آخر تحديث:20:36(بيروت)
الخميس 01/08/2019
share

الطبلة المحرّمة

محمد حجيري | الخميس 01/08/2019
شارك المقال :
الطبلة المحرّمة
قد يكون مثيراً للضحك والتهكم أن ينشغل بلد "مرقد العنزة" و"مقاومته" التي تملك مئة ألف صاروخ، بموجة أخرى من التحريم المقدس والديني. فبعد منع حفلة "مشروع ليلى" في مهرجانات جبيل الدولية، بحجة "مس المقدسيات المسيحية"، والأب والابن والروح القدس والجان والجنيات وصور مادونا الأميركية المركبة في "فايسبوك"، منع صاحب مطعم في النبطية جنوبي لبنان، إحدى الفرق من إكمال حفلة بسبب استعمال الدربكة التي تفتح "شهية الرجال" على الرقص الشرقي و"هزي يا نواعم" كما قيل... 

والطبلة أو الدربكة أو الدربوكة في بعض البلدان العربية، هي الكوبة والكَبَر، من أنواع الطبول، كما صرح به غير واحد. وقيل طبل صغير طويل العنق مجلد من جهة واحدة، وهي إحدى الآلات الإيقاعية المنتشرة في البلدان العربية (مصر تحديداً) وتركيا وحتى أوروبا الشرقية، وهي آلة قديمة عرفها البابليون والسومريون، يمسكها العازف تحت ذراعه، وينقر على سطحها بكلتا يديه، ويتم النقر على وسط السطح أو على طرفه لإنتاج الصوتين المختلفين المستخدمين في الإيقاع "دم تك".

وقد استخدمت كثيرا في أفلام "الزمن الجميل" أو أفلام الاستعراض، ووظفها هكتور برليوز في إحدى أوبراته في العام 1890 وكذلك استخدمها المؤلف الموسيقي دوريس ميلهاود العام 1932، وهي قرينة "الرقص الشرقي" وتلوي الجسد النسوي وانسيابه، وتستعملها النساء كثيرا في الأعراس في غرفهن الخاصة حين لا يكون الاختلاط، وبتعبير احدهم "لم يولد الربط بين الرقص والطبلة من فراغ، فالطبلة هي العنصر الأساسي في الرقص، ولا يمكن تعلمه من دون إيقاع". ولم يكن هز شاكيراً الشرقي شرقياً من دون ايقاع طبلة، وعلى هذا باتت للطبلة صورة نمطية أنها ترتبط بالرقص، وبحركة الخصر والأرداف.

والطبلة -الدربكة- إسلامياً فيها قولان لـ"أهل العلم"، فذهب مذهب المالكية إلى جوازها، وذهبت الشافعية إلى تحريمها. وعلم بهذا أن مذهب المالكية جواز استعمال الدربكة في الأفراح، مع جزمهم بأنها الكوبة، وهي نوع من الطبول، ومذهبهم جواز استعمال الطبول كلها في النكاح (الزواج) إلا ما كان فيه صراصير، وهي قطع المعدن التي تحدث صوتاً عند الضرب على الطبل. وأما الشافعية، فيرون تحريم الدربكة، ويجزمون أيضاً بأنها الكوبة.

وبغض النظر عن تاريخ الطبلة ومسارها، فهي كثيراً ما تحولت معياراً وقناعاً لمواقف سياسية ودينية واجتماعية، مع العلم أنها إحدى أدوات الترفيه والآلة الأكثر انتشاراً والأسهل استعمالاً في الرحلات واللقاءات العابرة، على ضفة النهر او تحت شجر او حتى على متن شاحنة. ومرات تغدو عبوة معدنية أو تنكة زيت، بديلاً للترفيه وتزجية الوقت واستعمال الإيقاع الراقص. لكن السياسة والدين حين يحضران في المشهدية، يبدآن التعسف وأنواع التسلط، فمن رسالة منسوبة لعمرو بن العاص قال عن أهل مصر: "أرضها ذهب ونساؤها لعب ورجالها لمن غلب وأهلها تجمعهم الطبلة وتفرّقهم العصا". جعل ابن العاص من حب مجتمع للفرح والبهجة والمتمثل في استعمال الطبلة، موضع هجاء بائس او محاولة رسم صورة كاريكاتيرية من حاكم يميل إلى النظام الشمولي، وأن يرسم صورة نمطية عن مجتمع ضخم ويجعله على صورة "الهشك بشك"، تجمعه الطبلة، ورخواً تنقصه الشدّة لذا تفرقه "العصا".

وما رسمه ابن العاص في الزمن الغابر، ما زال مستأنفاً حتى يومنا. فـ"جبهة النصرة" في ادلب وهي التي تسعى لاسقاط النظام السوري، ضاقت عينها باستعمال الدربكة، فمنعتها قبل سنتين، وحرمت على الفتيات ممن تجاوزن 10 سنوات دخول الملاهي وركوب الألعاب لما فيها من "خدش للحياء"، وهددت من يستعمل "الدربكة"، بالمساءلة والسجن أيضاً. ولا يختلف مناصرو "حزب الله" في النبطية، عن سلوك جماعة "النصرة"، فالمصدر واحد بين تنظيمين لدودين، والنتيجة واحدة... والحق ان قضية المنع أو الإيقاف في النبطية صارت مستهجنة حين صارت خبراً، ذلك لأن منطقة "حزب الله" معروفة التوجه ايديولوجياً، بموسيقاها وكلماتها وأناشيدها، وإن اشتهر الجنوب اللبناني بحفلات الدبكة والمِجوِز، وحصلت الحفلات في بعض المرات بحضور جماعة "حزب الله".

لكن في الواقع، المنع ليس جديداً، فسبق أن منعت أغاني فيروز في أروقة الجامعة اللبنانية حيث عناصر "حزب الله". حتى "الرفيقة" جوليا بطرس، حين غنت كلمات من خطاب حسن نصرالله، لم يُسمح بعرض أغنيتها في تلفزيون "المنار"، لأنها تتضمن موسيقى لا تناسب توجهات "حزب الله". أما واقعنا السياسي في لبنان، فيختصره ما قاله نزار قباني:
الحاكم يضرب بالطبلة
وجميع وزارات الإعلام تدق على ذات الطبلة
وجميع وكالات الأنباء تضخم إيقاع الطبلة
والصحف الكبرى والصغرى
تعمل أيضاً راقصة
في ملهى تملكه الدولة
لا يوجد صوت في الموسيقى
انشز من صوت الدولة
الدولة منذ بداية هذا القرن
تعيد تقاسيم الطبلة

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها