وإعلان "اليونيسكو" أن أفكار الرومي وآماله يمكن أن تكون جزءًا من أفكار وآمال المنظمة الدولية، إلى آخر هذه الشواهد المستمرة حتى يومنا هذا في كل حدب وصوب.

أيُّ جبل لم تجذبْه ريحُ جلال الدين الرومي كالقَـشّ؟! وفي أي موضع مكاني وزماني وكوني تسكن قصائده ذائعة الصيت بكل لغات العالم على نحو غير مسبوق؟ وهل نجح الرجل في أن يخلع على كتاباته الشعرية الفلسفية الرفيعة صفاته الشخصية كطفرة جينية شفافة زئبقية؟ وأين هو من تلك الملامح التي نقلتها عن قصائده منذ أيام قليلة "تيفاني" ابنة الرئيس الأميركي ترامب على صفحتها في "إنستغرام": "تفحصني كما شئت، لكنكَ لن تعرفني أبدًا/ لأني أختلف مئات المرات، عما تريدني أن أكون/ ضع نفسك وراء عيني، لكي تراني كما أرى نفسي/ لأني اخترت أن أسكن في مكان لا يمكنكَ رؤيته"؟

ثمة جناحان لتحليق الطائر الرومي في فضاءات لم تُتح لغيره من مبدعي الشرق عبر التاريخ الإنساني كله، أولهما خلقته الظاهرة الفنية في أرقى تجلياتها الفطرية والاستشعارية والمعرفية وأنقاها وأصفاها وأقربها لطينة الكائن الآدمي الخالية من الشوائب، وثانيهما صنعته القوى الخارجية، المهيمنة على إرادة البشر وميولهم وتوجهاتهم، المتحكمة في تلبيسهم أفكارًا ومعتقدات وهرمونات مزاجية بعينها دون غيرها، في توقيتات محددة، مختارة بعناية.


لم يهدف الرومي بشعره غير الشعر "أنين الناي: نار لا هواء، فلا كان من لم تضطرب في قلبه النار"، وترجمة خلاياه النفسية والضوئية بمصداقية وأمانة، بما تحمله من شحنات عالية الطاقة الكهربية تلخص فكره ورؤيته وفلسفته ومحطاته الحياتية وعلاقاته بالأحباء والأصدقاء والدراويش ومن فوقهم الإله الخالق، المعبود والمعشوق في آن "مهما أضاءت شعلتك العالم، فالنار تموت بمرافقة الرماد". فما لفيوضات الروح والجسد المنثالة كطوفان هادر بقوانين عالمنا الحديدية المتجبرة وأذرعه السلطوية والعسكرية والسياسية والتسليعية والعولمية؟ وهل للبركان المنفجر شعرًا أن تشتغل ماكينة التخطيط والتدبير على حممه الفائرة النشطة؟

على الصعيد الفني، فإن الجناح الأول كفيل بمنح الرومي ما يستحقه كحدث شعري استثنائي بكل المقاييس، أسهم في تفعيل ذلك الفن السحري المقترن بالخفي والغيبي وما وراء "العقل" العاجز عن إيجاد إجابات للأسئلة الإنسانية والكونية العميقة، شأنه شأن العلم والتجارب والقياسات. امتطت قصائد الرومي صهوة البرق والعشق صوب مدارات أخرى للإدراك والحدس والفهم والاستيعاب والاستكناه، بحروف غير الحروف، حيث القول الذي لم يقله أحد بعد، وإمكانية حل المسائل المستعصية المستغلقة، لتنسحب الرؤية والمعرفة من خلال الشعر على غير المرئي، وغير المعلوم.

ولعل هذا الجانب الفني ليس بحاجة إلى المزيد من التفصيل، وبحسب الرومي الاستشهاد بأسطر قليلة من رباعياته أو مثنوياته أو غزلياته، من قبيل: "أنتصب والواحد الذي أنا/ يستحيل إلى مئةٍ مني/ يقولون إني أطوف حواليك/ هراء. أطوف حولي". إن الحب لا يمكن أن يتعلمه أو يدرسه أحد, في فلسفة الرومي، حيث إنه "يأتي كنعمة"، وهكذا الشعر لديه في حقيقة الأمر "نعمة ومنحة".

على الصعيد الآخر، التصنيعي السلطوي التسويقي، فثمة إشارات واستنباطات لعلها لا ترقى إلى درجة المعلومات، لكنها في محصلتها الجمعية قرائن وبراهين أوليّة على تلك الرغبات الأبوية في الترويج للرومي وتعزيز مكانه ومكانته ومفاهيمه نبراسًا "عالميًّا" للفن الحديث من جهة، وللسلوك الحياتي والقناعات المنمّطة "العولمية" الملائمة للبشر الأسوياء "الطيبين المطيعين" من جهة أخرى.

في هذا السياق، يمكن رصد بعض الأمور الإجرائية التي أنعشت حظوظ الرومي في العالم الغربي، بداية من أواخر القرن التاسع عشر، حيث ترجم المستشرق الإنكليزي "رينولد نيكلسون" ديوان الرومي "شمس تبريز" في العام 1898، وكان نقطة انطلاق لعشرات الترجمات والدراسات والكتابات حول تجربة الرومي خلال القرن الماضي، لاسيما الربع الأخير منه، ومن ذلك: ترجمات الإنكليزي "آرثر جون آربري"، والألمانية "آنا ماري شيميل" والأمريكي "براد غوش" وغيرهم، إلى أن ألقت التركية إليف شافاق قنبلتها بنشر رواية "قواعد العشق الأربعون" حول العلاقة بين الرومي والتبريزي، لتقترن سيرة الرومي وفلسفة المتصوفة وأفكارهم وقصائدهم رسميًّا بالبيست سيلر وعشرات الترجمات الجديدة وملايين النسخ المبيعة في كل دول العالم.

لقد أريد للرومي الذي "أغلق فمه وتحدث بمئة طريقة صامتة"، بحد تعبيره، أن يكون ببساطة صوت الناس، على أن تتحول العبارات والأفكار والقناعات إلى تصرفات وأفعال على الأرض، ترضي المهيمنين عليها، والمتحكمين في حركات البشر ومصائرهم. وفي منطق البيزنس العولمي، فإن التجارة ليست فقط بيع منتجات وبضائع، ولكنها أيضًا تصدير رغبات ومشاعر ومزاج وذوق، وترويج عادات ومفاهيم وسلوكيات، ليمكن ترجمتها لاحقًا إلى أرقام وتعريفات ومدلولات اقتصادية.

إن شعارات كبرى متعلقة بالتسامح والليبرالية ووحدة الأصل البشري والحوار الحضاري والتلاقي بين الأديان والعقائد والإيديولوجيات من خلال الثقافات والآداب والفنون وتجاوز الهويات وإدانة كافة أشكال العنصرية والتمييز، وغيرها، قد شكلت مفاتيح حساسة في خريطة فرض العولمة وتمريرها عمليًّا في العقود الماضية من خلال أصابع القوى الناعمة وغارات الغزو الفكري والدبلوماسي، التي لا تقل أهمية واستراتيجية عن القوة العسكرية في دعم نفوذ الدول وفرض سيطرتها الخارجية وسلطاتها الواسعة المطلقة.



اتسعت قصائد الرومي لكل ما يمكن تصوره حول المثال الإنساني الجاهز للتصدير كنموذج في العصر الحديث، فصورة الفرد الزاهد لديه مثلًا ملائمة للسلطات الراغبة في زاهدين في السياسة وشؤون المُلك وتصريفه وتدبيره، وصورة الديني المسالم إيجابية لإسقاط التطرف والعنف والإرهاب والرغبة في الانتقام لدى أي فرد متضرر، وصورة المتقشف المفقتر إلى الله مناسبة لتبرير القهر والفقر والتذلل والأجور المتواضعة وكذلك لفرض قائمة مشتريات بعينها على الشعوب لا يطمحون إلى استبدالها كيفيًّا أو نوعيًّا.

أما ذروة سطوع الغطاء السلوفاني المتستر على ألاعيب السياسة والمال فهو ذلك القلب الكوني المتسامح، الذي يليق بمشروع الإنسان الجديد، وقد تلاقت آراء الرومي الكونية وتسامحه اللامحدود مع هذا المسار إلى أبعد حد ممكن: "أيها المسلمون: ما التدبير، وأنا نفسي لا أعرف نفسي، فلا أنا مسيحي، ولا أنا يهودي، ولا أنا مجوسي، ولا أنا مسلم، ولا أنا شرقي، ولا أنا غربي، ولا أنا بري، ولا أنا بحري، ولا أنا من التراب، ولا أنا من الهواء، ولا أنا من النار، ولا أنا من الهند، ولا أنا من الصين، ولا أنا من الكفار، ولا أنا من أهل الجنة أو النار، وإنما مكاني حيث لا مكان، وبرهاني حيث لا برهان. فلا هو الجسد، ولا الروح، لأنني في الحقيقة من روح الروح الحبيب".

وأخيرًا، تبقى أمور أخرى، تكنيكية، لعلها جعلت قصائد الرومي الأكثر مرونة في تمريرها وتسويقها، منها العذوبة والسلاسة والوهج والصدق والعمق مع البساطة والتكثيف والقابلية للترجمة والغناء والإنشاد المصحوب بالموسيقى، وربما بـ"الرقص"، ذلك الميدان الذي قدم فيه الرومي "رقصة المولوية الدائرية" ذات الشعبية الطاغية في قارات العالم كلها. وتبدو هذه التوليفة الفريدة مثالية لمغازلة المزاج الغربي، الأميركي على وجه الخصوص، بالإضافة إلى نجاحها المضمون في الشرق العربي والآسيوي "مهد نبوغ الشاعر" والشرق الأقصى المهووس بالروحانيات وموضات نقض المادية.

جلال الدين الرومي، عبقرية فنية مؤكدة، وحالة إنسانية فذة يندر تكرارها، وظاهرة كونية عولمية تستحق المزيد من الدراسة والتعمق في ضوء نظريات الجمال وعلومه، وكذلك تحت مجهر مخططات السياسة وعمليات البيزنس التي تسعى إلى الاستفادة من كل شيء، في كل وقت.

(*) الحلقة الثالثة من ملف عن جلال الدين الرومي، ينشر تباعاً في "المدن"، وهنا الحلقة الأولى، والحلقة الثانية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها