آخر تحديث:08:34(بيروت)
الأحد 11/08/2019
share

محمد خضير.. المسح التاريخاني والخصوصية النوعية

المدن - ثقافة | الأحد 11/08/2019
شارك المقال :
محمد خضير.. المسح التاريخاني والخصوصية النوعية
غالبا ما تسود نقدَنا الأدبي العربي مسحةٌ عامة تغفل عسفاً الانبثاقات النوعية التي تشقّ سبيلها بين الركام والحطام الاجتماعي والتاريخي والأيديدولوجي. فقد غطّت أعمال نجيب محفوظ المتفوقة (الثلاثية ونظائرها الكبرى في الأدب المصري) الأفقَ المتوسط للقرن العشرين أمام أعمال طليعية نامية في الصف الثاني منها (لصنع الله ابراهيم وجيل الستينيات المصري). وكذلك فقد كانت النماذج الصلبة لواقعية حنا مينا قد سدّت شهية قراء نكبة حزيران وما تلاها من إبداع روائي على الأرض المتاخمة لحدود الصراع العربي الإسرائيلي في سوريا ولبنان وفلسطين (روايات هاني الراهب وحيدر حيدر وإلياس خوري وغسان كنفاني).

لم يختلف المسح التاريخاني في العراق عن هذا التصنيف القسري لأطواد الرواية وما يتوزع حولها من براعم تنفست الواقعَ المحطم الأركان وهواءه الملوث بأيديولوجيا الحرب والهزيمة والانكسار البنيوي والثيماتي. فقد غلبت نزعةُ الواقعية الاجتماعية لقلعة الرواية الخمسينية والستينية على غيرها من الانبثاقات العليلة بأمراض الوقت المزمنة (روايات فاضل العزاوي وياسين حسين وعبد الستار ناصر وعبد الرحمن الربيعي وعبد الرزاق المطلبي) وإنْ كان بدرجات أقل من مثيلاتها في الوطن العربي. إذ سايرت موجاتُ هؤلاء الروائيين "الثانوية" العواصفَ الوجودية المتمردة في روايات فؤاد التكرلي الرئيسة وقاربتْها كثيراً في صراعها للانبثاق على مستوى واحد من القوة والوجود الروائي التاريخي.


في فترة الحرب الثمانينية وما بعدها، حتى نهاية القرن العشرين، كان الفرز صعباً بين الصوت الروائي "المتعقل" و"المجرّب" و"الناجي" وأصوات العاصفة المزمجرة والمتكسرة على صخور الشواطئ المحكومة بسلطة الحزب والحرب. آنذاك كان ظهور رواية مستقلة ببنائها وحوادثها عن أنشودة القتال المستولية على الأرواح الضعيفة والأمزجة المرهَقة غير ممكن على الإطلاق. وقد يخفف النقدُ التاريخاني من غلوائه وعُصابه الأيديولوجي عند هذه الحقيقة التاريخية والنفسية، فيلتقط بعض الروايات "الناجية" من هذا الخضمّ المتلاطم تمثيلاً لفترتها (روايات عبد الخالق الركابي ولطفية الدليمي وعالية ممدوح ومثيلاتها من الروايات المهاجرة).
قد يكون تصنيف روايات ما بعد العاصفة، واستقرارها عند الشاطئ الافتراضي في ٢٠٠٣ والسنوات التي تلتها، أصعب مما سبقه من فرز وتسنيم. هنا وعلى هذا المستوى من الاختلاط والادعاء والكثرة الروائية، تبرز أهمية المعيار النوعي في تقدير التجربة الذاتية (الحكاية الشخصية للكاتب) والاحتكام لصدقه وتجاوز المستويات الروائية المتماثلة والمتغايرة، في الحقب الماضية، لأجل تصنيفه بحسبها.

على هذا الأساس او المعيار الخصوصي، التجاوزي، سنعثر على تجارب روائية، ثرية بالرؤى والخصوصية البنائية والثيماتية (تجارب نصيف فلك ومن اقتربَ مثله من قلب العاصفة أول مرة) قد قطعَتْ مع ما قبلها وخلّفته وراءها، وصارت تضئ بقوتها الذاتية طريقها التاريخي.

هل يبرر انتباهُنا الى خلل المسح التاريخاني الاعتيادي، في نقدنا، ضرورةَ هذا المنشور؟ هل نبحث عن مبررات غير التحقيب الجيليّ، والفرز الثيماتي، والتناص التاريخي، لكي نخوض مرحلة جديدة من الكتابة الروائية؟ 
هذه وغيرها، تنبّه، بقصد ومن غير قصد، الى مهمة غير يسيرة أمام نقادنا وكتابنا ومؤرخينا، في العراق والوطن العربي.

(*) مدونة كتبها القاص العرقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها