آخر تحديث:13:34(بيروت)
الجمعة 13/09/2019
share

هذا المرحاض الذهبي اسمه "أميركا"

شادي لويس | الجمعة 13/09/2019
شارك المقال :
هذا المرحاض الذهبي اسمه "أميركا" من الذهب الخالص
في القاهرة، مطلع الثمانينات من القرن الماضي، اجتاحت حمّامات البيوت ثورة اجتماعية صامتة وواسعة. اضحى استبدال الحمّام البلدي أو التركي كما كان يدعوه البعض، بالمرحاض الأفرنجي ذي مقعد البروسلين الأبيض الناصع، علامة على الترقي الطبقي. حينها، بدأت شرائح من الطبقة الوسطى تشعر بآثار أوضح لسياسات الانفتاح، الإيجابية والسلبية، التفاوتات التي راحت تتسع، واللهاث المستمر للحاق بها. جاء مع قاعدة المرحاض أيضاً، السيراميك الذي حل بدلاً من البلاط الإسمنتي الرمادي، والقيشاني الأبيض والملون ليغطي الجدران التي كانت مطلية بالجير أو دهانات البلاستيك متوسطة السعر. إعلان "إنسف حمّامك القديم" التلفزيوني، كان عنواناً لتغييرات جذرية، في عقد مشحون بالأحداث، لا تتم سوى بتفجير الأقدم. وفي شاشات السينما، أضحى السبّاك الثري، مقاول المرحلة، شخصية الشرير الذي يخطف حبيبة البطل بفلوسه، رمزية بليدة ومكررة لآفات السوق الحر.


كان المرحاض الإفرنجي، مركز هذا كله. وضعية القرفصاء الطارئة وغير المريحة، مع مناورات حفظ الاتزان على الأرضية المبتلة والزلقة، تحولت إلى الجلوس المسترخي والآمن في استسلام. وكما في كل مكان آخر، جاءت مع الوضع الجديد، سلسلة من الطقوس والممارسات اليومية خلال وقت الاختلاء لتلبية نداء الطبيعة. قبل وقت طويل، كان فرويد قد أطّر فكرة اللذة الشرجية، التغوط كلحظة لتفريغ الشهوة في أكثر صورها براءة وطبيعية وقذارة. لكن الأهم من اللذة، كانت حالة الوحدة المريحة، التي يمكن لها أنت تطول، مساحة للاختباء والتأمل والذاكرة. بات سطح "السيفون" (صندوق الطرد) مكتبة صغيرة، ببضعة أعداد قديمة من المجلات، وقصص الجيب للأطفال، لتمرير الوقت أو للقراءة الجادة. وأصبحت "الشطافة" مع الوقت، وسماً للحنين، ثبتها المغتربون في حمّامات مواطنهم الجديدة، وأخذ المسافرون نسختها المحمولة معهم، في الزيارات القصيرة للخارج.


لا عجب أن يأتي مقعد الحمّام كأعظم الاختراعات، أو أحد أهمها، في العديد من استطلاعات الرأي التي أجرتها وسائل الإعلام العالمية خلال العقد الماضي، أو أن يصبح "عرش الرجل العادي" موضوعاً فنياً.

هذا الأسبوع، استقبل قصر بلنهايم، في ريف أوكسفوردشير الإنكليزي، عمل الفنان الإيطالي، ماوريتزيو كاتيلان، المعنون "أميركا". مرحاض من الذهب الخالص عيار 18، يستطيع الزوار استخدامه بالفعل، ويشجعهم النص الإرشادي الملحق بالمعرض، على أن يأخذوا وقتهم، للجلوس والتأمل. ولعنوان العرض وقع سياسي بالطبع، أميركا الثراء الفاحش والرفاهية شديدة البذخ، وتناقضاتها. عُرض المرحاض الذهبي، للمرة الأولى، في متحف غوغينهايم في نيويورك العام 2016، وحين طلب البيت الأبيض استعارة إحدى لوحات فان غوخ لوضعها في السكن الرئاسي لترامب، رفض المتحف وعرض على الرئيس مرحاض "أميركا" بدلاً منه. وفي حزيران/يونيو الماضي، انتصب في ميدان الطرف الأغر، وسط لندن، تمثال ضخم لترامب، بارتفاع 16 قدماً، وهو جالس على مرحاض ذهبي، يكتب تغريداته في "تويتر"، كان العرض احتجاجا على زيارة "ترامب" لبريطانيا، وكلفتها المالية الباهظة.

لكن كاتيلان، فنان المرحاض، صرّح أكثر من مرة، بأن عمله لا علاقة له بالرئيس الأميركي، فهو صممه ونفّذه قبل صعود ترامب السياسي، واكتفى بهذا، تاركاً للجمهور البحث عن معناه. يلعب عمل "أميركا" على العلاقات الشائكة والعشوائية للقيمة والسعر، قيمة الكلفة وقيمة الاستخدام، الفن واليومي، النفيس والقذر. كان الذهب الذي لوّن خلفيات لوحات الكنائس وهالات القديسين، هو المادة المقدسة لفن عصر النهضة. وفي العام 1917 حين عرض الفنان الفرنسي، مارسيل دوشامب، عمله "النافورة"، وكانت مبولة، وقّعها باسم "المغفل". ودوَّن مؤرخو الفنون، آنذاك، بداية مرحلة جديدة، واستمرت الموجة حتى الستينات حين قام الفنان الإيطالي، بييرو مانزوني، بتعليب برازه في علب من الصفيح، وباعها كعمل فني، باسم "براز الفنان". وفي نهاية الثمانينات، أثار "مسيح البول"، للأميركي، أندريس سيرانو، كثيراً من الغضب، صليب موضوع في حوض زجاجي مملوء ببول الفنانـ كان أكثر مما يحتمله الجمهور الأميركي المحافظ، ساعتها، وربما حتى اليوم أيضاً.

يكرر "أميركا" تيمات مشابهة، بحيلة تفاعلية هذه المرة، تدّعي، في الظاهر على الأقل، منح الفرصة للجمهور العادي ليجرب رفاهية لا تتاح سوى للأثرياء، تاركاً لهم أن يقرروا بأنفسهم إن كان الأمر يستحق الثمن الباهظ الذي تكلفه، وكذا جدوى الفن في الأساس. وعلى ما يبدو، لا وضع أكثر ملاءمة ولا مكان أفضل للتأمل في تلك الأفكار الكبيرة، سوى خلوة على كرسي مرحاض.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب