آخر تحديث:13:41(بيروت)
الأربعاء 21/08/2019
share

أنتيكا الرسائل المصرية: المرأة بالمايوه سهلة.. والمسيحي خائن

أحمد شوقي علي | الأربعاء 21/08/2019
شارك المقال :
أنتيكا الرسائل المصرية: المرأة بالمايوه سهلة.. والمسيحي خائن لغة الزمن الغابر
في صيف 1936، كتب أحدهم -من رأس البر حيث يقضي العطلة- إلى صديقه في القاهرة، يصف أحد المواقف التي تعرض لها، كالتالي:"عزف الأوركسترا معلناً أكبر هزيمة رأيتها في حياتي وملقياً بي من سماء الخيال إلى درك سحيق من التأخر... كانت هناك مسابقة لنوال جائزة أدبية عن وسيلة النجاح في القرن العشرين. والفائز فيها قال إن الوسيلة الوحيدة هي الأخلاق والمقدرة وغير ذلك، ولكني وجدت وسيلة النجاح هذه في رأس البر وهي.. الرقص". وكأنه يسجل عبر وصفه الغاضب ذلك موقفًا ثوريًا، قد يعكس –ربما- الصورة الليبرالية التي كان عليها المجتمع في الأربعينيات، الذي يرفض –وفق ذلك التصور- مثالية قد تكون زائفة، رجعية، في مقابل قيمة أكثر تقدمية. لكن ذلك الشخص الغاضب، لم يكن ينتصر، في الواقع، للرقص بوصفه دعوة لإطلاق حرية الجسد، أو التمرد على ما يكبله من قيود، وإنما كان ينتصر لما اعتبره فرصة "مثالية" يتيحها الرقص إليه لالتصاق أكبر بأجساد النساء، وحجة مناسبة للتحرش بمن يراقصهن من دون إحراج!

بوابة الماضي
قراءة التاريخ ليست بوابة للعبور إلى الماضي، لأن أحداثه تُكتب وتُقرأ بوعي اللحظة الزمنية الحاكمة لكلتا العمليتين المختلفتين: التدوين والقراءة، لذلك فهو دائمًا بوابة إلى الحاضر، ومثل الفن ينحاز التأريخ إلى وعي صاحبه وليس إلى ما جرى، لأن الوعي الفني يتطلع –في كل زمان- إلى غير الممكن، وينظر دائمًا باتجاه المستقبل، فتبقى البوابة الوحيدة للعبور إلى ماضي، هو ما تُرك على حاله من دون أن يمسّه ذلك الوعي. وفي الخطابات التي جمعها الصحافي المصري أحمد خير الدين، ضمن كتابه الأحدث "بعلم الوصول"(*)، بوابات للعبور إلى أزمنة مختلفة رسم خلالها المصريون صورًا أدق عن الأفكار والعواطف التي اعترتهم، بدءًا من ثلاثينات القرن الماضي وحتى تسعيناته، قبل أن يقضي التطور التكنولوجي على عادة المراسلات الورقية الحميمة إلى الأبد.

مهارات جديدة للتحرش
وعلى عكس ما يشاع عن الأربعينات كفترة ازدهار للاستنارة المصرية، تكشف خطابات وُجهت إلى شخص يدعى "إحسان" وآخر غيره، حجم التدني في الصورة المأخوذة عن المرأة داخل المخيال الجمعي، وذلك ليس بسبب استعراض فعل التحرش، الذي كان المقطع المشار إليه في المقدمة توطئة للحديث عن مهارات القيام به كما يتضح في المقطع التالي: "كان البحر هائجًا وله حق لأن مجموعة البنات اللي كانوا بيعوموا اضطروني خمس مرات للغطس العميق ومسك الأقدام ثم الخروج على الماء مع تقديم الاعتذار اللازم وفي كل مرة كنت أقابل صرخة خافتة ثم ابتسامة تذهب بي إلى السماء (...) المرأة العارية لا تهيج إلا إذا لمستها وقد لاقيت من اللمس الأمرين. وباستعمال ثلاث حيل علمني إياها فيكتور أمكنني في يوم واحد أن أكون موضع اهتمام جمع كبير من الفتيات "الخوافات" ولو أنهم سألوني عن الوسيلة الوحيدة لحفظ صحتي من التلف وضمان استفادتي من المصيف لقلت على الفور بقتل جميع الدمياطيات".

أو في ذلك الذي جاء في رسالة تالية تسر وقائع اختيار ملكة جمال الشاطئ: "كان أمس معرض لجميع النسوان والبنات في رأس البر (...) كان الخمسة المشتركات أربعة منهم يهود وشوام وواحدة سنها لا يزيد عن 15 سنة مصرية اسمها أمينة وجميلة جدًا تلبس بيجاما سوداء وتحمل بزاز هائلة ومدهشة كانت جالسة بجوارنا فحرضناها على الاشتراك (...) ولكن لجنة التحكيم وكلهم من أصحاب الضمائر الواسعة اختاروا واحدة يهودية (...) قمنا بضجة هائلة وثورة مدهشة وهتافات بسقوط اللجنة وحملنا أمينة على الأعناق وهات يا هتاف (...) وكنت في ذلك الوقت أتمتع بفوائد الزحام والخوض في الأجسام الطيبة المدهشة وأهتف كذلك مع الهاتفين وهات يا تهريج"، فالتحرش الجنسي كفعل موجود منذ الأزل، ولكن تلك الصورة الممتهنة عن المرأة هي ما يلفت.

فالمرأة بحسب الخطاب سهلة لأنها عارية "تهيج إذا لمستها"، و"البلاج في رأس البر أوقح إعلان عن الراغبات في الزواج". أو أن حالها في خطاب آخر كتبه ضابط شاب إلى زميله في القاهرة -يستعرض علاقة حسية أجراها بالتراضي مع فتاة- يدعو للأسى، فهي على ما ارتكبته من فواحش "بنت في السنة الثانية الثانوية وناجحة وطالعة السنة الثالثة وغاية في الجمال"!

إن ما تصنعه تلك الخطابات التي كتبت خلال نهاية الثلاثينات وحتى الخمسينات، هو جرح الصورة الطوباوية المصدرة عن تلك الفترة باعتبارها عصر الحرية الفردية والسياسية، والتي لا تتسق مع تلك الصورة المتدنية التي تبناها بعض أبناء الطبقة الوسطى عن المرأة باعتبارها وسيلة الشيطان لإغواء الرجل و"إتلاف صحته"، واعتبارهم محاولتها في إبداء جمالها ليست إلا وسيلة لعرض نفسها على الرجل.

المسيحي الخائن
ثمة نقيصة أخرى بخصوص عصر الليبرالية السياسية، يكشفها خطاب كُتب العام 1937، عقب إقالة حكومة النحاس، على خلفية خلافات كثيرة مع الملك فاروق، الذي تولى الحكم في ذلك الوقت وهو دون السن القانونية، وكان من مظاهر الترويج لولايته أن لقبه أحمد حسنين باشا بـ"أمير المؤمنين". ويشير كاتب الخطاب إلى الفرحة الغامرة التي عمت محافظة أسيوط في صعيد مصر ابتهاجاً بخبر الإقالة، لكنها في ما يبدو لم تكن فرحة عامة "تصور أن الفرح أمس في أسيوط كان عظيمًا جداً بسقوط هذه الوزارة، لم يفرح الناس بسقوط وزارة أبو السباع كما فرحوا بسقوط وزارة هذا الكلب الدنيء. أما عن الأقباط هنا فحدث عنهم ولا حرج. فهم في مأتم تام والله العظيم". تلك الإشارة إلى حزن الأقباط المصريين لتولي "أمير المؤمنين" وإقالة الحكومة الليبرالية لا تخلو بأي حال من الأحوال من نبرة تخوين واضحة، وهي على عكس "السلوك الفردي للتحرش" تبدو كنتاج لتفكير جمعي، يصف المسيحيين كانتهازيين يعملون ضد الصالح العام للدولة.

فلورنتينو اريثا المصري
لكن الكتاب الذي ضم حوالى 92 رسالة لمكاتبات المصريين إلى بعضهم البعض خلال أكثر من خمسين عامًا، لا ينشغل فقط بجرح الصورة المثالية الماضي، بقدر ما يستعيد صورته الحقيقية من دون انحيازات. حيث إن تلك الخطابات التي كتبت منذ ما يقترب من القرن، تعكس في الوقت نفسه الدور الكبير للفن في حياة المواطن المصري، وكيف شكلت السينما والموسيقى وعيه ولغة خطابه التي امتدت إلى مكاتباته الشخصية، والتي لم تخلُ تقريبًا من استحضار "كوبليه" شعري تغنت به "الست" أو"حليم" أو غيرهما.

ورغم أن تلك الظاهرة "الشعرية" ستبدأ في التراجع قليلًا، بداية من منتصف السبعينات وما بعدها، لتحل الشواهد الدينية محلها، فإن العاطفة القوية لم تختف من الرسائل، الأمر الذي يثير تساؤلاً أكثر عموميًا حول دور الكتابة في إثارة العواطف.

في "الحب في زمن الكوليرا"، كان فلورنتينو اريثا يمارس سلوكًا عجيبًا لدى رده على المكاتبات التجارية الخاصة بمعاملات شركة عمه، حيث كان يصيغها بعاطفة زائدة وكأنها رسالة بين حبيبين وليست معاملات مكتبية اعتيادية. ولعل ماركيز، وهو يضيف إلى شخصية فلورنتيو تلك الصفة الغريبة، لم يبتغ الإشارة فقط إلى غرق بطله في الحب والوله حد الخلط بين ما هو رسمي وما هو ودي، لكن ليشير ضمنياً إلى أن المكاتبات تحمل عاطفة أكبر في حالة غياب المرسل إليه، وأن الكتابة في حد ذاتها تمنح الإنسان رحابة كبيرة للتعبير عن عاطفته بألفاظ لم يكن ليستخدمها في خطابه العادي في حال التحدث مباشرة إلى المرسل إليه. وكذلك بدت تلك الخطابات بين المصريين، تحمل من العاطفة ما يمكن اعتباره في الخطاب العام كلامًا غير مستساغًا أو دارجًا، مثل ما كتبه أحد الأصدقاء إلى صاحب غادره للتو: "إنني أكتب هذا الخطاب ودموعي على هذه الورقة فبعدما تحرك القطار وتركتني وحيدًا على هذه المحطة بعدما غاب القطار عن عيني وهو يحمل أعز أخ لي ومشيت على المحطة أنظر يمين وشمال فلم أجدك بجانبي فعرفت في هذا الوقت أنني فقدت أعز شيء في حياتي فجلست على المحطة مكان القطار إلى أن جاء القطار وذهبت إلى مغاغة وقضيت ليلي بين الذكريات التي قضيناها معا وأغنية عرباوي التي أنت تحبها فجعلتني أحبها مثلك حبا لك واستمريت في سماعها طول الليل حتى نمت".

الحال الخليجية
بيد أن "عرباوي" وغيرها من الأغنيات الشهيرة ستترك مكانها لاحقًا، إلى الحديث النبوي والآيات القرآنية، لتعبّر بدورها عن عاطفة المصريين تجاه بعضهم البعض، خصوصاً مع ظهور الخطابات الآتية من المملكة العربية السعودية إلى القاهرة، والعكس، منتصف السبعينات. وهو التغيير الذي لم ينحصر في لغة الخطاب، وإنما تجاوزها إلى أسلوب الحياة والعلاقات داخل المجتمع. ولعل أبرز ما يعكس ذلك التغيير، الرد الذي صاغه أحد المغتربين في السعودية، نهاية الثمانينات، إلى زوجته في القاهرة، والتي ترفض -كما يبدو- كل أفكاره الجديدة الطارئة، فيكتب لها: "أما رأيي في إنني أقرأ في السياسة –أو الحب- أو الجنس (من الواضح أن زوجته هنا سخرت منه وقالت له "إقرأ في الجنس" كإشارة لقدراته المحدودة) فهذا يُترك لي، وليس لك، لكن من الأفضل أن أقضي وقت فراغي أو عملي في قراءة ما ينفعني يوم لا ينفع مال ولا بنون (...) جزالك الله خيرًا على الكلمات الطيبة التي تتلفظين بها أيتها الزوجة الكريمة، إنك تريدينني أن أقرأ عن الرقص، ونعم تريديني أن أُدخل نسرين مدرسة للرقص، أو أنا أقرأ عن الرقص علشان أتعلم فنه، وشكراً على ذلك (...) أما عن تنبيهك لي أني أصحى وأفوق، فإنني أدعو الله عز وجل ألا يصحيني لما تدعوني إليه أبداً".

ويُلاحظ في لغة الخطاب الكامل، أن الزوج الذي يتحدث بنبرة لوم أكثر منها نبرة غضب من انتقادات زوجته لأفكاره وطريقة عيشه، يستشهد كثيرًا بالقرآن والحديث النبوي، كأنما ليستعرض أن ما وصل إليه من علم "ديني" لم يكن نتاج طفرة زائلة، وإنما قراءة متأنية لعِلم بدأ يُلمّ به، رغم أن لغته الركيكة واستخدامه الساذج للضمائر يناقض ذلك. لكن المدهش في ذلك الخطاب، هو موقف زوجته القوي المستتر (لأن خطابه جاء ردًا على تسجيل صوتي وصله منها قبل الكتابة) تجاه تغيراته الرجعية من وجهة نظرها، والرغبة القوية التي تدافع بها عن أسلوب معيشتها وأبنائها، في صورة مناقضة أيضًا للدارج. وكأنها تردّ، من دون أن تدري، على خطاب المتحرش إلى "إحسان" في أول الكتاب، وما احتوى عليه من نظرة متدنية إلى المرأة.

ربما يكون في ما تقدّم من قراءة لكتاب "بعلم الوصول"، حكمًا على الماضي بغير أدواته، لكنها في الوقت نفسه قراءة لا تنحاز إلى أفكار الصوابية السياسية، بقدر تدبرها لما جاء في تلك الرسائل ومقارنته بما شاع عن عصرها من صور مختلفة. ذلك أن الرسائل المختلفة والمتباينة، التي انتقاها أحمد خير الدين، من بين 4537 رسالة وجدها لدى باعة الكتب القديمة ومقتني الأنتيكات، تُقدِّم في بعض منها، وعياً مغايراً عن الماضي، وتترك الفرصة أمام القارئ ربما ليعيد تقييمه بوعي لحظته الحاضرة، لكن وفق صورة أصدق وأوضوح.

(*) صدر الكتاب مؤخرًا عن دار الشروق في القاهرة، وهو مزيد بالعديد من الهوامش التي أعدها المؤلف، وتشرح بعضاً مما جاء في الخطابات من أحداث تاريخية، وتحكي قصص أماكن زائلة.

(**) أحمد خير الدين (1987)، كاتب ومذيع مصري، عمل في عدد من القنوات الإخبارية، كما كتب مقالات لصحف ومواقع إلكترونية عديدة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها