آخر تحديث:11:54(بيروت)
الأربعاء 07/08/2019
share

توني موريسون.. الكتابة عن السود بلا القول بأنهم سود

محمد حجيري | الأربعاء 07/08/2019
شارك المقال :
توني موريسون.. الكتابة عن السود بلا القول بأنهم سود اسطورة الأمل
"لم أشعر في أي لحظة من حياتي بأنني أميركية"... هذا ما قالته الروائية الأميركية الراحلة توني موريسون(88 عاماً)، في محاضرة ألقتها في نادي "بين" في نيويورك في العام 1986، ونقلتها جريدة "لوموند" الفرنسية 8 أكتوبر/تشرين أول 1993.

لا أدري لو كانت موريسون من هنا، وقالت هذه العبارة في بلاد "العُرب هيا"، ماذا كان حل بها، وإلى أين انتهت. ومع ذلك، ورغم قولها "الناري" و"العابر"، كانت موريسون، وبسبب شعبيّتها الطاغيّة واعتبارها "صانعة رأي"، فإنّ الكثير من السياسيين الأميركيين سعوا للتقرّب منها والظفر بودّها وصداقتها والتقاط الصور الى جانبها، أو دعمها بالأوسمة، ومن بينهم باراك أوباما؛ الذي سعى للحصول على تأييدها له عند ترشّحه لمنصب الرئيس في ولايته الأولى. ولم يكن غريباً ان يحتفي بها اوباما وان يجلسها على كرسيه في المكتب البيضاوي في البيت الابيض، ويسمح للصحافيين بتصويرها وهي تجلس في كرسيه في البيت الأبيض، بينما هو يقف. تقول موريسون عن علاقتها بأوباما، في حديث مع مجلّة "لير": "لم أساند باراك أوباما لأنّه أسود، ولم يكن لون بشرته محدداً لي لتأييده، لكنّي اقتنعت ببرنامجه السياسي الذّي تقدّم به للانتخابات، وبعد متابعة نشاطه والتعمّق في تحليل شخصيّته، انتهيت إلى الاقتناع بأنّه رجل مثقّف وذكي". ونشرت الروائية، المعروفة بمناصرتها الحزب الديموقراطي، مقالا في "نيويوركر" غداة انتخاب دونالد ترامب عنوانه "في حداد على البياض".

صحيح أنها كانت تكتب في بداياتها "من أجل السود"، إلا أنها سعت في مرحلة لاحقة إلى تخطّي "الهوس بلون البشرة" للتوجّه إلى القارئ بقيم عالمية. وكان يحلو لها أن تقول: "مُناي الكتابة عن السود من دون القول إنهم سود، تماماً مثلما يكتب البيض عن البيض"، وتعترف موريسون أنّ علاقة مودة كبيرة ربطتها بالرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وقالت عنه: "إنّ بيل كلينتون تربطه علاقة ودّ مع السود الأميركيين". وهي كتبت العام 1998 في خضمّ فضيحة مونيكا لوينسكي، أن كلينتون هو "أول رئيس أسود" للولايات المتحدة، مشيرة بعد سنوات إلى أنه "عومل مثل أسود في الشارع وثبت ذنبه وجرمه من دون محاكمة".

وبعيداً من كليشيه "أول سوداء تنال جائزة نوبل للآداب"، لم تكن موريسون مجرد كاتبة، بل تعدّ من الأصوات التي حاربت وفضحت العنصرية ضد الأميركيين الزنوج، وقد نجحت في أن يستهلم إبداعها الروائي طفولتها المبكرة والقصّ الشعبي والاساطير حول التفرقة العنصرية وبقايا ممارسات العبودية في المجتمع الاميركي. بل تحولت "رمزاً للأمل" بحسب كتاب "نساء نوبل" لخالد محمد غازي. ساهمت وهي سليلة عائلة من "العبيد"، في الإضاءة على أهمية أدب السود. وحصلت على مقعد في جامعة برينستون التي لطالما كان أساتذتها من الرجال البيض حصراً. كان و"الدها يكره البيض فيما كانت والدتها ربة منزل محبة للحياة. وكبرت موريسون في وسط فقير ومتعدد الثقافات"(وكالة الصحافة الفرنسية). وهي لطالما أكدت أنها لم تدرك حجم التمييز العنصري إلا لدى التحاقها العام 1949 بجامعة "هاورد يونيفرسيتي" الملقبة "هارفرد السوداء"، في واشنطن. وبثقة عالية، تابعت دراستها في جامعة كورنيل. وقد أصبحت أستاذة للأدب في تكساس قبل العودة إلى واشنطن.

وكانت مهتمة بقراءة الأدب القصصي منذ مراحل حياتها المبكرة، ومن أهم الكُتّاب الذين تأثرت بهم؛ جين أوستن وليو تولستوي، هذا بالإضافة إلى أن والدها كان يروي لها العديد من الحكايات الشعبية عن مجتمع السود بطريقة السرد القصصي، وكل هذا ظهر متجليًا في أسلوب كتابتها. ويبقى فوكنر هو مفتاح للدخول إلى أدبها، فقد أعدت دراسة عن الانتحار في أدبي فوكنر وفرجيينا وولف، قبل أن تؤلف رواية واحدة، ولعل اعجابها الشديد بالكاتب الاميركي، قد دفعها الى ان تمشي على دربه، والنقاط المشتركة كثيرة بين فوكنر وموريسون بحسب الناقد المصري محمود قاسم، منها أن هناك في اغلب روايات الأدبية ثلاثة اجيال، وانتقالاً حاداً بين أزمنة هذه الأجيال. وهناك شيئان مختلفات بكل وضوح بين فوكنر وموريسون، فصاحب "الصخب والعنف" معظم أبطاله من البيض، أما صاحبة "جاز" فأبطالها من الزنوج، ويكون الرجل الابيض بمثابة شخصية هامشية. لقد جعل فوكنر المعاناة من نصيب البيض، أما موريسون فقد جعلت السود يعانون بسبب هؤلاء البيض. أما السمة الثانية التي تختلف في أدب موريسون عن روايات فوكنر، فهي اننا أمام عالم نسوي في المقام الاول.

وأكثر روايات موريسون، تناول موضوع العنصرية ضد السود في أميركا، وهي تقول: "ما أهتمّ به في رواياتي ليس الحال التي يكون فيها كلّ شيء على ما يرام". بدأت بتأليف القصص القصيرة منذ أن كانت في الجامعة، وكانت أولى رواياتها بعنوان "العين الأكثر زرقة"، نشرت العام 1970، وهي تحكي عن فتاة سوداء تتوق للحصول على عينين زرقاوين، وأظهرت من خلالها حسها الفكاهي، خلافاً للنصوص الملتزمة في حركة "بلاك باور" (القوة السوداء) التي كانت رائجة حينها. وبعد نجاح تلك الرواية وترشحها للحصول على جوائز عديدة، كتبت روايتها الثانية "سولا"، ونشرت في العام 1973، والتي رشحت للحصول على جائزة الكتاب الوطنية. وشكل كتابها من المختارات الأدبية "ذي بلاك بوك" (1974)، حافزاً لجيل بأكمله من الكتّاب لكي يوصلوا أصواتهم. وفي العام 1978، ألفت روايتها الثالثة "أغنية سليمان"، وفي العام 1987 نشرت روايتها "المحبوب" التي حوّلت إلى فيلم نال اعجاب الملايين في جميع أنحاء العالم، وفازت هذه الرواية بجائزة بوليتزر، هذا بالإضافة إلى فوزها بجائزة الكتاب الأميركي.

وتدور أحداث "محبوب" في أميركان القرن السابع عشر، عندما كان المهاجرون يتدفقون إليها من البلدان الأوروبية بأعداد وفيرة، من بينهم سويديّون وفرنسيّون وأسبان وإيطاليون وهولنديّون وروس. في هذه الفترة بدأ ظهور خدَم بيض. وفي الحقيقة كان هؤلاء الخدم عبيداً، تماماً مثلما هو الحال بالنسبة للخدَم السود. وفي طريقهم الى المهجر الأميركي، كان البعض من هؤلاء الخدم البيض يموتون قبل الوصول إلى "العالم الجديد". أما الذين يتمكنون من الوصول فإنهم يتحولون في الحين الى عبيد. وكذلك زوجاتهم، وأبناؤهم. الشيء الوحيد الذي كان يميّز الخدم السود عن الخدم البيض هو أن هؤلاء كان في استطاعتهم أن يفرّوا، وأن يذوبوا في الجموع البيضاء. 

توني موريسون الراحلة، أمس عن 88 عاماً، نجمة تضاهي شهرتها نجوم هوليوود، بل هناك من ذهب إلى حدّ وصفها بـ"الأسطورة"..

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"