آخر تحديث:13:17(بيروت)
الجمعة 02/08/2019
share

"ذاكرة باللون الخاكي": ألم سوري يطيح النوستالجيا

روجيه عوطة | الجمعة 02/08/2019
شارك المقال :
"ذاكرة باللون الخاكي": ألم سوري يطيح النوستالجيا فيلم السوري الفوز طنجور، ينفلت من ذات مخرجه.. ولهذا هو جميل
قد يصح وصف فيلم المخرج السوري، الفوز طنجور، "ذاكرة باللون الخاكي"، الذي عرضه في باريس مهرجان "Syrien N'est Fait" أو بتعريبه، "جاثم لم يمض بعد"، بأنه جميل. وهذا، بعد الإشارة الى أن الجمال، هنا، ودائماً، يعني أمرا محددا: انفلات الشريط من ذاته، بل ودورانه ضدها، ليصير غيره. 

ربما لا بد من القول، في هذا السياق، ولو على تعميم أو شطح، أن الأفلام التي تجدر مشاهدتها اليوم، هي التي تقاوم صانعيها، وتتحرر من إراداتهم، أكانت الخطابية أو البصرية الخالصة، لتسير وحدها، هكذا، من دون أن ترجع إلى نقطة انطلاقها لكي تبقى فيها، إنما لكي تثبتها، وبهذا، تثبت طوال جملتها. إثبات المنطلق هذا، فعل عويص أحياناً، يستلزم نوعاً من التقهقر يتطابق مع الإمساك بالمتروك قبل إعادة الإقلاع منه، أو مما سماه مرة فيلسوف راحل: الارتداد التطوري، الذي يتضح، وفي وضع فيلم طنجور، عبر عودته رغم إرادة مُخرجه، إلى بدئه، ثم التخلص منه، أو محاولة التخلص من فرض هذا البدء الذي يحمل، وككل آتٍ من بعده، لون الخاكي.


من الممكن التنبه إلى كون الفيلم ينطوي على أمرين. من ناحية، خطاب محوره النوستالجيا، وهو فعلياً من إرادة مخرجه، الذي يمده في شريطه، ليس بالتعليق الصوتي فحسب، إنما بإعمال التفاوت الصوري بين سوريا قبل الثورة وسوريا بعد الثورة، وبينهما، الملجأ والمنفى الأوروبيان. ومن ناحية أخرى، هناك ما لا يستطيع ذلك الخطاب الاشتمال عليه، وهو ألم السوريين، الذي لا يفيد بكونهم فروا من بلادهم بعد تضييق نظام الإبادة حصاره لهم، بقدر ما يفيد بأن هذا النظام ما زال موجوداً، على قيد الوجود بعد كل ما ارتكب. هذا الألم، الألم السوري الذي لا يجب التردد في الاعتقاد بأنه ألم العالم، وأنه ألم "بشريته" ولذلك ينكره، ليس ألماً ينقص ويكثر، فهذه الأفعال ليست من قاموسه. إنما هو يحتد، أو يستشيط، من دون أن يكون مجرد غضب، وإن كان كذلك، لا يكون غضباً للغضب.

لا توتر بين الناحيتين، ناحية النوستالجيا وخطابها، وناحية الألم. فالصراع محسوم لصالح الثاني، لكن الأول يحاول اللحاق به، لا لستره، بل لجعله، وبلا حيلة، حديثاً عن ضائع، ولا مناص من الذاكرة كي تستعيده بتفاصيله، من الياسمينة إلى رغيف الزعتر والزيت. غير أن الألم، وكما هي حاله باستمرار، أمضى من ذلك الخطاب، بحيث أن "الضائع" ليس سوى السجن، وبالتالي لا لهفة نوستالجية عليه، بل ألم من كونه ما زال مغلقاً على السوريين، وما زال يواصل عقابهم. نتيجة ذلك، وكلما تكلم الأشخاص في الفيلم -لا الشخصيات، يتساقط الخطاب اياه، أو بالأحرى يعطلونه. فحتى عندما تخبر الرفيقة أماثل أو ثناء عن انقطاع حبل السرة، يغلب شعور الحرية على شعور الفرقة والحداد. لكن، إن كان الخطاب يتفتت، يتمزق، فماذا يحل بالنوستالجيا التي يتمحور حولها؟

فعلياً، تتحول النوستالجيا، وتستحصل على معنى آخر، وهو معنى تنطوي عليه أساساً، قبل أن تصير مجرد حنين إلى الماضي. قبل أن تصير، بالعربية، داء الأبابة: ألم البلاد. إذ إن هؤلاء الأشخاص المهجرين، تؤلمهم بلادهم التي فيهم، وهذا مطلع الشفاء منها. كما أنهم، في الوقت نفسه، يتألمون عليها، وهذا مردّه النظام الذي لا يتوقف عن إبادتها. التألم عليها أقوى من التألم منها، ولهذا يعودون إليها، يعودون عاطفياً لسبب رئيس، لسبب واحد، وهو إسقاط ذلك النظام فيها.

في هذا المطاف، من الممكن القول أنهم يثورون النوستالجيا لتكون، وكعودة لإسقاط النظام، سبيل إيقاف التألم من البلاد ولإيقاف ألمها. لتكون، وببساطة، سبيلاً للمغادرة من "ذاكرة باللون الخاكي". فذلك النظام، حتى لو كان نظام الأبد، لا يحكم إلا في الماضي، ولا يجب سوى أن يحكم في هذا الماضي. أما المستقبل، فهو للسوريين أينما كانوا! 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها