آخر تحديث:13:39(بيروت)
الثلاثاء 13/08/2019
share

أطوار أوروبا: عن الدين والتديّن في القارة القديمة

أسعد قطّان | الثلاثاء 13/08/2019
شارك المقال :
أطوار أوروبا: عن الدين والتديّن في القارة القديمة
"المجتمعات الواثقة من نفسها تنعكس في دين واثق وهادئ ومنفتح. أمّا المجتمعات المضطربة، فتنعكس في دين خائف، متزمّت ومتغطرس" (أمين معلوف)


نحن وأوروبّا امتداد واحد. هذه هي الجغرافيا، والجغرافيا تصنع التاريخ. حتّى بعد انهيار حلم القيصر جوستنيان بجعل المتوسّط من جديد بركةً في حضن الإمبراطوريّة الرومانيّة، وذلك بفعل توسّع الإسلام على حساب المملكة "المسيحيّة"، لم يكن شمال المتوسّط "المسيحيّ" منفصلاً يوماً عن جنوب المتوسّط "الإسلاميّ". لقد طبع المسلمون الأندلس والبلقان وصقليّة وكريت بطابعهم وتركوا فيها الكثير من الفكر والجمال. والعداوة مع الروم لم تحل دون استقدامهم المخطوطات من الديار البيزنطيّة وترجمتها والتعليق عليها في إطار عمليّة انفتاحيّة على علوم الهند والصين والفرس واليونان أسّست لأعظم مساهمة حضاريّة في تاريخ المسلمين، كانت اللغة العربيّة قوامها. أوروبّا تعنينا إذاً. تاريخها لا ينفصل عن تاريخ منطقتنا، وحاضرها كذلك. هذا تؤكّده موجات الهجرة واللجوء إلى القارّة الأوروبّيّة التي شهدتها السنين الماضية.

كيف تتشكّل علاقة أوروبّا بالدين؟ لا شكّ في أنّ المسيحيّة اللاتينيّة تركت بصماتها في القارّة القديمة. لكنّ الحضارة الأوروبّيّة ليست مسيحيّةً حصراً. فلقد تضافرت على صناعتها روافد عديدة أهمّها، إلى جانب المسيحيّة، الثقافة اليونانيّة القديمة والمنظومة القانونيّة الرومانيّة الناطقة باللاتينيّة، يضاف إليهما الأثر الواضح للكلتيّين والجرمان والسلاف. وهناك حيّز واسع من الثقافة الأوروبّيّة يحيلنا إلى اليهوديًة والإسلام. أوروبا هي كلّ هذا، وهي أكثر من هذا، لأنّ الكلّ أكثر من أجزائه كمّا علمنا أرسطو. وهذا الكلّ هو الذي نظّر لحقوق الفرد، ووضع مداميك الدولة الحديثة وقال بحياديّتها بالنظر إلى الدين والعرق واللون، واستقى قوانين المجتمع من الاجتهاد العقليّ، وغلّب نقد الماضي ومراجعته على تقديسه.

في ثمانينات القرن الماضي، برز خطاب يطالب بأسلمة أوروبّا "بدلاً من الدخول في صراع معها". وأُنفقت ملايين الدولارات في سبيل هذا الهدف تحت غطاء ما يُعرف بالدعوة الإسلاميّة. كما شهدنا في بعض الأوساط خطاباً مسيحيّاً أرثوذكسيّاً مماثلاً، ولا سيّما بعد انضمام اليونان وقبرص وبلغاريا ورومانيا إلى المجموعة الأوروبّيّة. طبعاً الداعون إلى استعادة "أوروبّا الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة" إلى "حظيرة" الإيمان الأرثوذكسيّ لم تتوافر لهم الإمكانات التي توافرت لبعض الدعاة المسلمين، الذين هبطت عليهم بسحر ساحر دولارات ممالك الملح العائمة على النفط. ولكنّ هذا لا يقلّل من شأن التقاطع في البنية الذهنيّة: أوروبّا قارّة منحرفة دينيّاً وتحتاج إلى هداية. ترياقها هو إمّا التوحيد الإسلاميّ، حيث الدين والعقل يلتقيان ولا يتصارعان، وإمّا صوفيّة الكنيسة الشرقيّة الكفيلة بشفاء الجفاف العقليّ الأوروبّيّ.

لكن بعد انقضاء عقود على نشوء هذه النظريّات التبشيريّة، لم تتأسلم القارّة القديمة ولا هي اعتنقت المسيحيّة الأرثوذكسيّة. والمتديّنون فيها يجنحون اليوم إلى تبنّي عناصر من الهندوسيّة والبوذيّة دون الانخراط فيهما انخراطاً كاملاً فيما يبدو الإسلام بالنسبة إلى غالبيّة الأوروبّيّين تحدّياً اجتماعيّاً، لا روحيّاً، أي إنّه يرتبط بمسألة اندماج مزيد من المسلمين في المجتمعات الأوروبّيّة، لا بإقبال الأوروبّيّين زرافات على الإسلام. والملاحظة نفسها تنطبق على المسيحيّة الأرثوذكسيّة. فالذين اعتنقوها في أوروبّا الغربيّة والوسطى كانوا أقليّة الأقليّة. ومعظمهم من المحافظين الذين وجدوا في الأرثوذكسيّة جواباً على انفتاح كنائس حركة الإصلاح على الحركة النسويّة والمثليّة الجنسيّة.

 لماذا عجز الإسلام وعجزت المسيحيّة الأرثوذكسيّة عن استقطاب معظم سكّان القارّة القديمة؟ لا يمكن اختزال الجواب عن هذا السؤال بعامل واحد. فالأفكار الدينيّة لا تظهر بمعزل عن شرطها التاريخيّ، وهي ليست منزّهةً عن المنظومة السياسيّة السائدة وما يصاحبها من مقدّمات وأحكام مسبقة. لا يستطيع أحد أن يتجاهل، مثلاً، أنّ الإسلام ترسّب بعد سقوط المعسكر الشيوعيّ في عقول كثيرين بوصفه عدوّاً للغرب. وكان من الصعب النظر إلى الإيمان الأرثوذكسيّ بمعزل عمّا آلت إليه روسيا بعد انهيار هذا المعسكر. ولكن يبقى العامل الرئيسيّ في تصوّري هو أنّ الخطاب التبشيريّ، سواء كان إسلامياً أو مسيحيّاً أرثوذكسيّاً، يطرح الحلّ الدينيّ بوصفه تقديساً للماضي وعودةً إليه، ويجتزئ قطعةً من التاريخ أو من التراث مسبغاًً عليها صفة الفردوس المفقود القادر على تقديم حلول لكلّ المعضلات الراهنة والمستقبلة، من هيمنة الرأسمال مروراً بالبطالة وصولاً إلى الجفاف الروحيّ. لكنّ أوروبّا ترى أنّ فهم التاريخ لا يستتبع العبوديّة للتاريخ، وأنّ دراسة الماضي ليست توصيفيّةً فقط، بل تتلازم مع نقد الماضي ومساءلته وتشريحه. بكلّ بساطة، أوروبّا قارّة عيناها إلى الحاضر والمستقبل، ومن الصعب عليها أن تقبل منطق الدعاة الذي يقدّس الماضي بلا مساءلة ويضفي على شريحة منه صفة الإطلاق.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

أسعد قطّان

أسعد قطّان

أستاذ جامعيّ

مقالات أخرى للكاتب