آخر تحديث:13:20(بيروت)
السبت 17/08/2019
share

بلاز سندرار.. المدهش ذو الألف وجه

وجدي الكومي | السبت 17/08/2019
شارك المقال :
بلاز سندرار.. المدهش ذو الألف وجه إن الشيء الأساسي الذي تجب معرفته عن بلاز سندرار هو أنه رجل متعدد المواهب
 
قارئ أعمال بلاز سندرار، وخاصة عمله الأحدث "الدهشة"*، ترجمة الروائي المصري عادل أسعد الميري، سيعيش أكثر من حياة، كما عاش هذا الروائي السويسري الأصل، الفرنسي الجنسية، وعبر عن كل هذه الحيوات التي عاشها في كتبه" المغامرة" و"الدهشة" و"اليد المقطوعة" و"نصيب من السماء" وهي الأعمال المستمدة كلها من أحداث عاشها في حياته، أو أماكن زارها، وعلى الرغم من أن عبارة "سيعيش أكثر من حياة" قد أبتذلت أكثر من مرة في الكتابة عن الكتب، إلا أن كتابات بلاز سندرار جديرة بها.

تدور ثيمات أعمال بلاز سندرار المولود عام 1887 في سويسرا والمتوفي عام 1961 في باريس، حول خمسة موضوعات أثيرة، هي "حياة الغجر" و"باريس وضواحيها" و"رحلاته إلى البرازيل، ومغامراته التجارية، وأخيرا الأشخاص غير التقليديين الذين عرفهم وصادقهم، وغالبيتهم كُتاب وأدباء فرنسيون، والحكي في هذه الموضوعات بطريقة سندرار شديد الجاذبية، وقارئ صفحات الكتاب يجدها تنفد بين أصابعه وهو لا يدري كيف يكون الحكي عن موضوعات بعيدة عنه جميلاً ومثيراً بالشكل الذي يفعله هذا الروائي الفرنسي الكبير.

وينبع سر هذا الجمال من المعرفة الموسوعية التي يكتب بها الروائي، ومن تطبيقه للنصيحة التي يظل يكررها للكُتّاب على مدار صفحات كتابه، ألا وهي: لا تكتب أبدا إلا عن أشياء تعرفها.


يفتتح سندرار كتابه بالحكي عن قصر فرنسي كبير من قصور العائلة المالكة الفرنسية التي اندلعت ضدها الثورة، قصر ضخم من قصور لويس الخامس عشر، ينتهي به الحال إلى أن تسكنه غجرية مكسيكية تسمى بخيتا، أقام سندرار معها في القصر بين عامي 1926 و1936، وعرف قصتها، التي بدأت حينما أحبها أحد نبلاء الأسرة المالكة وقرر أن يتزوجها بعقد كنسي شرعي، فحصلت بخيتا على ألقاب النبالة، وعلى نعيم الإقامة في قصر ضخم، وكان سندرار يذهب للإقامة في هذا القصر متفرغا للكتابة فيه كل عام باحثا عن العزلة اللازمة للكتابة، وكانت بخيتا تستبقيه أطول وقت ممكن، موفرة له كل أسباب الراحة، وينطلق سندرار من حكاية القصر، إلى الكتابة عن ضواحي باريس، في هذا الوقت من ثلاثينيات القرن العشرين، وهي المنطقة التي كانت في تلك الفترة تشكل الريف الفرنسي، المحيط بالعاصمة، هنا يمضي سندرار بيد قارئه متنقلا به من حكاية قصر بخيتا وأحفادها وزيجاتها، إلى حكاية بؤس الفرنسيين الذين عاشوا في ريف باريس في الفترة بين الحربين العالميتين، فيحكي بلاز عن انتشار السينما والراديو والتلفزيون في عشرينيات القرن العشرين في باريس، وانتشار موسيقى الجاز، وصالات الرقص الشاسعة، كتابة تذكرنا فورا برواية "غاتسبي العظيم" للأميركي ف.سكوت فيتزجيرالد، ولكن سندرار يحكي هنا أيضا عن الفترة نفسها التي كتب فيها عشرة كراسات، بكل منها حوالي مائة صفحة أو ما يوازي ألف صفحة إذا قُدر لهذه الكراسات أن تُطبع، يحكي عن توزيعه تلك الكراسات بين البلدان التي كان يحط فيها مسافراً عبر البحر، حيث كان يستأجر خزائن بإسمه في بنوك مدن أميركا الجنوبية، كان يعتقد أن أوروبا ستتعرض حتما لكارثة كبرى، تقضي على الحياة فيها، وكان يقول لنفسه: لو قدر لي أن أظل باقياً حياً بعد وقوع تلك الكارثة يمكنني أن أذهب إلى أميركا الجنوبية وأسترد كراساتي.


في الفصل الثالث من الكتاب المعنون "كيف أختار أماكن سكني"، يتناول بلاز سندرار حياة الغجر، هذه الحكاية ستتكرر فصولها على مدار الكتاب، وعلى الرغم من كونها حكاية محلية، إلا أنه بأسلوبه الممتع جعل منها حكاية شديدة الأهمية، يستهل هذا الجزء بقوله: كنت أحيانا أسكن قصراً، وأحيانا أخرى أسكن كوخاً، من وفرة ما في قلبك ينطق لسانك إن خيراً أو شراً" ثم يمضي في حكاية زميله في الحرب "ساوو" الذي كان ينحدر من أسرة غجرية رأسها يبدأ عند الأم، وتمتد فروعها إلى نساء ورجال يتحكمون فيهن، ويجبرونهن على ممارسة الدعارة، يصاحب سندرار هذه العائلة الغجرية في حلها وترحالها، إلى أن يهجرهم فجأة ويعيش في مخزن مهجور في إحدى الكفور أو العزب، يعيش سندرار حياة قاسية والجفاف، إلا أنها تبعده عن الوسط الثقافي الفرنسي الذي يموج بصخب الأدباء. في هذا المخزن كتب سندرار رواية أسماها "الكاهن" عن تلك الرحلة الروحية التي تقطعها النفس الإنسانية، جاء ذلك بعدما فقد ذراعه اليمنى في الحرب، وصار يعتمد على ذراعه اليسرى في الكتابة، بنفس الخط الذي كان ليده اليمنى. وفي العام 1947 الذي يكتب فيه كتابه "الدهشة"، صارت فرنسا تنظر إلى سندرار بنظرة أكثر اعترافاً واحتراماً، وبات كاتبها القومي المعترف به، ووضعت في مكتبة سانت جينيفياف النسخة الخطية التي كتبها بيده اليسرى عام 1916 من روايته "الكاهن".

الفصل الرابع من الكتاب يعتبر من أمتع فصوله، إذ خصصه سندرار للكتابة عن كاتب غريب الأطوار هو المؤلف غوستاف لوروج، الذي دامت صداقته معه حوالي ثلاثين عاما، وكان غزير الإنتاج الفكري والأدبي، حتى أنه كتب ثلاثمائة عنوان، وحقق نجاحا جماهيريا، ولم يكن مجرد أديب بل كان عالماً مرموقاً يتصدى في كتبه لموضوعات علمية متنوعة مثل لغة الأزهار وتفسير الأحلام، وفهم الشخصية وغيرها من الموضوعات العلمية المتنوعة التي كان الفرنسيون يقفون من أجله طوابير لحضور محاضراته في المسارح العامة، كأنهم مقبلون على عرض موسيقي راقص.

الفصل الخامس من الكتاب يتناول سندرار قصة مارتا والعلاقة بينها وبين غوستاف لوروج، وهي قصة عجائبية، إذ أن مارتا هي عشيقة غوستاف، وكانت لاعبة سيرك جميلة ورشيقة قبل أن تفقد توازنها ذات مرة وتسقط عن ظهر حصان لتنغرز ألواح حديدية مدببة في وجهها، فتصاب بجروح عميقة مخلفة أكثر من ندبة في وجهها. بينما يحكي سندرار عن مارتا، يحكي عن نفسه أيضا، ونكتشف أنه لم يكن مجرد جندي في الحرب فقد ذراعه ذات معركة، ولم يكن مجرد بحار سافر لسنوات إلى البرازيل وأجرى مئات الصفقات، ولم يكن مجرد كاتب، ولم يكن مجرد صحافي، بل كان أيضا لاعباً في السيرك، زميلاً لمارتا، مستعملاً اسماً مستعاراً، محافظاً على إسمه الأدبي وسمعته الأدبية الوليدة، فزامل شارلي شابلن الذي كان مهرجاً مغموراً في السيرك لا يعرفه أحد، في العشرين من عمره.

عرف سندرار مارتا في لندن عام 1910، قبل حادث تشوه وجهها، وظلت بعد ذلك العام مختفية حتى مع بداية الحرب العالمية الأولى عادت إلى باريس، وأقامت مع لوروج، يحكي في هذا الجزء من الكتاب عن مرضها الغريب الذي أدى إلى تآكل في بشرة جلد جسدها، ويحكي عن أن مرضها كان سببه كثرة العلاقات الجنسية، ليس فقط مع لوروج بل مع رجال آخرين، كانت امرأة شرهة للممارسات الجنسية المنحرفة، وكان لوروج يحتفظ بها مع ذلك في بيته، لأسباب حاول سندرار تخمينها، منها أنه يستمتع بتعذيب نفسه، أو لأنهما ارتكبا سوياً عملاً إجرامياً بشعاً فاضطر للإبقاء عليها.

على ان الأجزاء الممتعة في الكتاب كذلك، هي تلك التي يتحدث فيها سندرار عن خلاصة تجربته الإنسانية ومن ذلك ما يقوله في منتصف الكتاب، وفي نهايته، يقول: كل ما أستطيع أن أقوله الآن وقد تعديت الستين هو أنني طوال حياتي كنت أكره الأغنياء الذين يحاولون استعراض ثرواتهم أمام الآخرين، وكنت أختار بكامل إرادتي الحياة مع الفقراء، أقول لكم إن هذه الفائدة الحقيقية للإيمان، الاعتقاد بأنه ليس في أيدينا أي شيء يمكننا أن نصنعه لتغيير مصائرنا، هذا الاعتقاد مريح جدا نفسيا، أتحدث هنا عن الذين وُلدوا فقراء، ولم يكونوا يوما من الأثرياء ثم حدث أن فقدوا ثرواتهم فهؤلاء مُتعبون جدا لا يكفون عن الشكوى وعن المطالبة باستعادة الحقوق التي يعتقدون أنها كانت لهم.

وكما يهجو سندرار الأغنياء، يهجو أيضا المثقفين المزيفين، إذ يقول: أما أبشع أنواع البشر الذين عرفتهم على الإطلاق، فهم المثقفون المزيفون الوصوليون، خاصة في حال معاناتهم من البطالة، عندما لا يجدون ما يكتبونه، أو عندما يكتبون ولا يجدون من ينشر لهم كتاباتهم، في مثل هذه الحالة يستعمل المثقف المزيف الوصولي كتاباته في الطرق على كل الأبواب، خاصة أبواب السياسيين وكبار رجال الأعمال محاولا أن يكتب كل ما يرضيهم، فالمزيف يجيد صياغة العبارات أما المثقف الحقيقي، ففي مثل هذه الحالات يترفع تماما عن الوصولية، ويصمت، مكتفيا بتوصيل الرسالة الثقافية أو الاجتماعية التي تحملها كتاباته، لذلك كنت أقول إنه ينبغي أن يمارس الكاتب نشاطا تجاريا أو مهنيا آخر إلى جوار الكتابة حتى يستطيع أن يستغني عن العائد المادي لكتاباته.

كتاب "الدهشة" لسندرار، من أمتع الكتب الذي أصدرها هذا الكاتب الفرنسي الذي قال عنه هنري ميللر في كتابه "الكتب في حياتي" إن الشيء الأساسي الذي تجب معرفته عن بلاز سندرار هو أنه رجل متعدد المواهب، غزير الإنتاج من الكتب، ومن أنواع متعددة شديدة الاختلاف في ما بينها، ورغم ذلك، فهو رجل اجتماعي بامتياز.


*صدرت الترجمة عن دار آفاق للنشر في القاهرة

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها