آخر تحديث:13:04(بيروت)
الأربعاء 28/08/2019
share

ترميم "البارون"... ترويض قصر الرعب والعفاريت

أسامة فاروق | الأربعاء 28/08/2019
شارك المقال :
ترميم "البارون"... ترويض قصر الرعب والعفاريت البارون
بسبب موقعه البعيد، وعمارته الفريدة، وتماثيله الغريبة، وإغلاقه المستمر، استطاع قصر البارون في ضاحية مصر الجديدة، أن يصنع ببساطة أسطورته الخاصة في الخيال الشعبي المصري. كان اقتحامه على رأس مغامرات الشباب في الثمانينيات والتسعينيات، وسجلت حوائطه بطولات ومغامرات ونسخت عليها الألغاز والأساطير. يتذكر جيرانه وحراسه الكثير من القصص المرعبة التي ارتبطت به على مدار تاريخه الطويل؛ أصوات صراخ وشجار في منتصف الليل بلغة غير مفهومة، موسيقى وحرائق مجهولة تنشب وتنطفئ وحدها، أما أشهرها فقضية "عبدة الشياطين" التي شغلت الرأي العام المصري كله في العام 1997 إذ استغلته مجموعة من الشباب لإقامة حفلات صاخبة انتهت بقضية جنائية. وظل القصر المهجور محوراً لجدل دائم، إلى أن اتخذت الحكومة المصرية قراراً بضمه إلى هيئة الآثار التي باشرت عملية الإعمار والترميم فيه على أمل تحويله إلى متحف أو أحد قصور الرئاسة، إلا أن تلك المحاولات تعطلت أكثر من مرة حتى توقفت تماماً، لتتأكد الرواية الشعبية عن عفاريت القصر وأشباحه.

مؤخراً تجدد العمل في القصر، وفي استعراضها لما اُنجز في أكبر عملية ترميم يشهدها القصر–بكلفة فاقت الـ100 مليون جنيه حتى الآن وتنفذها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة- قالت وزارة الآثار المصرية إنه انتهت من تدعيم أسقفه وترميم واجهاته وعناصره الزخرفية، وتنظيف حوائطه. ربما كان يجدر بها الاحتفاظ ببعض الحوائط من دون تنظيف، لتظل شاهدة برسائلها السرية وطلاسمها المجهولة على مسيرة القصر الأشهر، بالتأكيد سيبحث عنها رواده بعد أن يملوا التماثيل والتحف، وستبحث عنها أجيال من سكان حي مصر الجديدة الذين احتل القصر مكاناً دائماً في أحلامهم أو بالأصح كوابيسهم، واحتفظوا له بداخلهم رغم الرعب بتوقير وإجلال كمكان سرى لمغامرة محتملة.

بعد أسابيع قليلة يفتتح القصر رسمياً ليبدأ فصلاً جديداً في سجل حكاياته، سيصبح الاقتراب منه عادياً، لن يحتاج دخوله لقلب ميت وأعصاب حديدية ولياقة بدنية، فقط ستحتاج لثمن التذكرة. لن يكون دخول قصر البارون مغامرة بعد الآن، بل سيُسمح بالتجول الحر في ممراته وأقبيته وسراديبه السرية. بعد أسابيع يروض القصر المهجور وتطرد عنه أشباحه.. فهل تسقط عنه أساطيره؟!

في أي حال، فأساطيره وحكاياته القديمة تلك حركت خيال المؤلفين والمبدعين، فخلُد في أعمالهم الإبداعية التي أعادت استلهام قصصه الخرافية في ألغاز روائية وأعمال سينمائية وتسجيلية، وإن كان الخيال الشعبي سيظل يتذكره كمأوى للشياطين، وكوكر أبدى للأساطير والحكايات.


حكاية قديمة
حكاياته بدأت منذ بزوغ فكرته في رأس صاحبة. حلم راود رجل الأعمال البلجيكي البارون إمبان، الذي وقع في غرام القاهرة، وأراد استغلال الامتداد الصحراوي المحيط بها لتأسيس مدينة جديدة، بالتحديد على مسافة عشرة كيلومترات شمالي القاهرة، على ربوة ترتفع عن مستوى النيل، بالقرب من أطلال مدينة عين شمس القديمة "هليوبوليس". 

نجحت مفاوضات البارون مع الحكومة المصرية والتي بدأت في 20 مايو 1905، وباعت الحكومة للبارون وشريكه "بوغوص نوبار باشا"، 5 آلاف و952 فداناً صحراوياً بسعر زهيد لا يتجاوز الجنيه واحد للفدان. صمم البارون مدينة أحلامه على الطراز العربي المميز بالبواكي المحمولة على أعمدة من الغرانيت الفاخر، ومنها ترتفع أبراج على شكل مآذن صممها المهندس البلجيكي "غاسبارد". عمارة أخذت ملامح عديدة من القاهرة القديمة التي كانت قد بدأت تتداعى، وأضافت إليها ملامح من العمارة الأوروبية حيث كان التصور المبدئي لها أن تكون مدينة للأوروبيين.

في العام نفسه، بدأ البارون في وضع أساسات قصره الخاص، كان يعرف ما يريده جيداً، أراد تحفة معمارية لا مثيل لها. أراد عمارة أسطورية استلهمها من المعابد الهندوسية، عناصره المعمارية تحدثت عنها الكثير من كتب العمارة وسجلات الآثار وباتت معروفة للجميع؛ شرفاته الخارجية محمولة على تماثيل الفيلة الهندية، وأرضياته من الرخام والمرمر الأصلي استوردها من إيطاليا وبلجيكا، وممراته متحف يضم تحفاً وتماثيل من الذهب والبلاتين.. قيل إنه وجدت داخله ساعة أثرية قديمة لا مثيل لها إلا في قصر باكنغهام الملكي في لندن، توضح الوقت بالدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين مع توضيح تغييرات أوجه القمر ودرجات الحرارة.

القصر من الداخل صغير الحجم، فهو لا يزيد على طابقين ويحتوي على 7 حجرات فقط. الطابق الأول عبارة عن صالة كبيرة وثلاث حجرات 2 منهما للضيافة والثالثة استعملها البارون كصالة للعب البلياردو، أما الطابق العلوي فيتكون من 4 حجرات للنوم ولكل حجرة حمام ملحق بها. وأرضية القصر مغطاة بالرخام وخشب الباركيه، أما البدروم (السرداب) فكانت فيه المطابخ والكراجات وحجرات الخدم.

تتصدر مدخله تماثيل الفيلة، كما تنتشر على جدرانه الخارجية ونوافذه زخارف على الطراز العربي، ويضم تماثيل وتحفاً نادرة مصنوعة بدقة بالغة من الذهب والبلاتين والبرونز، بخلاف تماثيل بوذا والتنين الأسطوري، الذي يحرس القصر المصمم بطريقة تجعل الشمس لا تغيب عن حجراته وردهاته أبداً، وفيه برج يدور على قاعدة متحركة دورة كاملة كل ساعة ليتيح لمن يجلس فيه أن يشاهد ما حوله في الاتجاهات كافة! كانت حول القصر حديقة فيها زهور ونباتات نادرة، كما يوجد بالقصر نفق يصل بين القصر والكنيسة العريقة "كنيسة البازيليك" الموجودة حتى الآن!

أما سطحه الأسطوري، فكان أشبه بمنتزه يستخدم في بعض الحفلات التي كان يقيمها البارون، جدران السطح فيها رسوم نباتية وحيوانية وكائنات خرافية، ويصعد إليه بواسطة سلم مصنوع من خشب الورد الفاخر.


تماثيل الهند
غالبية التماثيل الموجودة في القصر جلبها البارون إمبان، من الهند، كما يضم عدداً من التماثيل أوروبية الطراز، المصنوعة من الرخام الأبيض، وهي ذات ملامح رومانية تشبه فرسان العصرين اليوناني والروماني. بعض التماثيل اختفى بالطبع، وكثير منها تهشم وضاع إلى الأبد.

تعرض القصر بعد وفاة البارون العام 1929 للإهمال لسنوات طويلة، تحولت خلالها حدائقه إلى خرائب، وتشتتت جهود ورثته ومن حاول شراء القصر واستثماره. أُهمل القصر وبدأ في كتابة أسطورته الخاصة بمسار مغاير.

تجدد الجدل حول القصر، الأسبوع الماضي، بعد انتشار صور لعمليات الترميم التي تجرى فيه الآن، تمهيداً لافتتاحه في أكتوبر المقبل. صور وتعليقات، وإن أظهرت السخرية، فإنها تبطن قلقاً بالغاً على القصر الشهير، وتشير في الوقت نفسه إلى عدم ثقة في موظفين أفسدوا من قبل تحفاً وطنية لا تقدر بثمن.

لكن، وعلى غير العادة، لم يتأخر الرد الرسمي كثيراً. فبمجرد انتشار التعليقات التي وصفت القصر بعد دهانه باللون الطوبي ببيت "الكبير"، في إشارة إلى المسلسل الهزلي للممثل أحمد مكي، أصدرت وزارة الآثار بياناً رسمياً قالت فيه إن ألوان الواجهات الخاصة بقصر البارون هي الألوان الأصلية نفسها "القائمين علي عمليات الترميم بالقصر اتخذوا كافة الإجراءات اللازمة من اختبارات وتحاليل وتوثيق فوتوغرافي ومعماري لمظاهر التلف لوضع الخطط اللازمة وعمل العينات المطلوبة بأساليب الترميم العلمية المتبعة والتي أظهرت الألوان الأصلية لجميع الواجهات وبناءً عليه تم إجراء عملية الترميم لتلك الواجهات بالمحافظة والتثبيت لما كُشف عنه من ألوان أصلية والتي تعرضت للتأثر بالسلب نتيجة العوامل الجوية".

وأوضح المشرف العام علي مشروع تطوير القاهرة التاريخية، المهندس هشام سمير، أن الدراسات التي سبق وتمت للوقوف على الألوان الأصلية بالواجهات شملت ذكر اللون في الوثائق التاريخية المتعلقة بقصر البارون مدللاً ببعض الكتب والمراجع التي وصفت القصر بدقة في أزمنة مضت، مؤكداً أن التوثيق الفوتوغرافي الذي تم عمله قبل الترميم يظهر اللون الأبيض لباطن القبو الغائر للمدخل وهو من الجبس وكذلك لون الواجهات قبل أعمال الترميم وهو لون طوبي محروق وهو ما ظهر بعد عمليات التنظيف. 

لكن الجدل لم يتوقف، وكان هذه المرة حول إزالة السور التاريخي للقصر، ومجدداً عادت الوزارة لترد بأنه "غير أثري" وأُنشئ حول القصر العام 2006، كما قالت إنه لا يتواءم مع القيمة الأثرية والمعمارية للقصر، مؤكدة أنه لن يُبنى سور حجري بدلاً منه، وأنه استُعين بالرسوم الأصلية للقصر والمنفذة من قبل المهندس ألكسندر مارسيل، وذلك لإنشاء أسوار بنفس تصميم الأسوار القديمة، مؤكدة على أنه لن يتم بأي حال إعاقة أو حجب رؤية القصر ليستمتع المارة بمشاهدة القصر وروعة تصميمه.


مشاكل معمارية ومصير مجهول
ورغم الردود الرسمية فقد جاء الرد الأفصح والأوضح والأكثر حسماً للجدل من المهندس والخبير المعماري، طارق المري، الذي أصدر بياناً تفصيلياً معززاً بالصور والوثائق أكد فيه أن اللون مثبت تاريخياً وبالمعاينة البصرية وأكدته التحاليل المعملية. بل اعتبر إن إعادة اللون الأصلي من مكتسبات عمليه الترميم الحالية، مشيراً إلى أن الذاكرة البصرية التي شككت في عملية الترميم لاعتياد أصحابها على اللون القديم ستتعود على اللون الأصلي الجديد خلال خمسة أعوام على الأكثر، مثلما حدث مع المتحف المصري -الذي بُني في الفترة نفسها وباللون نفسه تقريباً- وقت أن رممت واجهاته العام 2005 إذ تكرر الجدل نفسه، حتى اعتادت الناس الآن على لونه، وقد كانت مبانٍ كثيرة في بداية القرن العشرين تُطلى بأكسيد الحديد (البني المحمر) والذي استخدم بكثافة في ذلك الوقت.

كما أوضح المري المشاكل المعمارية التي يعانيها القصر، وقسمها إلى قسمين الأول خطير ويتمثل في هبوط جزئي بالتربة في سلالم القصر المؤدية للمدخل بالإضافة لتسرب المياه من السطح لخرسانة سقف الدور الأول الذي تدهور وتآكل تسليحه بشكل فج وذلك نتيجة الإهمال المتواصل خلال السنوت الـ75 الأخيرة.

القسم الثاني visual  "شكلي" وأهم ما فيه تآكل جزئي للعديد من الزخارف والتماثيل الهندوسية في داخل المبنى نتيجة التدمير المتعمد من رواد القصر، علاوة على فقد وتدهور مادة الطلاء والتي تآكل لونها الأورجواني في العديد من المناطق.

الأهم من هذا كله كما أشار المري هو كيفية إدارة المبنى بعد الانتهاء من ترميمه، الآثار قالت إنها تقوم حاليا بالتعاون مع السفارة البلجيكية في القاهرة، وجمعيات المجتمع المدني بمصر، بتنفيذ مشروع لإعادة توظيف القصر، لكن لم تفصح عن تفاصيله كاملة بعد حيث أشارت فقط إلى أنه سيقام معرض عن تاريخ حي مصر الجديدة وهليوبوليس عبر العصور.. فهل ستوضع خطة صيانة جديرة به، وما الوظيفة التي سيتم استغلاله فيها بعد ذلك؟ فالمهم استمرارية دور المبنى وألا يترك مجدداً نهباً للمتشردين والأشباح.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها