آخر تحديث:13:27(بيروت)
الثلاثاء 06/08/2019
share

الدرس ما قبل الأخير لليلى التي افترستها العنكبوت!

أسعد قطّان | الثلاثاء 06/08/2019
شارك المقال :
الدرس ما قبل الأخير لليلى التي افترستها العنكبوت! من اعتصام في ساحة سمير قصير، تضامناً مع "مشروع ليلى" (getty)
«- صدق اللي قال: يحاسبوا عالبعوضة ويبلعوا الجمل.
- ماللي قالها صلبوه.
- يا دي الداهية! ومين بقا اللي عملها؟
- اللي بلع الجمل»
(يوسف شاهين، العصفور)

ربّما يبدو هذا الكلام غرائبيّاً، ساذجاً، غبيّاً. 
من الجيّد والمفيد أنّ المؤمنين بحرّيّة الفكر في لبنان والشرق والناشطين والأكاديميّين والمثقّفين الحقيقيّين خسروا معركة "مشروع ليلى". أكتب هذا الكلام وأنا ما زلت أجهل مضمون معظم الأغاني (وهو مهمّ طبعاً). لكنّ القضيّة هي قضيّة حرّيّة. وعلى وقع غياب الحرّيّة، يبدو المضمون ثانويّاً كائناً ما كانت أهمّيّته.

من الجيّد والمفيد أنّهم خسروا المعركة. فمن الأفضل أن تسقط حفلة موسيقيّة برمّتها بدلاً من أن تظهر في نسخة معدّلة بعد نجاحها في "الامتحان" أمام أجهزة دولتيّة ودينيّة ظلاميّة، ديماغوجيّة، تافهة. والأجدر بالحرّيّة أن تحتجب من أن تساوم على الحرّيّة. لقد افتضح أمر العناكب المتسكّعة في سراديب هذه الأجهزة. هي لا تستطيع أن تحاور، لا تستطيع أن تناقش، لا تستطيع أن تقارع الحجّة بالحجّة. فالحوار يفترض الاتّضاع المعرفيّ، ويفترض الاحتكام إلى العقل، ويفترض السعي المشترك إلى الحقيقة. أمّا الخطاب الذي تزاوله العناكب المتقوقعة في بيوتها المتعفّنة منذ عشرات السنين، فهو خطاب الإطلاق والمونولوغ وامتلاك الحقيقة. وهو الخطاب الذي لا يعترف بالعقل أداةً للمعرفة وأداةً للمساءلة وأداةً للتصحيح. لقد أثبت هذا الخطاب فشله. فالعناكب في "وادٍ" وغالبيّة الناس في "وادٍ" آخر، كما تغنّي فيروز.

ولم يبقَ للعناكب سوى أن تتصرّف كالعناكب، أي أن تفترس طريدتها. فحين يُفلس العقل، لا يبقى سوى العنف. والعقل في التركيبة الطائفيّة التي تحكم البلد، وفي المُؤَسّسة الدينيّة التي تطبّل لهذه التركيبة، أفلس من زمان. شكراً جزيلاً للعنكبوت. لقد فهمنا الدرس جيّداً.

ومن المفيد أنّ عشّاق الحرّيّة في بلدي خسروا المعركة، لأنّهم لو ربحوها، لكانوا سينتشون بالانتصار الظرفيّ وربّما ينسون أنّ البنى الطائفيّة ما زالت تتحكَّم ببلادنا، وأنّ المتربّصين بالحرّيّة ما زالوا يتربّعون على عروشهم، وأنّ الحلف بين الوحش الطائفيّ الذي يسرق الناس والحاشية الدينيّة التي تمتهن عقولهم "راقي وبيجنّن"، على حدّ تعبير زياد الرحبانيّ. أعرف أنّ هذا الكلام قاسٍ. فالفشل قاسٍ، والإحباط قاسٍ. وقاسٍ هو الشعور بأنّ بلادنا ما زالت تتخبّط في وحول الزبانيّة والطائفيّة والعنف باسم الدين منذ عشرات السنين، منذ ما قبل الحرب الأهليّة في لبنان، وكأنّ الزمن لا قيمة له، والتاريخ لا قيمة له، والحياة لا قيمة لها. لكنّ الانتصار في معركة حفلة غنائيّة ربّما كان سيجعلنا نتلهّى بالعارض الذي احتجب وننسى الداء الذي ما زال ينخر الجسم ويفسّخه.

المعركة الحقيقيّة أيّها السيّدات والسادة ليست "مشروع ليلى". المعركة الحقيقيّة هي إسقاط النظام الطائفيّ الآخذ اليوم في تجديد ذاته، والذي يسمح لثلّة من أهل السياسة بنهب الناس، ولحفنة من أهل الدين بمصادرة العقول. وهذه المعركة لم تبدأ بعد...

(*) أسعد قطان من الموقعين على بيان لمجموعة من المثقفين/ات المسيحيين/ات في لبنان، دانت فيه تقاعس الكنيسة عن دعم الحرّيّات والكرامة الإنسانيّة وعن التشجيع على الإبداع والخلق، معتبرين أنها عادت بلبنان إلى زمن محاكم التفتيش.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

أسعد قطّان

أسعد قطّان

أستاذ جامعيّ

مقالات أخرى للكاتب