آخر تحديث:12:38(بيروت)
الأربعاء 14/08/2019
share

"أدوار النهضة" الموسيقية المختفية

حسن الساحلي | الأربعاء 14/08/2019
شارك المقال :
  • "أدوار النهضة" الموسيقية المختفية
    عبده الحامولي
  • زمن الادوار
    زمن الادوار
يقدم "مترو المدينة" ندوة موسيقية أو "دليلاً سمعياً" لمحبي الموسيقى العربية الكلاسيكية تساعد في فهم قالب تربع طويلاً على عرش الغناء في مصر وكان ذروة الوصلة الغنائية وخاتمتها منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى عقد الثلاثينيات.  يقدم الندوة عازف العود والمغني، طارق بشير، وهو متخصص في موسيقى النهضة، وعمل لسنوات على مشاريع لفهم التغيرات خلال تلك الحقبة بتأثير من التكنولوجيا، من اختراع الميكروفون الذي غيّر ديناميكية الحفلات، إلى الإسطوانة التي حدّت من الإرتجال وغيّرت أشكال القوالب الموسيقية لتصبح ملائمة للمدة الزمنية المسموح بها.


بعد إتاحة أرشيف العقود الأولى من القرن العشرين، بجهد من مؤسسات متخصصة بالأرشفة وإحياء التراث، أعيد إحياء مغنين أجادوا "الدور"، مثل عبد الحي حلمي، ويوسف المنيلاوي، ومحمد السالم الكبير والين كانوا ناشطين في العقد الأول من القرن الماضي.

في السابق كان هذا التراث محصوراً في أيدي قلة من هواة الجمع والسمّيعة، بالإضافة إلى الأعمال التي وصلتنا من المرحلة المتأخرة من عُمر الدور، أي الجيل الذي شهد أفوله (صالح عبد الحي، ماري جبران، أم كلثوم وعبد الوهاب ... ) أمام تركيبات جديدة وأنماط غناء أكثر مناسبة للسينما الغنائية والفن الإذاعي.

بدأت القصة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مع الخديوي اسماعيل الذي أراد تحسين وضع الفنون المصرية في سياق من التنافس المصري – العثماني، وبشكل خاص الأنماط الغنائية التي تعتبر محلية، وليس هناك من مرادف لها عند الأتراك. ينطبق هذا على قالب شعبي يؤدَّى بالعامية المصرية في الأعراس والمقاهي، ويعتبر نمطاً قريباً من الزجل، كان يومها يتسم ببنية بسيطة للغاية، حيث تألّف من مذهب (مطلع) ملحّن كاملاً ويعاد مرات عديدة خلال الأغنية مع الردّيدة (المذهبجية)، وغصن يكون باللحن نفسه في العادة، ويحمل بعض الإرتجال. أما كلمات الدور فكانت ذات طابع شعبي في الغالب، ومن الممكن أن تحتوي على تعابير سوقية، ربما لا تناسب الأذن الطامحة لنوع من الرقيّ مثل الخديوي المصري إسماعيل.

نفذ المهمة مغنيان يعتبران من الأبرز يومها، هما محمد عثمان وعبده الحامولي. أصبح "الدور" أطول ولم تعد هناك إعادة له خلال الأغنية مثل السابق، أما الغصن فأصبح من ثلاثة أجزاء: التفريد ذو الطابع الإرتجالي المستوحى من المطلع، ثم الهنك والرنك (الأخذ والرد) اللذان يضمان تبادل الآهات (آه) بين المغني والرديدة وحواراً يكون أحيانأً على طريقة سؤال وجواب، وقد أصبحت هذه العادة من الثوابت الموجوة في كل الأدوار التي نظمت حتى ثلاثينيات القرن العشرين، مع أنها وفق طارق بشير لم تكن متبعة سابقاً، ويعود الفضل لعثمان والحامولي في انتشارها إلى أنماط أخرى.


ما فعله الحامولي وعثمان أنهما قاما بتثبيت مسار واحد للدور، اتبعه الجيل اللاحق الذي تتلمذ على أيديهما، وهذا المسار يتيح الإرتجال بشكل كبير رغم تعقيده بالمقارنة مع النسخة القديمة، خصوصاً انه نصف ملحَّن، ويجبر المغني على استكمال ما تبقّى وفرض لحنه وغنائه الخاص. حافظ الجيل الثاني من ملحني الدور ومغنيه، مثل داود حسني وابراهيم القباني، على المسار الذي خطّه الحامولي وعثمان، إلا أن عناصر الدور تطورت كلها. فوفق "مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية": "ازداد مع الجيل الثاني الإستعراض في مقام المذهب مع إضافة امكانية تلحين جمل موسيقية ناقلة من مظهر نغمي إلى آخر، أما التفريد فلم يعد تام الإبتكار، بل أصبحت هناك قماشة نغمية وتنقلات يقترحها الملحن على المؤدي، على أنّ بعض المؤدّين كانوا يزيدون من عندهم كالشيخ يوسف المنيلاوي، وبعضهم ينفّذ العملية بحذافيرها كالشيخ السيّد الصفتي، والبعض كان يضرب كل شيء عرض الحائط ويؤدّي ما شاء كعبد الحيّ أفندي حلمي.

اكتمل هذا التطور مع الجيل الثالث، وتحديداً سيد درويش الذي أصبحت جمله مسبقة التلحين بأغلبها، وأصبح مسار الدور معه أكثر إلزامية على المؤدي، مع تثبيت بعض التغيرات المقامية والجمل في المذهب والتفريد والوحايد. هذه التغييرات التي قللت كثيراً امكانية الإرتجال (طبعاً بحسب المؤدي) أتت نتيجة تطور تقنية تسجيل الإسطوانات التي أجبرت الملحن على الإلتزام بمدة معينّة لا يمكنه تخطيها، وان يأخذ في الإعتبار توقيت قلب الإسطوانة من جهة إلى أخرى. من دون أن ننسى أن قوانين حقوق الملكية ظهرت يومها ولعبت دوراً من ناحية تعزيز ميل الملحنين لكتابة تفاصيل ألحان الأغاني لتسجيلها رسمياً.


يعتبر عبد الحي حلمي من أبرز من غنّوا "الدور" مع أنه توفي مبكراً ولم يصلنا سوى جزء صغير من أعماله. تتميز أدواره بالحرية بعيداً من الإلتزام واحترام اللحن الأصلي الذي ميز أداء سيد السفطي، أو "الرصانة الجذلة والمبهجة" ليوسف المنيلاوي الذي يعتبر أيضاً من أهم من أدّوا الأدوار في تلك الحقبة. يُخضع حلمي "الدور"، وفق الوصف الوارد في إحدى الحلقات الإذاعية التي تقدمها "مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية"، إلى "هواجسه العصابية، حيث كان يترك مقاطع كاملة ليركز فقط على شطر معين، أو على نقطة في تلوين خاص يضيف إليها تلاوين هاذية (من هذيان) ومأسوية، مكثراً من حركات الصوت المؤثرة، كالقفزات الواعية من أربع أو خمس درجات صوتية، كيف يعبر عن الانفعال أو العبور من الجمل الطويلة إلى أداء متقطع كما لو أنه مختنق"، ما يبدو واضحاً في أدائه لدور "س".

أما يوسف المنيلاوي فلم يكن أقل شهرة من حلمي، وقد غنى عشرات الأدوار التي تضم الشكل البسيط والبدائي التي كانت موجودة في النصف الأول من القرن الثامن عشر، بالإضافة لتلك المتطورة التي لحنها الحامولي وعثمان، وألحان الجيل الجديد الذي كان يسمى يومها جيل الشباب أي داود حسني وابراهيم القباني. تمتع صوت المنيلاوي بمرونه وامتلك قدرة تعبيرية عظيمة وعرف بتمييعه أحرف الكلمات في بعض الأدوار بطريقة تصبح قريبة من صوت العصافير. أما القصة الأشهر عنه فحدثت خلال رحلته إلى الأستانة بطلب من الخديوي إسماعيل مع موسيقيين ومغنين (الحامولي وعثمان وأحمد حسنين والشيخ الشنتوري) وذلك من أجل "إطراب" السلطان عبد الحميد. غنى يومها المنيلاوي أحد أدواره فأعجب السلطان كثيراً بصوته واستدعاه وحده للغناء والإنشاد من دون فرقة موسيقية، وحتى إنه طلب مرافقته إلى صلاة الجمعة.

من ملحني الدور أيضاً محمد عبد الوهاب الذي تابع طريق سيد درويش من خلال تثبيت عناصر الدور وتقليل أي مساحة للإرتجال، وزكريا أحمد الذي درس على أيدي المشايخ (ظهرت خلال تلك الفترة مدارس الموسيقى ومدارس المسرح الغنائي التي قدمت طريقة تعليم جديدة)، واستعار بعض عناصر التوشيح الديني في أدواره التي ظهرت مختلفة وخاصة. لكن، بشكل عام، مع صعود هذين الملحنين، كان المشهد بأكمله يتوجه إلى نمط جديد من الموسيقى، وقد توقف عبد الوهاب في العام 1931 عن تلحين الدور. أما زكريا أحمد ففي العام 1938، قدم الدور الأخير في تاريخ هذا القالب هو "إمتى الهوى يجي سوى" لأم كلثوم.


في تلك الفترة تراجعت أيضاً الوصلة الغنائية التي، كانت تتألف من تقاسيم وموشحات وموال ودور يعتبر ذروتها وخاتمتها، وظهرت أنماط جديدة أكثر مناسبة للسينما الغنائية، والإذاعة، وبدأ البعض يعتمد أغاني طويلة ومركبة كما هو الحال مع أم كلثوم وغيرها. لذلك لم يعد هناك سوق للدور كما في السابق، لكن بعض المغنين استمروا في أداء الأدوار القديمة التي استمرت شهرتها خلال القرن الماضي وإلى اليوم، ونذكر منهم سعاد محمد، صباح فخري، لطفي بوشناق، كارم محمود. لكن منذ العام 1938 توقف الملحنون عن تقديم أي أدوار جديدة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها