آخر تحديث:15:59(بيروت)
الخميس 08/08/2019
share

حريّات الحرب

رشا الأطرش | الخميس 08/08/2019
شارك المقال :
حريّات الحرب من الوقفة التضامنية مع "مشروع ليلى" في ساحة سمير قصير (غيتي)
بعد إلغاء حفلة "مشروع ليلى" ضمن "مهرجانات بيبلوس"، قرر فنانون وناشطون إحياء حفلة بديلة في قصر "أريسكو بالاس" - الحمرا، غداً الجمعة، تحت عنوان "صوت الموسيقى أعلى"، وللقول بأن "القمع مش مشروع"، وبأن الحريات في لبنان، إبداعاً وتعبيراً، لا يمكن تحجيمها بقرارات رجال الدين، ولا حتى بخوف اللجنة المنظمة للمهرجانات من "إراقة الدماء". 

خطوة تُفرح القلب، ورسالة قوية إلى السلطة، تستوجب الثناء وحضور الحفلة دعماً لعنوانها. ولكن...

بات جلياً بأن المشهد العام لحرية التعبير في لبنان، في الحالة هذه وغيرها، يُظهّر نفسه بشكل جديد/قديم، لا بد من الاعتراف به، من أجل مواجهته لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً، وفي الحد الأدنى، من أجل فهم واقعي لا غنى عنه.

هو شكل مستحدث، بمعيار سنوات السِّلم الأهلي الهش، منذ انتهاء الحرب والانفتاح النسبي للمناطق والطوائف على بعضها البعض. وقديم، إذ يستدعي من الذاكرة، حالة يعرفها جيداً اللبنانيون الذين تجاوزوا الأربعين من العُمر: حريات الحرب... عندما "هاجر" فنانون، أمثال زياد الرحباني ومارسيل خليفة، من المناطق شرقي بيروت، إلى غربها، لتقديم أعمالهم في بيئة تشبه التزامهم السياسي (اليساري آنذاك)، بدلاً من البيئة التي ينتمون إليها بالطائفة والنفوس بحسب بطاقات الهوية. وكذلك الهجرة العكسية، خلال الحرب اللبنانية، لفنانين وكتّاب ومثقفين وصحافيين، ما عادت صفتهم كمبدعين وأصحاب رأي منزوع السلاح والسطوة المليشياوية، لتحميهم من "وصمة" طوائفهم في بطاقات الهوية، فالتجأوا إلى مناطق الصفاء الديني، قسراً أو طواعية، حيث اندمجوا فكرياً، أو اضطروا لتدوير زوايا أفكارهم وإنتاجاتهم في مقابل سلامتهم وعائلاتهم. أما مَن بقي حيث هو، فقد فعل ذلك كمخاطرة، وأحياناً كفِعل مقاومة، إنما بكثير من الحذر والتشبيك مع قوى الأمر الواقع في كل منطقة.

وها هي الحفلة الاحتجاجية على إلغاء حفلة "مشروع ليلى" في جبيل، تقام في رأس بيروت، حيث السقف الثقافي أعلى، على الأقل في ما يخص الهويات الجنسية والدينية/اللادينية وبعض التنوع والانفتاح بحُكم مجاورة الجامعات الأميركية وسواها من المؤسسات الثقافية الرحبة. وهذا مثال صارخ على حريات الحرب... وإلا لكانت الحفلة البديلة لتُقام في أحد مسارح جبيل، إذ تُملي فعالية الردّ، على صائغيه، أن تسمعه الجهات التي يوجّه إليها. وفي المقابل، لو كانت الإشكالية التي ألغيت على أساسها حفلة "مشروع ليلى" لتطاول عناوين أخرى، غير الجندر أو الإيمان، تمسّ مثلاً "حزب الله" أو "حركة أمل" أو "الحزب السوري القومي الاجتماعي" بالمباشر، لما وجد منظمو "صوت الموسيقى أعلى"، على الأرجح، مرقَد كمنجة في بيروت الغربية.

حريات الحرب... مكفولة لكل مبدع في "أرضه". المشهد، في عين الطائر من علٍ، متنوع وغني. لكنه، على أسفلت الشارع، مقسّم ومؤطّر.

المهرجانات الصيفية تتولى كلاً منها القوى المسيطرة على منطقة إقامتها. والأفدح، اليوم، سعي "التيار الوطني الحر" للاستحواذ على لجنة مهرجانات جبيل عبر قنوات رسمية.

وبيان المثقفين المسيحيين، المستنكرين لإلغاء حفلة "مشروع ليلى"، ضرَب في الصميم. فهو، من جهة، ضروري، وربما يكون أكثر فاعلية وإيلاماً للإلغائيين والقمعيين، ولذلك وجب الترحيب به وإبرازه لتحدّي حصريات الطوائف، والقول بأن المسيحيين ليسوا "مقفلين" بالكامل على مَن هددوا وتوعدوا ومَن دعمهم من القوى السياسية والحزبية. ومن جهة ثانية، يؤكد هذا البيان أن الثقافة اليوم، شأنها شأن السياسة والسيادة والاقتصاد والإنماء والتشريع، تجري إعادتها إلى الحظائر ورجالاتها الدينيين و"المدنيين".

ومثل بيان المثقفين المسيحيين أمثال. كالمعركة الدائرة بين النساء من الطوائف كافة، وبين المحاكم الشرعية والروحية، على تبايُن حدّتها بين طائفة وأخرى، والتي لا تبدو مُجدية بقدر المحاولات المقاوِمة من داخل كل طائفة، لا سيما تجربة النساء الشيعيات المتحديات للمحاكم الجعفرية – الأكثر جوراً بين مثيلاتها الطوائفية، ومن قبلهن السنّيات والدرزيات، وربما من بعدهن المسيحيات. الواقع يفرض على ثقافة المقاومة (اللا-إلهية) وحرياتها، أن تكون ثقافة مستدخلة إن شاءت تحقيق أي نتيجة تُذكر. وهذا مشروع، لكنه مفزع، كما الحرب التي، من سماتها، موت المجتمع، موت المدني، موت كل خارج.

هكذا، لملم "حزب الله" قضية النائب السابق نواف الموسوي وابنته. وسُوّيت قضية فدوات سلامة، بلا تدخل من القضاء، وبعد طردها والاعتداء عليها وإحالة الإشكال برمته إلى "ردّ الفعل العفوي" لأهالي بلدة بافليه الجنوبية، بصرف النظر عما إذا كانت فيديوهاتها "خطيرة" فعلاً و"تهدد السِّلم الأهلي"، أم أنها تندرج في إطار نميمة القرى والتي تدخلت "حركة أمل" للفلفة تداعياتها، حسبما قالت فدوات في تسجيلها الأخير. كما أنه ما زال سارياً التقسيم الطائفي المقزز في بلدة الحدت، وبإشراف رئيس بلديتها العَوني، رغم انتهاكه للقوانين والدستور، ولا قاضيَ ولا مدّعي عاماً تحرك إزاء كل "الإخبارات" و"الاعترافات" التي نشرتها الصحافة. تماماً مثلما لم تتحرك وزارتي الداخلية والسياحة، بعد تعرض فرقة "مشروع ليلى" والأمن في مدينة جبيل لتهديدات علنية. بل تحركت مديرية "أمن الدولة" المحسوبة على رئاسة الجمهورية للتحقيق مع أعضاء الفرقة الموسيقية، قبل أن يُرسلوا إلى المطرانية حيث جرى التنمّر عليهم.

وها هو البطريرك بشارة الراعي يوجّه "نداء عاجلاً" لمدير عام قوى الأمن الداخلي، اللواء عماد عثمان، سائلاً "كيف يقبل فبركة ملفات لأشخاص من دين واحد ومذهب واحد؟". والنداء لم يأت من فراغ، إذ تزامن مع تحقيق دام ساعات مع المقدّم سوزان الحاج (المديرة السابقة لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية) حول علاقتها بصحافيين يهاجمون اللواء عثمان. وبعدما كانت الحاج قد "بُرّئت" من قضية فبركة ملف التعامل مع إسرائيل للممثل المسرحي زياد عيتاني، بالاشتراك مع المقرصن إيلي غبش العام 2017، يبدو أن القضية قد تعاود حراكها قضائياً. لكن، يبدو أيضاً أن أصحاب قضايا أخرى، مسيحيين عسكريين ومدنيين، اشتكوا في بكركي – وليس في محكمة – فأطلق الراعي صيحته.

هي الحرب الفارزة، القاصمة، الهادئة. البراءة والإدانة بمكيالها. الحرية مِنحة جماعاتها، ومطلب أقطابها. الطوائف حرّة في لبنان، دون اللبنانيين. كلام قديم ربما، لكن الجديد يكمن في التطبيق، فالطوائف مبدعة أيضاً.

خلال المؤتمر الصحافي للإعلان عن حفلة "صوت الموسيقى أعلى"، قالت جمانة تلحوق بإسم المجموعة المنظِّمة: "الدولة التي تواطأت اليوم (في قضية "مشروع ليلى")، هي الدولة اللي رح تقمع بكرا". عبارة محقّة، ومؤلمة. والفاجعة تكتمل حين ندرك بأن القامعين اليوم باتوا يتمتعون بكامل صلاحيات قائمقام الدولة التي، ومنذ العام 1975، تفيق أحياناً من غيبوبتها لتلوّح للملتفّين حول سريرها، ثم تعود إلى "قصر الأحلام".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

رشا الأطرش

رشا الأطرش

مديرة التحرير

مقالات أخرى للكاتب

سوريا في الغاليري الخميس 01/08/2019
"لبنان القوي" لا يفاوض الخميس 25/07/2019
جنود المسيح الإثنين 22/07/2019
المزيد