آخر تحديث:13:19(بيروت)
الثلاثاء 06/08/2019
share

"سايكلوب" إبراهيم عبد المجيد.. إحياء الشخصيات في واقع ميت

شريف الشافعي | الثلاثاء 06/08/2019
شارك المقال :
"سايكلوب" إبراهيم عبد المجيد.. إحياء الشخصيات في واقع ميت تقصت الرواية تفاصيل الثورات العربية
في لحظة سحرية ما، قد يتوهم الكاتب امتلاكه بعض قدرات الآلهة، التي لا تُتاح لحاكم في بلاد يسوسها بالحديد والنار، فينفخ المؤلف الممتلئ زهوًا من روحه في شخصيات رواياته الراحلين، مبتعثًا إياهم من القبور وغياهب النسيان، ويصافحهم ويصافحونه بحرارة، ويتبادلون الابتسامات المنطلقة بسرعة الضوء عبر الأزمنة، إلى أن يفيق الجميع على الفاجعة، حيث تتحطم الفانتازيا كقارب هجرة غير شرعي على صخرة الحقيقة والكوابيس المريرة، ويواصل المؤلف وأبطاله مسرحية الغرق المأساوية، من النقطة ذاتها التي توقفت عندها.

إن الفرق بين المؤلف والآلهة هنا، أن الواقع الراهن الذي نعيشه لا تغيّره الشخصيات الدرامية التي يستدعيها المؤلف، وإنما هو مرهون دائمًا بإرادة البشر الحقيقيين الذين تُصرّف الآلهة مقاديرهم، فهو إن كان واقعًا متعفنًا أو ميتًا، فسيبقى كذلك، ما لم تتوافق سواعد الآدميين وأيدي الآلهة على بديل أفضل يليق بالإنسانية. أما الأبطال العائدون من الحلم المستحيل أو الوهم المجاني، فهم أشباح جاءوا لتعرية الواقع وفضحه وتجريسه، لا لتغييره، قبل أن يختفوا سريعًا كلمح البصر.

في روايته الجديدة "السايكلوب" (دار "مسكيلياني"، تونس، 2019) يواصل الكاتب إبراهيم عبد المجيد مغامراته المتمردة أسلوبيًّا وبنائيًّا ومضمونيًّا على أنساق السرد المألوفة بقدر ثورتها على الأوضاع الكائنة المستقرة في المجتمع المصري الحالي، ذلك المجتمع الذي يراه المؤلف (من خلال قناع بطل الرواية الكاتب سامح عبد الخالق) كيانًا هشًّا خربًا، تعشش فيه الإخفاقات على كافة الأصعدة، خصوصًا السياسية في أعقاب فشل ثورة 25 يناير 2011 في تحقيق أهدافها الأساسية (عيش، حرية، عدالة اجتماعية)، ويصف الراوي ذلك صراحة بقوله "أطاحت الثورة حاكماً استمر قابعًا ثلاثين عامًا على كرسي حكم لا يستحقه أبدًا، لكنها في النهاية انهزمت".

وبغض النظر عن ملابسات نشر رواية "السايكلوب"، فإن لجوء مؤلف بوزن عبد المجيد إلى إطلاق عمل جديد خارج مصر هو أمر لا يخلو من دلالة تعذر إصداره في بلاده، بسبب تحرّج الناشرين في أغلب الأحوال من تمرير أفكار انتقادية جريئة كهذه التي تنطوي عليها الرواية. كذلك، فإن اختيار المؤلف للقِبلة التونسية له دلالة موازية، يعكسها انحيازه الذاتي (وانحياز شخصياته في الرواية) لتجربة تونس في التحرر والليبرالية على نحو يبدو هو الأنضج نسبيًّا في تجارب دول الربيع العربي الخائبة (ليبيا، مصر، اليمن، سوريا)، التي تلامس الرواية بقوة نتائجها المحبطة للآمال.

منذ صفحة التمهيد، قبل السطر الأول في تجربة "السايكلوب"، إلى "الكلمة الأخيرة" في الصفحة الرقم 343، تتخذ الرواية خطًّا تجريبيًّا على كافة المستويات، فبطل الرواية "سامح عبد الخالق" هو مؤلفها الضمني في الوقت نفسه، وهو "خالق" شخصياتها، ومن خلال استعراض سيرته الذاتية والأدبية وعناوين أعماله وأسماء شخصياته المعروفة يتجلى بما لا يدع مجالًا للشك أنه إبراهيم عبد المجيد ذاته، الذي أراد قناعًا فنيًّا لوجهه، لكنه قناع لا يُراد به التنكر والإخفاء، وإنما الإسقاط الرمزي البسيط.

في كلمته التمهيدية، يشير عبد المجيد إلى هذا التماهي التام بينه وبين المؤلف المستعار، بطل روايته العجائبية التي تتماس مع "مسرح الوهم"، وتتلاعب بالأزمنة والأمكنة، وتحشد في بوتقة واحدة: الواقعي المعيش، والتاريخي الموثّق، والمعرفي الثقافي، والحقيقي الملموس، والافتراضي التكنولوجي، والأسطوري الحلمي، حيث يقول في توطئة فكاهية تسبق الرواية الزاخمة: "لم أكتب هذه الرواية، إنما كتبها شخص وثق في أنني لن أنسبها إلى نفسي، وها إني أثبت صحة ثقته. ولكن أرجو أن يعذرني لأني لم أكتب اسمه في الغلاف!".

يترجم عبد المجيد، عبر ذلك المؤلف سامح عبد الخالق، رغبات لطالما باح بها من قبل في مجالسه وكتبه وأحاديثه الصحافية، وهي أشواق الكاتب إلى إحياء أبطاله وشخصياته الروائية ليكونوا بشرًا من لحم ودم، يعاينون المشهد الحياتي الآني، ويواجهون ما يجري على الأرض حاليًا من أحداث، من دون أن يتأثروا بحركة الزمن، أي أنهم يطلون (كما هم) في شرفة الحاضر، من نافذة الماضي، التي يسقطون منها مباشرة إلى عالمنا بهيئاتهم وعقلياتهم ومعارفهم التقليدية.

عبر هذه التقنية، استعاد المؤلف مجموعة من الشخصيات الورقية التي كتبها في سبعينيات القرن الماضي، على رأسها بطله الشاب سعيد صابر، الذي يلعب دور الراوي والشاهد على العصرين؛ القديم والجديد، والمشارك في الوقائع والحوارات والدراما المتنامية مع شخصيات أخرى نسائية وذكورية يستعيدها المؤلف الضمني بالأسلوب التخييلي ذاته، إذ يحضر على التوّ كلُّ من يفكر فيهم من أبطال رواياته.

أفسحت فكرة الرواية وآلياتها المبتكرة الفضاء واسعًا لإحداث مفارقات ومفاجآت ومساحات للإدهاش والطرافة لا حصر لها، من خلال عقد المقارنات بين العناصر المتغيرة (الماضي وما فيه، والحاضر وما يحويه)، وفق ميزان تقييمي ثابت (الشخصيات المستدعاة كما هي)، لينتصر المؤلف على طول الخط لما كان، مستبعدًا النجاة من أهوال الدوّامات الماحقة في هذه الأيام التي لم تشهد مصر أسوأ منها، وتشترك معها دول عربية كثيرة في الإظلام "كلنا في الهمّ شرق".  

ومع تتالي الصدمات والضربات القاضية التي يتلقاها الراوي جرّاء اطّلاعه على أحوال البلاد والعباد، يصل إلى ذروة قنوطه من إمكانية الإصلاح وتجاوز العثرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفاشية السلطوية والدينية والتيارات الظلامية وغيرها من المعوّقات، وتصل الأحداث إلى ذروة التشخيص الرمزي في نهاية الرواية، إذ يظهر "السايكلوب" (المسخ العملاق المفترس، ذو العين الواحدة، آكل البشر، وفق الميثولوجيا الإغريقية)، ليهاجم الشباب المُقْدِمين على الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا هربًا من القهر والفقر والعجز والكبت والأزمات المتجذرة، وعندئذٍ يستشعر الراوي أنها النهاية لحياة لم تكن سوى حصار، فيعود إلى العدم بمحض اختياره، إذ تحولت اللعبة إلى مأساة كاملة: "في لحظات جعلت من الأسطورة حقيقة يا سعيد، لكن ما ذنب بشر لا تعرفهم، كل همهم أن يتركوا هذه البلاد؟ ما رأيته في حياتك لا يمكن أن يكون مبررًا للفتك بالجميع".

رسمت الرواية عبر شخوصها وأحداثها صورة "الشبح الضاري" الذي يعيث قتلًا ودمارًا وتشريدًا وفسادًا في كل مكان، فهو ليس فقط ذلك "السايكلوب" الهائج في البر والبحر، والذي رآه الراوي في السينما وهو يأكل الناس، لكنه الرّعب المزروع في الأفئدة والأرواح، واللعنة التي حاقت على المصريين: "في مصر الآن من يفجر السيارات بين الناس والأشياء، ومن يحمل في وسطه حزامًا ناسفًا يفجر به نفسه وسط الناس. هؤلاء هم الإرهابيون".

رصدت شخصيات الرواية المستدعاة من الماضي عبر معايناتها اليومية ونقاشاتها وحواراتها الكثير من كوارث الواقع الحالي وهزائمه وانكساراته وملامح انحداره حد الضمور والموات، من ذلك: الطبقية والبطالة والغلاء الفاحش واستشراء الفساد، وتدني الذوق العام، وتراجع الفنون والآداب، وسطحية الشباب واغترابهم وعزلتهم وتقليدهم الأعمى للوافد الغربي في الملبس والمأكل والعادات، وسيطرة الشكلانية على الجوهر في ما يخص الدين والأخلاق والسلوكيات، وتقلص الحريات الشخصية والعامة، والانفصام عن حركة الحياة بالغرق في الإدمان والواقع الافتراضي والسوشيال ميديا، وغيرها.

تقصت الرواية تفاصيل الثورات العربية، وعلى رأسها ثورة يناير، متتبعة أسباب إخفاقها بسبب نقص الخبرات وتدخل التيارات الدينية التي أفسدت النقاء الثوري، وترصدت الأحداث سيطرة جماعات العنف على المشهد وتنامي التطرف والإرهاب وطيور الظلام، وكيف آلت الأوضاع إلى انسحاق التيارات المدنية وغياب الأحزاب والكيانات الفاعلة في ذلك النزاع المتأجج بين الإسلام السياسي والسلطة العسكرية التي استردت مقاليد الأمور.

اتسمت المعالجة الروائية بالرشاقة والذكاء في المزج بين الحقيقة والخيال، وشحن الكاتب عمله بتفاصيل حياته الخاصة وأسراره الشخصية وعلاقاته الحميمة، خصوصًا النسائية، من خلال بوح المؤلف الضمني سامح عبد الخالق واعترافاته وفضفضاته مع أبطال رواياته. واكتسبت الشخصيات وهجًا إضافيًّا مبعثه صفاتها الشبحية وقدراتها الاستثنائية في المراوغة والتخفي والذوبان والطيران وما إلى ذلك، بما منح القراءة متعة وتشويقًا وجاذبية وإثارة، وحوّل الأحداث إلى مغامرات تحتبس فيها الأنفاس.

"السايكلوب"، رواية جريئة مضيئة شق بها إبراهيم عبد المجيد ظلمة القبور المعتمة، مبتعثًا شخصيات يُفترض أنها قد عفا عليها الزمن، وتجاوزها الواقع، لكن المفاجأة أنها أكثر وعيًا وتطورًا وعمقًا روحيًّا من الأشباح المقيتة التي تسكن الهياكل البشرية في هذا العصر منزوع الطاقة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها