آخر تحديث:11:30(بيروت)
السبت 31/08/2019
share

"نحنا والقمر والجيران": في الشارع سيرك ورقص.. لسرد الذوات

علاء رشيدي | السبت 31/08/2019
شارك المقال :
"نحنا والقمر والجيران": في الشارع سيرك ورقص.. لسرد الذوات تتنقل العروض في مدن لبنانية عديدة
يمكن اعتبار عروض مهرجان "نحنا والقمر والجيران" الذي تقيمه مؤسسة (بيت الفنان في حمانا)، والذي يجري في مدن لبنانية عديدة: (طرابلس، الهرمل، حمانا، صيدا)، فسحة لتعرف المشاهد على أنواع من العروض المسرحية النادرة التقديم للمتلقي العربي، وهي عروض الأداء التي تجمع الكوريوغراف، الرقص المعاصر وفنون السيرك.

في العلاقة مع الجاذبية
العرض المرتقب من اسبانيا لفرقة "لا ميكانيكا"، بعنوان "سقطة الماء"، وهو عرض مسرح شارع يدمج تقنيات الأداء البهلواني القائم على المهارات الجسدية، مع عروض المهرج المستمدة من السيرك. تُنصب في ساحة عامة مجموعة من سطول الماء البلاستيكية حيث يوهم أحد المؤدين (باو باشيرو)، الجمهور، بأداء قفزات بهلوانية فوقها، لكن شخصاً من يبدو وكأنه متسلل من الحضور، يخترق فضاء العرض، ليقف حائلاً دون إتمام العرض، هذا المتدخل من الجمهور ليس إلا المؤدي الثاني في العرض (مون جوان تيكا). وبأداء مستوحى من تقنيات المهرج يدخل المؤديان في صراع على احتلال الفضاء السينوغرافي للعرض، يطاردان بعضهما بعضاً، ويقفز أحدهما فوق الآخر، يؤديان مشاهد قتالية بطريقة كوميدية كأنها سخرية من مَشاهد المطاردات والأكشن والقتال في السينما الهوليوودية.

على مستوى الحدث المسرحي هي علاقة الغبي والأغبى المعروفة في عروض السيرك – المهرج. أما على مستوى الأداء الجسماني، فهو الأداء المصمم للتلاعب مع الجاذبية، الأداء الحركي بين جسدين في التفاعل والصراع بينهما للوصول إلى ما يمتع المتفرج بمهارات الجسد في العلاقة مع الإرتفاع والسقوط، وأداء المشاهد الحركية مع الغرض المسرحي، واللعب مع قوانين الجاذبية.



الوحدة المليئة بالآخرين
في العرض الكريوغرافي، "موحَّدون"، للمصممة كورين سكاف نشهد على المسرح ( 11 راقصة وراقصاً)، صممت حركتهم المسرحية على أساس تيمة "الوحدة". تكتب المخرجة في البيان الخاص بعرضها: "بحث كريوغرافي حول موضوع الوحدة. ماذا يعني أن نكون موحدين؟ كيف تكون الوحدة تعبيراً عن التعددية، وكيف يمكن للمجموعة أن تتعامل كوحدة مرتبطة؟" من هذه الأسئلة عن العلاقة بين الفردية والجماعة، بين العزلة والتفاعل مع المجموعة تستلهم المخرجة تصميم عرضها الحركي.

للتعبير عن هذه المواضيع عبر التصميم الحركي، يصور المشهد الأول راقصة - مؤدية تحاول التوحد إلا أنها تجابه بوجود الآخرين في أفق عزلتها، يدخلون في مدى بصرها، يحجبون عنها الرؤية، ثم يتلبسون بحركتها، فتصبح حركات المجموعة صدى لأية حركة تحاول المؤدية المتوحدة القيام بها، لا يمكن لحركتها أن تنعزل بفردية، لأن المجموعة تقرر أن أداء المؤدية الفردية هي المنبع لحراك كامل الجماعة الراقصة.

إذا كان المشهد الأول في العرض يستعرض حركياً العلاقة بين الفرد والجماعة، فإن المشهد الثاني يتناول علاقة أفراد الجماعة في ما بينهم، بحث حركي في وحدة الجماعة وعلاقتها ككتلة راقصة حركية واحدة على المسرح، فلا تبلغ الجماعة، 11 راقصة وراقص، أداءً حركياً موحداً، بل تظهر على الدوام تفريدات. كأنها تغريدات خارج السرب، تبدأ كتنويعات فردية، ثم ثنائية، ثلاثية وهكذا دواليك، حتى يثبت التصميم الحركي للمشهد أن الجماعة أبداً لا تجتمع على حركة واحدة، وأن العلاقات في داخل الجماعة أكثر تعقيداً من مشروع التوحد والتضامن. سولو، ديو، تريو، كواترو، ثم سينكو، تنقسم المجموعة في أداءها الحركي، بمرافقة موسيقى إيقاع ونقرات إلكترونية من تصميم (Keda).

يختتم العرض بالعودة إلى تيمة المشهد الأول، الراقصة – المؤدية المنعزلة التي كانت راغبة بالتفرد أنهكت كامل أعضاء المجموعة فبلغوا ذروة التعب وتوقفوا عن الحركة، بينما تستمر المؤدية الإفرادية في أدائها، مما يشير إلى قيمة الإرداة ودورها في تحقيق الفرد لذاته وأهدافه. ومن بعد حين تعلن المؤدية الإفرادية قدرتها على الإستمرارية لأن الحركة كانت تنبع من إرداتها وليس من رغبة التقليد التي كانت دافع الجماعة، تهمد أخيراً مثل بقية الراقصين لينتهي العرض الذي صمم على مفهوم الوحدة والجماعة، موظفاً لمعالجة هذه الموضوعة تقنيات سرد الحركي والتصميم الكوريغرافي.

البلوغ والطفولة في هارموني حركي
تقدم مجموعة "سكابا" الفرنسية - المصرية عرضاً مميزاً بعنوان (الأضعف بينهما)، التميز الذي يحمله العرض هو تلك العلاقة بين الجسد البالغ والجسد الطفولي في التصميم الحركي المسرحي داخل الفضاء السينوغرافي المتشكل من مساحة مسرحية وإسقاط ضوئي فيديو بروجيكشن مصمم من قبل أوليفيه غيليمان.

يدخل رجل بالغ بجسد ضخم وهو يحمل طفلاً، دخولاً يذكر بصور المهاجرين الذين يحملون أطفالهم في طريق الرحيل والهجرة، يمدد الرجل البالغ، الطفل على الأرض ثم يبدأ القيام بمجموعة من الأداءات الحركية فوق جسد الطفل ومن حوله. يطرح العرض على المتلقي تساؤلاً عن كيفية التعامل مع جسد الطفولة في المسرح الحركي، وما هي الإمكانيات في رسم علاقة بين المؤدي المحترف وبين الحضور الطفولي في الأداء الحركي؟ يراهن مخرج العرض على ذلك التأثير بالمتلقي في متابعة حضور طفولي في عروض طالما كانت حكراً على الأجساد الناضجة والمحترفة. 

لا يلبث الطفل الذي كان هامداً أن يضج بالحيوية والحركة، لتبدأ علاقة تدريب وتحدٍّ في الآن عينه، بينه وبين الراقص البالغ الرئيسي، ومن هنا يأتي عنوان العرض "من الأضعف بينهما؟"، من هذا السؤال ينطلق الأداء الحركي في العرض. يتساءل العرض في نصه التقديمي: "ماذا لو كان بوسع الأطفال تخيل عالم صالح للجميع؟ عالم يسمح للبالغين والأطفال بأن يقفوا ثابتين على الأرض ويتيح لهم أن يرافقوا بعضهم بعضاً ويمشوا معاً"، هذا التناغم بين الطفل والبالغ المذكور في النص التقديمي، هو أحد مميزات العلاقة بين الجسدين المؤديين في العرض أي البالغ المحترف محمد شفيق، والطفل المتدرب والمتحدي محمد فؤاد.

التحدي بين الجسد والذات
يتطرق عرض بعنوان "الرقص بطلي" للمخرجة والمؤدية الإسبانية كريستينا غوميز، محاولات الجسد للتخلي عن الذات، لكن الجسد لا يلبث أن يجد أنه مدمج بداخل الذات. عبر الإنغماس بالوسائط الرقمية تحاول المؤدية العزل بين الجسد والذات، لكن البحث عن المشاعر والحب يقف عائقاً أمام هذه الفرضية. يثبت التصميم الحركي في العرض أن الجسد وحده غير كاف لبناء التواصل الحقيقي مع الآخرين، وأن الجسد وحده غير قادر على قيادة الإنسان في تجارب الحياة دون الوعي المطلوب من الذات.

تلك العلاقة مع الذات، هي موضوعة عرض آخر من عروض المهرجان بعنوان "انتبه عحالك" وهو للمخرج والمؤدي مارك أوسرتهوف، حين تعيش الذات في الممل، لا تجد أكثر ما يحمل التحدي والمتعة أكثر من التجريب في الحدود والإمكانات الأدائية والمشاعرتية التي يقدمها الجسد. من هنا نجد على المسرح زجاجة ويسكي، بضعة كؤوس، سكاكين، مصائد فئران، طابات ورقية، مؤدي واحد ينطلق من حدود الممل التي تعيشه الذات، إلى حدود الخطر الجسماني الذي يمتع الذات. عرض يجمع الرقص، الأداء، والسيرك المعاصر.

البهلوان الغبي يحبس أنفاس الجمهور
يقترح بيار ديو شخصية بهلوان كوميدية، من اللحظات الأولى لعرضه بعنوان بهلوان الحبل عند محاولة صعوده على السلك الحديدي المنصوب في فضاء عام، يرسم ملامح شخصية بهلوان مضحك، عاجز عن الإتيان بالحركات التي ينتظرها الجمهور، ضعيف الجسد، ويحرص على تصفيفة شعره فوق نظراته السميكة أكثر من اهتمامه من أداء الحركات الخطرة بثبات. وبذلك، بدلاً من التشويق المرافق عادة للعروض البهلوانية، ينمي بيار ديو الشك في عقول المشاهدين عبر السمة التي يتسم بها شخصية البهلون التي يبتكرها، إنه بهلوان خائف، يصل حدود الغباء، وضعيف البنية، مما يجعله متهوراً أكثر منه بارعاً واثقاً. على هذا الإيقاع بين التردد، ضعف الشخصية والحماقة، يقدم بيار ديو عرضاً من 30 دقيقة يتسلق فيها على حبل حديدي معلق على ارتفاع خمسة أمتار فوق الأرض الحجرية للساحة العامة في حمانا، يمزج العرض بين المتعة والخوف، ويقدم لحظات تتسق بوتيرة الحبل، وتيرة تبقي أعين المشاهدين مشدودة إلى الحماقة التي قد ترتكبها شخصية البهلوان بأكثر مما هي مشدودة إلى المخاطرة التي ينطوي عليها العرض.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها