آخر تحديث:13:25(بيروت)
الثلاثاء 13/08/2019
share

خطبةُ اللاجئ

خالد المعالي | الثلاثاء 13/08/2019
شارك المقال :
خطبةُ اللاجئ خوان ميرو
نعم، حطّ بي المطافُ هنا، بهذا الشيء القليل، الذي هو أنا، وبما يلفّني من أسمال... مع غبش الفجر وصلتُ إلى المحطة بتلك المدينة، الصدفة وحدها من دلّني، بعد كلّ تلك المحاولات العاثرة للوصول إلى مدينة ما. وصولي كأنه اليأس، بقيتُ واقفًا على الرصيف بعدما أسرعَ الجميعُ في دروبهم... لوّحت الأيدي كثيرة مرحبة بغيري... كان وجهي مُتعبًا من السهر وجسمي ضامرًا من الجوع... أوهامي تلاشت بين المحطات الكبيرة والصغيرة التي عبرتها. الدفء! لم أعرفه، والأبواب أُغلقت بوجهي دائماً... كم هي ساعات الليل بطيئة وكم هو ألم الجوع قريب، كأنه أضحى ردائي والكلمات التي أتعكّز بها، تلك الأبيات التي تلوح بذهني، حينما يخفت الألم وتتراءى لي الحياة بأحلامها، تلك الحياة البعيدة التي قصدتها، حتى هذه التي كانت ملجئي الأخير... تتبخرُ وتحلّ الغشوة على العين كأني لم أكن... كأن تلك السنون كانت متاعي الوحيد، واستعادتها الآن هي متعتي الوحيدة وفيما أنا أحرّك الخطوات قليلًا على ذلك الرصيف وأتحسس الجيب الفارغ وأرقب الأملَ الذي أضحى بابًا مغلقًا، وكأن الكابوس هو المطاف الأخير. كنتُ عشتُ قليلًا في متاهةٍ، لماذا تركتها؟ ما هذا الدافع القوي الذي يدفع بي إلى التهلكة ويجعلني أمام الفراغ واقفًا من جديد!

كم كانت رقيقة، كبيرة ورائعة تلك الأحلام التي التقطتها من كتاب ما، سيرةُ هارب مثلي الآن، كان يرويها وكأنه يحكي عن نزهة في حديقة! كم جعلتني أتقلّب في الليل ساهراً أو كأني خارج زاويتي في بيت الطين ذاك بتلك القرية البعيدة، كم تلوح الآن مياه آبارها عذبة، كم تبدو الآن طبيعتها القليلة الخضرة رحيمة... لا ينتهي النهار قبل أن نجد ما نلتهمهُ ودخان التنانير يبدو من بعيدٍ، فقد حان وقت الخبز وإن لم يكن، فقليل من التمر، وكأن الحياة تسير على إيقاعها الرتيب، غير أن تلك الأحلام لم تترك خيالي هادئًا، أمسكتني من أزياقي وجعلتني أبتعدُ عن كلّ شيء، هربًا من العسف والزيف الذي أضحى يُخيّم على تلك الحياة، استشعارٌ داخلي بما سيأتي... فقد حلّت لغةٌ جديدة، لا تسمحُ بالتماهي، كانت تدفعنا إلى الفراغ، إلى الخمود، انها لغة تُكسّر الأحلامَ في مهدها، وتجعلُ اليقين لا يقيناً.

لكن ها هو اللاجئ قد وصل. واقفٌ هو على رصيف المحطة، يُرى من بعيدٍ بأسماله التي عليه والأخرى التي كوّرها في نصف حقيبة، كان يتأمل الوقتَ خلل عقارب ساعات المحطة وكأنها تتهيأ لكي يدور هو بدورانها ويمضي في طريقه.

لم يكن الفقدان فقط هو ما جعله يرى العالم بطريقةٍ جديدة. لكنه انتبه إلى أنه قد أُقتلع، أو أنه إقتلع نفسَه وراء تلك الأحلام وكأنه كلبٌ ينبحُ السراب.

كان عليه أن يقول هذا في الأول من آب 1980، بمحطة كولونيا الرئيسية وفيما هو سادرٌ على الرصيف لمح وجهاً ضاحكاً ويداً ملوحةً وكأنها صورة، لكنه كان عاجزاً عن التفكير، عن صياغة ما يريد أن يقوله، لهذا لم يقله، لكنه لم ينسَ وكلما عاد إلى تلك المحطة تراءت تلك اللحظات، وكأنها أضغاث أحلامٍ وكوابيس من عالم غريب، لم يكن إلا عالمه هو بالذات. وكأنها جاءت من الحُلم... غير أنه سار، أحس بقدميه تخطوان على الرصيف... غير أنه سارَ بعد أيام قليلة لوحده في المدينة تائهًا، ذلك أن ضيق الأفق، عالم الأشباح هذا قد أكمل المهمة، وجعل من كلّ لاجئ وكأنه شبحٌ تتصيّده الأشباح الأخرى.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

خالد المعالي

خالد المعالي

ناشر وشاعر عراقي

مقالات أخرى للكاتب