آخر تحديث:13:42(بيروت)
الإثنين 08/07/2019
share

نجوى الفؤاد مع سليم بركات: أكباد الإبل (2/2)

أحمد عمر | الإثنين 08/07/2019
شارك المقال :
نجوى الفؤاد مع سليم بركات: أكباد الإبل (2/2) سليم بركات
... ردّ سليم بركات فوراً وكأنه كان يتربص بالهاتف.
عرّفته بنفسي، وكان التعريف إسرافاً، نافلاً، فسِرُّه الهاتفي الباتع لا يعرفه سوى ثلاثة؛ امرأة، ورجل، وشيطان يتصل وسوسةً، وقلت: نسيت أن أسألك فيما إذا كنت أستطيع أن أتصل بك مرة ثانية.
أفتى مرتبكاً، متلعثماً، وأباح لي بهاتف المتعة الذي سعيت إليه طويلاً، فابتسم الفؤاد وما حوى.
قال مواسياً: تستطيع أن تأخذ صورة لي من الشبكة العنكبوتية وتعلقها عندك.
قُلت: لقد ضربتُ إليك أكباد الإبل من فرانكفورت، ومعي العوذ المطافيل، وكنت أظنُّ أن الغريب للغريب نسيب، وسأقيم ما قام عسيب.
(العوذ المطافيل في لسان العرب المعاصر: ألف يورو وهي كلفة الرحلة).

قال: أعذرني أحمد.
بادرت أكرُّ عليه مثل الأبطال كرَّة غير إجفال: لقد أصبحت تشبه أبطال روايتك يا أستاذ سليم.
قال: أرجو رفع الكلفة، اللقب يشعرني بأنّي في حفلة تنكر.
قلت: سليم أنت تذكّرني ببطل رواية فقهاء الظلام "حسو الميرسني" الذي أصيب برهاب الأمكنة الفسيحة، فحبس نفسه في غرفة ثم في تابوت، نما لديه رهاب الأمكنة الواسعة، حتى وجدوه ميتاً في صندوق خشبي. ضحك سليم، ضحكة ليس لها تفاعيل حرة، هأهأته نثرية، قلت له: لي صديق صحافي من الدرجة العاشرة، غزا مرةً الرّقة، وطرق باب عيادة عبد السلام العجيلي، ففتح له الباب، فطلب منه صاحبي حواراً، اعتذر عبد السلام العجيلي وهو طبيب نبيل المحتد، وأحد أمراء الرقة، فهو لا يُجري أكثر من ثلاثة حوارات في السنة، فاستنخاه صاحبي، ووضع يده في زناره، فخجل العجيلي، ورضي، وكانت الأسئلة باهتة، مثل متى تكتب، وكيف تكتب، وهكذا؟ مثل أسئلة مجلات الشبكة، وألوان، وفوتو ريما.
قال: أعتذر أحمد. ونطق اسمي مثل قطعة من القضامة السورية (الفستق المحلى) التي أبهرت جوستن ترودر فاهتدى، وأهدى لوحاً منها لبيلوسي رئيسة الكونغرس.
قال لي: أحمد، المغاربة لديهم جائزة نسيت اسمها، منحوني هذه الجائزة، فاعتذرت عن حضور الحفلة، أعذرني.

صمتنا، سعدت بالمعلومة وكأنها هدية، قال: أين أنت؟
قلتُ: في اوبسالا، صديق هجرته زوجته وتركته وحيداً كعجز نخل منقعر، دعاني لزيارته فترددت، لقد أصبت أيضاً بمرض حسو الميرسني، لا أغادر البيت إلا للتسوق في صيدلية اسمها السوبر ماركت، وأعود كل مرة لتعاتبني زوجتي، فدائماً أنسى، أو أشتري طعاماً معلباً وكأنه هدية ملكية أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان، بسعرات حرارية غير المكتوبة في الوصفة الطعامية الصيدلية، وقد انتهيت من اوبسالا فزرتها كلها، وهي مدينة موحشة تكثر فيها المظاهر المسلحة.
قال مستعلماً: المسلحة؟
لقد استُدرج إلى المصيدة.
قلت: السويديات الفايكنغيات عاريات من الأسفل ومن الأعلى مثل خنجر أبي لؤلؤة المجوسي، لحومهن الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحَى... وأسيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدَةٍ دَمَا، في كل مكان. قلت في نفسي: قضى القائد عبد الرحمن الغافقي شهيداً في بلاط الشهداء، ولو فتح تلك البلاد كما فتح عبد الرحمن الداخل الأندلس، لاستشهد في جبهة أخرى، فالسنكندنافيات هنَّ غير الاسبانيات، فارعات الطول، يصلحن جميعاً من غير استثناء عارضات أزياء، والعري عدّة حرب ليس كمثلها، ولم يعرفها العرب من قبل مثل العرادة والمنجنيق. لقد نالوا الشهادة التي لا مراء فيها.

قُلت: أتسمح لي بنشر هذا الحوار؟
قال: بشرط ألا تنسب لي ما لم أقله، مرة افترى علي صحافي ونشر حواراً باسمي، وأنا حاقد عليه حقد الجمل.
عرفتُ الكاتب الذي ذكره، الكاتب الذي جعل سليم في عزلة تامة.
قلت: لم يجِر بيننا حوار، الحوار هو حديث نفسي، نجوى الفؤاد.
ضحك، ذكرتني ضحكته بضحكة سينم في فقهاء الظلام، وصمت برهة، ودخل في فترة من الرسل والشياطين، كنا نشبه في حوارنا نمراً هجم على حمار وحش، وكلاهما مخططان، صمد حمار الوحش، فاحتار النمر، وتعطلت نواميس الكون والطبيعة، مدَّ النمر يده بخفر على عنق حمار الوحش، فدفعها النمر وكأنه يرفض المماثلة والمساواة، احتار حمار الوحش، احتار النمر، لقد أفسد حمار الوحش اللعبة، فولّى النمر الدبر.

قال: هل صديقك الذي سطا على رقمي بجانبك؟
وكان "بافي كال" بجانبي، قريباً في المطبخ يعذّب اللحم على النار حتى الحريق، فأنكرتُ، بدأ سليم يكيل له اللعن، لو سمعها صديقي لركب من فوره سيارته من أوبسالا إلى غابات سوغوس، واقتحم عليه المنزل واشتبك معه في عراك. فصديقي كردي عنيد، مثل كل كردي، ولكانت تشابكت قرونهما الشجرية وعلقت مثل قرون فحلين من فحول الغزلان حتى يهلك أحدهما، ويمضي الآخر حقبا.

روى لي صديقي بافي كال، مرة، إنه اشترى بيتاً في ضواحي اوبسالا، وكانت له جارة ألمانية وحيدة، طيبة في الصحو، شريرة في السُّكر، ما إن تثمل حتى تهجم على باب داره وتقرعه قرعاً شديداً ضرباً بالقبضات ورفساً بالقدم، فترعب الأولاد، فيفتح لها الباب، فتصرخ فيه: أوقف هذه الطبول والمزامير.
فيقول: أية طبول أيتها الخرقاء؟
فتقول: هذه الطبول.
فيغلق في وجهها الباب.
وتتالت غزوات المرأة الوحيدة التي كانت تسكر كل ليلة حتى الثمل، فاشتكى بافي كال لدى محام، فضحك المحامي، وقال: القضية سهلة، المرأة تريدك، وما عليك سوى أن تعزف لها على المزمار في الفراش وتدقُّ على طبولها كما تفعلون في أعراسكم الصاخبة.

صمتنا، ارتبك سليم، وقال بخفر البنت في خدرها: جرس الغسالة يرنُّ، سأخرج الغسيل من الغسالة، أعتذر منك.
ودّعني، وألقت الغسالة بجرانها إلى الأرض، بقيتُ مدة قصيرة في البيت وحدي، واستقر رأيي إلى أن سليم بركات الروائي والشاعر هو مَن نعرف، أما سليم الإنسان والنازح والزوج والأب فهو صبيٌ لم يبلغ الحلم بعد، وخرجت لكي أنتحر بخنجر أبي لؤلؤة المجوسي.

آخر الموهيكان
في اليوم التالي اتصلتُ بسليم وحييّته هكذا: صباح الخير. وكان أن بادرني بالتذمر من انكشاف عورة رقم هاتفه، وأنه عاتبَ شيطانه السويدي، فعاتبتُه وذكّرتُه بأنه خان العهد، وكان قد عاهدني ألا يعاتبه، فأخبرني بأنه يلوم نفسه أولاً.

حاولتُ إخراج الحلزون من قوقعته الصلبة، بنثرِ بعض الملح الخفيف، فذكّرته ببعض تأويلاتي لوقائع وشخصيات رواياته، لكنه كان يمضي إلى الهاتف وسرِّ الرقم. طلبت منه أن يعطيني فرصة لقول كلمتين، لأنه كان مصرِّاً على التحقيق في جريمة تسريب الرقم الهاتفي، ورجاني رجاء حاراً ألا أنشر شيئاً عما دار بيننا، فاعتذرت، وقلت إنني كتبت المقال أمس في خمس ساعات متواصلة، أصولُ وأجولُ في حومة الصفحة، لكنني أستطيع أن أدّعي في المقال تكريماً له، أنَّ الحوار، وهو مناجاة، محضُ خيال، حوارٌ مبتدع، ملفّق، وأخبرته عن عنوان المقال: "نجوى فؤاد وسليم بركات". فقال إنه كتب مؤخراً مقالاً بعنوان نجوى فؤاد، وسكتَ ورضي، وقال هذا حقك، وقال بأنه سيقصد شركة الهاتف ليغيّر الرقم، وأنّ مئات الشخصيات ستلومه، ونسيت أن أقول كيف ستلومه هذه الشخصيات ورقمه مجهول.

بدّلتُ ميمنة الجند بالميسرة وهجمتُ عليه بطعنة غير متوقعة: متى تستيقظ من النوم؟ قال: أنام في منتصف الليل وأفيق في السابعة، وقال: اعذرني البصل يحترق فأنا أطبخ الآن، وضحك، وقال هذه معلومة فافرحْ بها، وكنت أعرفها، فابتسمت من طيبته، لكن معلومة الغسالة كنت أجهلها، وانتهت المكالمة، وأظنُّ أنني لن أكلّمه بعد الآن، فهو دون كيشوت غير دون كيشوت سرفانتس، لقد اختار العزلة المطلقة، أنا لم أغز بلاد السكندناف من أجل البصل والغسالات.

وظهر لي نوبيل في المساء، واقترح عليّ أن آخذ كرتي وأقذفها في حديقة داره وأقرع عليه الباب، لكنني لم أفعل، كنت أخشى إن رآني على الباب، أن يفعل كما فعلت الزباء، التي قذفت سماً أبيض في فمها كان مدّخراً في خاتمها لليوم الأسود، وأن يقول لي سليم مثلما قالت الزباء لعمرو بن عدي: بيدي لا بيدك يا أحمد، وأن يموت سليم بعدها مخنوقاً بقضامة اسمي السكرية لا بسمِّ الزباء.

***
قبل يوم من العودة إلى "الوطن" الألماني، حمتُ حول الهاتف مثل مجرم يهمُّ بارتكاب جريمته. الساعة هي العاشرة صباحاً، جريمتي ستُقترف في وضح النهار. رفعتُ السماعة وأخذتُ نفساً كمن يريد أن يغطس في لجة البحر المحيط لصيد لؤلؤة راقدة في محارة صلبة في الأعماق، واتصلت، فردّتْ عليّ زوجة سليم من زنزانة سليم الانفرادية الاختيارية، عرّفت بنفسي مثل غراهام بِل عند أول اتصال هاتفي، ردّتْ عليّ التحية بأحسن منها، أخبرتني أن سليماً يشوي في الحديقة، فتعجبت أنه يشوي في الصباح الباكر! وطلبتْ مني أن أتصل بعد ربع ساعة، اتصلتُ بعد ربع وربعين وثلاثة أرباع، فلم يرد عليّ أحد، إنه يعرف أن المتصل هو شخص واحد ليس غيره. عاد الارتياب، وكنت أشبه ما أكون بشخصية مم آزاد في رواية الريش، عندما قصد بلاد الإغريق بحثاً عن الرجل الكبير، وأظن أن شخصية الرجل الكبير مصدرها ياسر عرفات، وكان سليم قد احتمى به بعد مقال في الكرمل، فقام بتكريد الشخصية. 

***
هناك، في وسط ستوكهولم، على تلة مشرفة على البحر المحيط رفعتُ حديدة هاتفي، واتصلت بسليم وأنا أعدُّ حنجرتي لصرخة مثل صرخة وليام والاس في فيلم "القلب الشجاع": سليييييييييييييييييييييييم.

كنت أرضى أن أحاور سليم بلغة الصور ورموز التواصل الاجتماعي، لم يكن بي طمع سوى لقياس المسافة بين نافذة مكتبه، ثكنة الحبر والأخيلة، وبين المكتب، وقد علمت من شيطانه أنه يكتب دفعة واحدة، وقلما يعيد الكتابة. لكن سليم كان قد اتخذ قراراً غير قابل للطعن بالعزلة التامة، وكنت قد ذكرت له في المكالمة الأولى رواية البارون المعلق لإيتالو كالفينو، ورويت له حكاية الرواية، وقلت له إنه يشبه بطل الرواية، وكنت قد أبديت رغبتي في الحديث عن بعض رواياته فقال: أعوذ بالله لا أحب الكلام في الأدب.

الطريق بعيدة إلى سليم ما تزال. أبعد من طريق ديميس روسوس صاحب أغنية: فار وي.

يمكن تشخيص حال سليم بالعبارة الشائعة في التحليلات السياسية: منفصل عن الواقع، وإنه اختار بعد كتابة السيريتين بأسلوب الواقعية الانتحارية أو الواقعية التامة، اللجوء إلى الرموز، لعله أحس بذنب كبير بعد الكتابين، فنأى إلى الاعتزال في كهوف الرموز ومغاورها، كفارة عن تلك الكبيرة. الرمز منفى. بنى في ذلك المنفى حائط سور العزلة الرمزية العظيم وتحصن في الكنايات. سليم الواقعي غير سليم الروائي والشاعر، عندما يكتب يتحول كما في الأساطير إلى ذئب يغير على قطعان المعاني، تقول علوم الحيوان إن الذئب لا يكتفي بضحية واحدة، ويقتل عشرات الشياه. الذئب هوايته الافتراس.

***
نوبيل يترجم لسليم بركات، سألته عن الكتب التي ترجمها، قال: إن ناشراً اتصل به يطلب ترجمة كتاب يختاره هو، وكان كتاب السيريتين قد خلب ألباب السويديين، بعدما اطلع نوبيل على بضع روايات اختار رواية "أرواح هندسية"، فتعجبتُ منه أشد العجب، فهي أصعب رواياته، رواية شاقة، متعبة. قال إنه أحبها، وهي رواية حرب وليست رواية عن الحرب. أعجبني وصفه للرواية وكبر في عيني، أما خيار الرواية الثانية للترجمة فهو أعجب، الثانية للترجمة كانت "موتى مبتدئون"، إنه يختار الروايات العبثية وأبعدها من قلبي.

***
لم أستطع أن أنسى كيف أهدرتُ فرصة عظيمة، أطرح على سليم بعض الأسئلة، وأجلو فيها لمحبّيه غامض حبره. عرفني فوراً قبل أن أتكلم، قال صاحب "الريش" قبل أن أنطق حرفاً: أهلاً أحمد عمر.. لا أحد يتصل بي غيرك. بعدما قلت لسليم بركات هذه مكالمة الوداع، ردّ عليّ بالكردية: "خودي وبيغمبر وخوجيا خضر بتربه"، وهذا دعاء كردي قديم يقال لثقلاء الدم والأعزاء أيضاً. سعدتُ بنبرته، وقوَّتِ اللغة الكردية من الأواصر بيننا، فنسيت تدبيري ومكيدتي وقلت من فوري: سليم أنا على مرمى حجر من بيتكم.. لنلتقي لدقيقتين لا أكثر، فأغلق سماعة الهاتف، التي صدر عنها صوت إطلاق نار من مسدس قديم، وضعت يدي على صدري، كان الدم يسيل منه بغزارة. أعدتُّ الاتصال، مرتين. كان سرحان عبد البصير قد قصّ كبل الهاتف. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها